طفرة الذكاء الاصطناعي تحت الاختبار.. ضغوط الأسواق تكشف مخاطر جديدة على البنوك الأمريكية

تواجه طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي اختبارًا جديدًا مع تصاعد التقلبات في أسواق الأسهم وتباطؤ بعض أنشطة التداول والخدمات المصرفية الاستثمارية، ما يثير تساؤلات بشأن انعكاسات الإنفاق الضخم على البنية التحتية للتكنولوجيا على أداء البنوك الأمريكية ومخاطرها خلال الفترة المقبلة.
وتأتي هذه التطورات رغم استمرار قوة أرباح عدد من البنوك الكبرى، بينها «جيه بي مورغان تشيس» و«غولدمان ساكس» و«سيتي غروب» و«ويلز فارغو»، إذ أظهرت النتائج المعلنة تراجع بعض الإيرادات عن توقعات المحللين، خصوصًا في تداول أدوات الدخل الثابت والعملات، إلى جانب تباطؤ رسوم الاكتتاب في إصدارات الأسهم والطروحات العامة الأولية مقارنة بالربع السابق.
تراجع التداول يضغط على الإيرادات
أسهمت التقلبات الحادة في عوائد سندات الخزانة الأمريكية وزيادة إصدارات الديون المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الضغط على نشاط تداول أدوات الدخل الثابت، فيما أثرت تكاليف التمويل وظروف السوق في إصدار ديون جديدة وتمويلات عقارية.
وجاءت إيرادات تداول السندات والعملات لدى عدد من البنوك دون توقعات المحللين، باستثناء «سيتي غروب»، بحسب التقرير. كما تكبد «جيه بي مورغان» و«ويلز فارغو» خسائر في محافظ السندات مع هبوط أسعارها، في ظل ارتفاع العوائد.
وتراجعت كذلك رسوم ضمان الاكتتاب في إصدارات الأسهم والطروحات العامة الأولية مقارنة بالربع الثاني، الذي شهد صفقات كبيرة، بينما ظلت رسوم إبرام الصفقات أكثر تماسكًا نسبيًا.
وتعكس هذه المؤشرات تباين أداء الأنشطة المصرفية؛ فاستمرار قوة الأرباح الإجمالية لا يمنع ظهور ضغوط في مصادر إيرادات بعينها، خصوصًا تلك المرتبطة بحركة الأسواق وتوقيت الصفقات.
الطروحات المؤجلة تضيق نافذة الصفقات
أدت حالة عدم اليقين وتقلبات الأسواق إلى زيادة حذر المستثمرين والشركات، مع سحب بعض الطروحات العامة الأولية المزمعة وتأجيل خطط أخرى لجمع التمويل.
وأشار التقرير إلى تأجيل طرح شركة «أورا» المتخصصة في أجهزة تتبع اللياقة البدنية، وعدم اعتزام «أوبن إيه آي» المضي في طرح عام خلال العام الجاري وفقًا للمعلومات الواردة فيه، بينما ظلت خطط «أنثروبيك» لطرح محتمل بقيمة عدة مليارات من الدولارات مرتبطة بظروف السوق والجدول الزمني المتوقع.
وفي المقابل، يرى مسؤولون مصرفيون أن بعض الصفقات لم تُلغَ بالضرورة، وإنما تأجلت انتظارًا لظروف أكثر ملاءمة. وقال ديفيد سولومون، الرئيس التنفيذي لـ«غولدمان ساكس»، إن نشاط الأسواق لا يزال قويًا مقارنة بالمعايير التاريخية طويلة الأجل، رغم تراجعه عن مستويات الذروة المسجلة في وقت سابق من العام.
كما أشار جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لـ«جيه بي مورغان»، إلى أن الربع الأخير قد لا يشهد التباطؤ الموسمي المعتاد، في ظل استمرار كثافة الأحداث الاقتصادية والجيوسياسية.
انكشاف البنوك يتجاوز القروض المباشرة
لا تقتصر مخاطر طفرة الذكاء الاصطناعي على التمويل المباشر لبناء مراكز البيانات والبنية التحتية، بل تمتد إلى تسهيلات رأس المال العامل وأسواق الأسهم والائتمان الخاص وصناديق التحوط.
وأوضح جيريمي بارنوم، المدير المالي لـ«جيه بي مورغان»، أن انكشاف البنك على قروض الذكاء الاصطناعي لا يزال محدودًا مقارنة بإجمالي محفظة قروض الشركات والاستثمار، لكنه حذر من أن أي تحول كبير في معنويات المستثمرين تجاه القطاع قد يمتد أثره إلى نطاق أوسع من المؤسسات والأنشطة المالية.
وتنبع أهمية هذا الانكشاف من ارتباط الاستثمار في الذكاء الاصطناعي بالاقتصاد ككل، عبر الإنفاق الرأسمالي والتوظيف والأجور والطلب على الطاقة والتمويل، بما يجعل التباطؤ المحتمل في القطاع عاملًا قد يتجاوز شركات التكنولوجيا إلى قطاعات أخرى.
وفي المقابل، شددت جين فريزر، الرئيسة التنفيذية لـ«سيتي غروب»، على استمرار دور إنفاق المستهلكين في دعم النمو، بما يعكس وجود عوامل اقتصادية أخرى يمكن أن تحد من أثر أي تباطؤ في استثمارات الذكاء الاصطناعي.
الإنفاق الضخم يثير أسئلة بشأن العائد
تتزايد المخاوف مع استمرار ضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، رغم عدم وضوح حجم القدرات الحاسوبية المطلوبة مستقبلًا أو العائد الاقتصادي الذي ستولده هذه الاستثمارات على المدى الطويل.
وقال سولومون إن حجم الاحتياجات المستقبلية من رأس المال والقدرات الحاسوبية سيعتمد على تطور منظومة الذكاء الاصطناعي مع نضجها، وهو ما يبرز صعوبة تقدير الاحتياجات الاستثمارية بدقة في المرحلة الحالية.
وتتداخل هذه المخاطر مع ارتفاع تكاليف الطاقة واستمرار الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الفائدة وعوائد السندات، وهي عوامل قد تزيد تكلفة الاقتراض وتحد من الإنفاق لدى الشركات والمستهلكين والحكومات.
وبذلك، يواجه القطاع المصرفي معادلة مزدوجة: الاستفادة من الطلب على تمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مع إدارة مخاطر التقلبات السوقية واحتمالات تباطؤ الاستثمارات أو تراجع العوائد المتوقعة منها.









