مرصد الذهب: لا حصيلة رسمية شاملة لحملة التنقيب غير المشروع رغم دخولها المرحلة الثالثة

كشف «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية» عن تطور مسار مواجهة التنقيب غير المشروع عن خام الذهب في مصر، من الملاحقات القضائية والضبطيات الأمنية المتفرقة منذ عام 2023، إلى حملة مكبرة تنفذها قوات إنفاذ القانون من القوات المسلحة والشرطة المدنية على ثلاث مراحل بالصحراء الشرقية والمنطقة الجنوبية، بدأت في 22 يونيو 2026، ووصلت إلى مرحلتها الثالثة في 12 أكتوبر الجاري.
وقال الدكتور وليد فاروق، مدير مرصد الذهب، إن مراجعة البيانات الرسمية الصادرة منذ عام 2023 وحتى منتصف أكتوبر 2026 تكشف انتقال جهود المواجهة من ضبط وقائع فردية وتفكيك شبكات مرتبطة بالتنقيب غير المشروع إلى عمليات أمنية موسعة تستهدف بؤر النشاط والمعدات المستخدمة فيه.
وأكد المرصد، في رصده التوثيقي، أنه لم تُعلن حتى الآن حصيلة رسمية إجمالية للحملة المكبرة بمراحلها الثلاث، كما لم تُنشر أرقام تفصيلية لنتائج المرحلتين الثانية والثالثة، أو كميات الذهب الخام المضبوط خلالها على نحو مستقل، محذرًا من جمع أرقام وردت في بيانات عامة أو نسبتها إلى الحملة دون سند رسمي واضح.
قضية جبل علبة تفتح ملف الملاحقات القضائية
تعود أبرز المحطات القضائية التي أشار إليها المرصد إلى فبراير 2023، حين استأنفت محكمة جنايات البحر الأحمر نظر محاكمة 27 متهمًا من مسؤولي شركات تعدين وتنقيب، بينهم رؤساء مجالس إدارات ومديرون، في القضية رقم 235 لسنة 2021 جنايات الشلاتين، المتعلقة بالتنقيب عن الذهب والمعادن داخل محمية جبل علبة الطبيعية دون التصاريح اللازمة.
وتضمنت الاتهامات استخدام مواد خطرة، من بينها السيانيد والزئبق، دون ترخيص، إلى جانب مخالفات بيئية مرتبطة بأعمال التنقيب واستخدام المعدات الثقيلة داخل نطاق المحمية. وقدرت النيابة العامة الأضرار البيئية الناجمة عن المخالفات بنحو 6.038 مليون دولار.
وفي سبتمبر 2025، قررت المحكمة إعادة محاكمة المتهمين، لتظل القضية إحدى المحطات البارزة في المسار القضائي المرتبط بالتنقيب غير المشروع عن الذهب والإضرار بالمناطق الطبيعية المحمية.
ووفق رصد المرصد، لم يصدر خلال عام 2023 بيان معلن عن القوات المسلحة أو وزارة الداخلية بشأن عمليات أمنية ضد التنقيب غير المشروع عن الذهب، بحسب مراجعة البيانات الرسمية المتاحة التي استند إليها.
ضبطيات بملايين الجنيهات في 2024 و2025
شهد يناير 2024 إحدى أبرز الضبطيات المعلنة، بعدما أعلنت وزارة الداخلية ضبط تشكيل عصابي من 11 شخصًا تخصص في سبك وإعادة معايرة الذهب المستخرج من التنقيب غير المشروع.
وضبطت الأجهزة الأمنية بحوزة المتهمين 55 كيلوجرامًا من أحجار الكوارتز، ونحو 15.346 كيلوجرام من الذهب في صورة سبائك ومشغولات، و282 جرامًا من الذهب الصيني، و76 جرامًا من الفضة، وأربعة كيلوجرامات من سبائك النحاس، إلى جانب أدوات سبك وتشكيل ومواد كيميائية ومبالغ مالية. وقدرت القيمة الإجمالية للمضبوطات بنحو 97 مليون جنيه.
وتوالت خلال العام وقائع أخرى، شملت ضبط أشخاص يجمعون خام الذهب في أسوان لإعادة سبكه وتصريفه، قبل أن تعلن وزارة الداخلية في ديسمبر 2024 ضبط سائقين بمرسى علم بحوزتهما نحو 16.65 طن من أحجار الكوارتز المحتوية على خام الذهب.
وفي مايو 2025، ضبطت الأجهزة الأمنية أربعة أشخاص في أسوان بحوزتهم مبالغ مالية وخام ذهب وأحجار كوارتز وأدوات للسبك والصهر، وقدرت القيمة المالية للمضبوطات بأكثر من 77 مليون جنيه.
وفي الشهر نفسه، أزالت الأجهزة التنفيذية بأسوان، بالتنسيق مع الجهات الأمنية، 35 طاحونة وكسارة مخالفة للذهب داخل عشرة مواقع بقرية أرمنا في مركز نصر النوبة. كما أزالت الوحدة المحلية لمركز قوص بمحافظة قنا، في نوفمبر 2025، 20 طاحونة ذهب غير مرخصة مقامة على أراضي أملاك الدولة بصحراء حاجر خزام والعقب.
وفي ديسمبر 2025، أعلن قائد قوات حرس الحدود إحباط 1500 واقعة تهريب وضبط 1600 متهم وممنوعات قدرت قيمتها بنحو 14 مليار جنيه خلال خمسة أشهر. وينبه المرصد إلى أن هذه الحصيلة كانت عامة لمختلف أنشطة التهريب وعلى جميع الاتجاهات، ولا تمثل حصيلة خاصة بالتنقيب عن الذهب.
ضربة أمنية في قنا تسبق إطلاق الحملة المكبرة
في 11 مايو 2026، أعلنت وزارة الداخلية استهداف تشكيل عصابي مكون من 25 عنصرًا إجراميًا، بينهم ثمانية يحملون جنسية أجنبية، للاشتباه في تورطهم في التنقيب غير المشروع عن خام الذهب وإدارة مواقع لطواحين طحن أحجار الكوارتز في المنطقة الجبلية المتاخمة للظهير الصحراوي الشرقي بمركز قوص في قنا.
وبحسب بيان الوزارة، بادر أفراد التشكيل بإطلاق النار على القوات، التي ردت على مصدر النيران، ما أسفر عن مصرع أحد العناصر وضبط باقي المتهمين.
وشملت المضبوطات مدفع «آر بي جي»، ورشاشين متعددين، وعشرة بنادق آلية، وذخائر، وكمية من مخدر الشابو، و13 طاحونة وحفارًا، وسبع سيارات نقل وسبع دراجات نارية، إلى جانب معدات أخرى. وقدرت القيمة المالية الإجمالية للمضبوطات بنحو 50 مليون جنيه.
وعلى المستوى القضائي، قضت إحدى محاكم البحر الأحمر في مطلع يوليو 2026 بالحبس لمدة عام لـ450 متهمًا من المعروفين باسم «الدهابة»، ممن ضُبطوا خلال حملات أمنية، على خلفية اتهامات تتعلق بالتواجد في مناطق محظور التواجد فيها.
كما أزالت الأجهزة التنفيذية بمركز قوص في يوليو 2026 عشرين طاحونة وعددًا من أحواض معالجة الخام المستخدمة في التنقيب غير المشروع بقرية خزام، ضمن الموجة التاسعة والعشرين لإزالة التعديات.
الحملة المكبرة تبدأ في يونيو وتصل إلى المرحلة الثالثة
مثّل 22 يونيو 2026 محطة مهمة في مسار المواجهة، حين أعلنت القوات المسلحة، بالتعاون مع وزارة الداخلية، تنفيذ حملة مكبرة في قطاع المنطقة الجنوبية العسكرية ضد بؤر إجرامية استُخدمت في أنشطة غير مشروعة شملت الاتجار بالمخدرات والسلاح والهجرة غير الشرعية، إلى جانب التنقيب غير المشروع عن الذهب.
وأسفرت المداهمات، وفق البيان المعلن، عن ضبط 223 فردًا، بينهم 87 مصريًا و136 أجنبيًا، فضلًا عن 14 عربة وأجهزة اتصال لاسلكية ومبالغ مالية بالعملة المصرية والأجنبية وكميات من الأسلحة والذخائر غير المرخصة. كما صودرت معدات وأجهزة مستخدمة في التنقيب العشوائي عن الثروات التعدينية، وأُحيل المضبوطون والمضبوطات إلى الجهات القضائية المختصة.
وفي 23 يونيو، نشرت القوات المسلحة بيانًا منفصلًا عن جهود قوات حرس الحدود خلال الفترة السابقة على جميع الاتجاهات الاستراتيجية للدولة، تضمن ضبط 58 واقعة متعلقة بالتنقيب العشوائي عن خام الذهب، و20 جهازًا للكشف عن المعادن، و200 ماكينة «هيلتي»، و118 ماكينة كهرباء، ونحو 86 طنًا من الأحجار المخلوطة بخام الذهب.
غير أن هذا البيان تناول جهود حرس الحدود على مختلف الاتجاهات الاستراتيجية، ولم يقدم حصيلة مستقلة للحملة المكبرة التي بدأت في قطاع المنطقة الجنوبية العسكرية. كذلك فإن كمية الأحجار المذكورة لا تعني ضبط 86 طنًا من الذهب الخالص؛ إذ أورد البيان أنها أحجار مخلوطة بخام الذهب.
وفي 2 أغسطس 2026، أعلن المتحدث العسكري بدء المرحلة الثانية من الحملة المكبرة، من خلال تكثيف عمليات التمشيط والمداهمة للمناطق التي ثبت استخدامها في التنقيب غير المشروع، استكمالًا لنتائج المرحلة الأولى.
وفي منتصف سبتمبر، تحدث قائد قوات حرس الحدود عن دوريات تُنفذ بالتعاون مع القوات الجوية لجمع المعلومات عن مواقع نشاط العناصر المخالفة، وضبط عناصر خارجة على القانون واتخاذ الإجراءات اللازمة حيالها، مشيرًا إلى أن بعض العناصر بدأت تستخدم أسلحة خفيفة.
ثم أعلن المتحدث العسكري في 12 أكتوبر الجاري استمرار تنفيذ المرحلة الثالثة من الحملة بالصحراء الشرقية، عقب إلقاء منشورات تحذيرية على العناصر الإجرامية، مؤكدًا أن الهدف هو فرض سيادة الدولة وحماية مقدراتها وثرواتها القومية.
غياب الحصيلة الإجمالية يضع حدودًا أمام تقييم النتائج
يرصد مرصد الذهب غياب بيان رسمي موحد يوضح إجمالي عدد المقبوض عليهم والمضبوطات الناتجة عن الحملة المكبرة منذ انطلاقها، كما لم تُعلن أرقام مستقلة عن نتائج المرحلتين الثانية والثالثة، أو كمية الذهب الخام التي ضُبطت خلالهما.
ويؤكد هذا الغياب أهمية التمييز بين البيانات التي تتناول وقائع أمنية بعينها، والبيانات التراكمية التي تغطي أنشطة متعددة على مستوى الجمهورية. كما يقتضي الفصل بين أحجار الكوارتز المخلوطة بخام الذهب وبين الذهب المستخلص منها، وبين القيم المالية الإجمالية لمضبوطات متنوعة وبين القيمة الخاصة بالذهب وحده.
وبناء على ذلك، فإن جمع الأرقام الواردة في بيانات متفرقة باعتبارها حصيلة واحدة للحملة قد يؤدي إلى تكرار بعض الوقائع أو تحميل البيانات دلالة لا تتضمنها، ما لم تُصدر الجهات المعنية بيانًا رسميًا يجمع النتائج ويحدد نطاقها الزمني والجغرافي وطبيعة المضبوطات.
قانون الثروة المعدنية يحدد العقوبات
ينظم قانون الثروة المعدنية رقم 198 لسنة 2014، المعدل بالقانون رقم 145 لسنة 2019، العقوبات المقررة على استخراج الخامات التعدينية دون ترخيص.
وتنص المادة 42 على الحبس مدة لا تقل عن سنة، والغرامة التي لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تزيد على خمسة ملايين جنيه، أو إحدى هاتين العقوبتين، لكل من استخرج خامًا من خامات المناجم أو المحاجر أو المواد المصاحبة أو الأملاح دون ترخيص.
وتُشدد العقوبة عند تكرار الجريمة إلى الحبس مدة لا تقل عن سنتين، وغرامة لا تقل عن 250 ألف جنيه ولا تزيد على خمسة ملايين جنيه، أو إحدى العقوبتين. كما تقضي المادة بمصادرة الخام المضبوط والأدوات والآلات المستخدمة في الجريمة، ورد مثلي قيمة ما تم استخراجه من خامات.
وأكد مرصد الذهب استمراره في توثيق الملف استنادًا إلى البيانات الرسمية وحدها، على أن يستكمل رصده عند صدور حصيلة رسمية جديدة عن نتائج الحملة، بما يتيح تقييمًا أدق لجهود الدولة في حماية ثرواتها التعدينية دون استنتاجات رقمية غير مسندة.









