جورجيفا : ديون الدول الفقيرة تلتهم 14% من الإيرادات.. وتدعو لتحرك عاجل

حذّر صندوق النقد الدولي من أن صمود الاقتصاد العالمي يعتمد بدرجة متزايدة على طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، في وقت تتصاعد فيه مخاطر الديون والتضخم والصراعات الجيوسياسية والتغير المناخي، بما يجعل استمرار النمو عرضة للاهتزاز إذا فقد هذا المحرك قوته.
وقالت كريستالينا جورجيفا، المديرة العامة للصندوق، إن الاقتصاد العالمي يُظهر قدرة ملحوظة على التكيف مع الصدمات، لكن الاعتماد على محرك واحد للنمو يشكل مصدرًا إضافيًا للمخاطر، مشبهة هذا الوضع بالوقوف على «ساق واحدة».
وجاءت التحذيرات خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي اختُتمت في بانكوك يوم 17 أكتوبر، وسط دعوات لتعزيز الاحتياطيات المالية، وضبط التضخم، ومعالجة أعباء الديون، وتوسيع التعاون الدولي.
الذكاء الاصطناعي يدعم النمو.. لكنه يزيد مخاطر الاعتماد على محرك واحد
جمعت جورجيفا بين التفاؤل بقدرة الاقتصاد العالمي على الصمود، والقلق من المخاطر التي قد تقوض هذا الأداء مستقبلًا.
وأشارت إلى أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يمثل مصدرًا رئيسيًا للدعم الاقتصادي حاليًا، في ظل قدرته على تعزيز الإنتاجية وفتح مجالات جديدة للنمو، لكنها حذرت من أن تركّز مصادر النمو في قطاع واحد قد يجعل الاقتصادات أكثر عرضة للصدمات إذا تباطأت الاستثمارات أو لم تتحقق العوائد المتوقعة منها.
ولا تقتصر المخاطر على أداء شركات التكنولوجيا، إذ تتزامن طفرة الذكاء الاصطناعي مع ارتفاع مستويات الدين العام، واستمرار الضغوط التضخمية، وتزايد التوترات التجارية والعسكرية، إلى جانب المخاطر المناخية.
وترى المديرة العامة للصندوق أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تحقيق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا الجديدة ووضع ضوابط تحد من مخاطرها الاقتصادية والمالية والاجتماعية.
فجوة الذكاء الاصطناعي تتسع بين الاقتصادات
لا تتوزع مكاسب طفرة الذكاء الاصطناعي بالتساوي بين الدول؛ إذ تستفيد الاقتصادات التي تستقطب الاستثمارات التكنولوجية أو تشارك في سلاسل القيمة المرتبطة بها بدرجة أكبر من غيرها.
وفي المقابل، تواجه دول منخفضة الدخل، خصوصًا المستوردة للطاقة وغير المنخرطة بقوة في هذه السلاسل، تحديات متزامنة تشمل ارتفاع تكاليف الاقتراض والطاقة وتراجع المساحة المتاحة أمام الحكومات لمواجهة الأزمات.
وقالت جورجيفا إن بعض الدول الأكثر هشاشة تخشى اتساع الفجوة بينها وبين الاقتصادات المستفيدة من طفرة الذكاء الاصطناعي، بما قد يزيد التفاوت في فرص النمو والاستثمار.
وأكدت أن تطوير البنية الرقمية والطاقة والمهارات والقدرات المؤسسية يمثل جزءًا أساسيًا من تمكين هذه الدول من الاستفادة من التحول التكنولوجي.
خدمة الديون تستهلك حتى 14% من إيرادات الدول منخفضة الدخل
يمثل ارتفاع تكلفة الاقتراض أحد أبرز القيود التي تواجه الاقتصادات الأكثر ضعفًا. وبحسب تصريحات جورجيفا، ارتفعت نسبة الإيرادات التي تخصصها الدول منخفضة الدخل لسداد الديون إلى نطاق يتراوح بين 8% و14%، مع تأثير ارتفاع أسعار الفائدة العالمية في تكلفة خدمة الدين.
ويؤدي هذا العبء إلى تضييق الموارد المتاحة أمام الحكومات لتمويل الخدمات الأساسية والاستثمارات الداعمة للنمو، خصوصًا عندما تتزامن مدفوعات الدين مع ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء.
وحذرت جورجيفا من أن التضخم يفرض عبئًا أشد على الفئات الأقل دخلًا، مشبهة أثره بـ«ضريبة على الفقراء»، في إشارة إلى تراجع القوة الشرائية للأسر التي تخصص جانبًا كبيرًا من دخلها للاحتياجات الأساسية.
ودعت إلى مساندة الدول التي تواجه أعباء دين غير مستدامة عبر إعادة الهيكلة عند الحاجة، وتوفير التمويل الدولي، وتهيئة الظروف اللازمة لجذب الاستثمار الخاص.
الجادعان يدعو إلى بناء احتياطيات مالية وحماية الفئات الأكثر هشاشة
من جانبه، أكد محمد الجادعان، وزير المالية السعودي ورئيس اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التابعة لصندوق النقد، أن قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود لا تعني غياب المخاطر أو إمكانية التراخي في مواجهتها.
ودعا إلى تبني خطط مالية متوسطة الأجل وموثوقة تعيد بناء الاحتياطيات المالية، مع حماية الفئات الأكثر هشاشة وعدم التضحية بالاستثمارات الداعمة للنمو.
كما شدد على أهمية الحفاظ على استقلالية البنوك المركزية لضمان استقرار الأسعار، ودعم السياسات التي تعزز نمو القطاع الخاص والاستثمار، إلى جانب تكثيف التعاون الدولي لمعالجة الاختلالات الاقتصادية والتوترات التجارية.
وحذر الجادعان من أن الحروب واضطرابات طرق التجارة والممرات المائية قد تزيد الضغوط على أمن الطاقة والغذاء، وتدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع، بما يفاقم الصعوبات التي تواجه الدول ذات القدرة المحدودة على امتصاص الصدمات.
صندوق النقد يطالب برقابة أشد على المخاطر المالية والتكنولوجية
لم تقتصر التحذيرات على المالية العامة، بل امتدت إلى المخاطر التي قد تتزايد داخل النظام المالي مع ارتفاع مستويات الاقتراض وتوسع استخدام التقنيات الرقمية.
ودعت جورجيفا الجهات الرقابية إلى متابعة الرفع المالي ومخاطر المؤسسات المالية غير المصرفية والهجمات السيبرانية والاحتيال، في وقت تتسارع فيه وتيرة استخدام الذكاء الاصطناعي داخل الأنشطة الاقتصادية والمالية.
ويضع هذا التوجه المؤسسات التنظيمية أمام مهمة مزدوجة: السماح بالاستفادة من الابتكار وزيادة الإنتاجية، مع الحد من المخاطر التي قد تنتقل عبر الأسواق أو تؤثر في الشركات والمستهلكين.
كما يتطلب الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي تعاونًا بين الحكومات والشركات التكنولوجية والجهات الرقابية، لضمان وجود أطر واضحة للمساءلة وإدارة المخاطر.
إعادة هيكلة الديون والتعاون الدولي ضمن أولويات المرحلة المقبلة
أكدت مناقشات الاجتماعات السنوية أهمية تطوير آليات أكثر فاعلية لمعالجة أزمات الديون، وتوفير تمويل للدول التي تواجه صعوبات قصيرة الأجل نتيجة الحروب وارتفاع أسعار الطاقة.
وشدد صندوق النقد على ضرورة مواءمة الإصلاحات المالية مع حماية الفئات الأكثر احتياجًا، وتحسين كفاءة الإنفاق وتحصيل الإيرادات، وتوجيه الموارد إلى الأنشطة التي تدعم النمو وتزيد قدرة الاقتصادات على مواجهة الصدمات.
وتكشف هذه التوصيات عن تحدٍ يتجاوز إدارة طفرة الذكاء الاصطناعي نفسها؛ إذ تحتاج الاقتصادات إلى تنويع مصادر النمو، وبناء احتياطيات مالية كافية، وتخفيف أعباء الديون، وتعزيز التعاون الدولي.
وبينما يتيح الذكاء الاصطناعي فرصًا لزيادة الإنتاجية والاستثمار، فإن استدامة صمود الاقتصاد العالمي ستظل مرتبطة بقدرة الدول على معالجة نقاط الضعف المالية وتوسيع قاعدة النمو، بدلًا من الاعتماد على محرك اقتصادي واحد.









