من ربع النمو العالمي إلى 68%.. صندوق النقد يكشف اختبارات آسيا المقبلة

تحولت آسيا خلال العقود الماضية من منطقة تمثل نحو ربع النمو العالمي إلى محرك يساهم بنحو 68% من النمو العالمي حاليًا، لكن صندوق النقد الدولي يرى أن الحفاظ على هذا الزخم لن يتحقق بمجرد تكرار السياسات التي صنعت صعود المنطقة، بل يتطلب قرارات جديدة لمواجهة شيخوخة السكان والتحولات التكنولوجية وتفتت التجارة الدولية.

وتصدرت هذه التحديات نقاشات إطلاق كتاب صندوق النقد الجديد «صياغة مستقبل آسيا: الفرص والتحديات»، الذي عُرض خلال الاجتماعات السنوية للصندوق والبنك الدولي في بانكوك يوم الاثنين 12 أكتوبر 2026، بمشاركة مسؤولين اقتصاديين سابقين وخبراء وصناع سياسات من آسيا.

وتطرقت المناقشات إلى الدروس التي صنعت نجاح اقتصادات المنطقة، والخيارات التي ستحدد قدرتها على مواصلة النمو في بيئة عالمية تتزايد فيها المنافسة التجارية والتكنولوجية.

68% من النمو العالمي.. حصيلة خيارات اقتصادية امتدت لعقود

قال نايجل كلارك، نائب المدير العام لصندوق النقد الدولي، إن صعود آسيا لم يكن نتيجة عوامل تلقائية، بل حصيلة قرارات سياسية واقتصادية ساعدت على تغيير هيكل الإنتاج وتوسيع دور المنطقة في الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى انتقال اقتصادات آسيوية من الاعتماد على الزراعة إلى التصنيع والخدمات، والاندماج في سلاسل الإمداد العالمية، إلى جانب الاستثمار الذي بلغ متوسطه نحو 27% من الناتج المحلي الإجمالي، والاستفادة من توسع القوى العاملة الذي أضاف أكثر من مليار شخص إلى سوق العمل.

ووفقًا للأرقام التي استعرضها كلارك، ارتفعت مساهمة آسيا في النمو العالمي من نحو الربع عام 1990 إلى قرابة 68% حاليًا.

ويتمثل الدرس الأساسي، بحسب طرحه، في أن الانفتاح الاقتصادي يمكن أن يعزز النمو، لكنه يحتاج إلى استثمارات كبيرة واستقرار اقتصادي كلي وسياسات موثوقة حتى تتحول الفرص الخارجية إلى مكاسب مستدامة.

كما استعاد المشاركون تجربة الأزمة المالية الآسيوية عام 1997، التي دفعت عددًا من اقتصادات المنطقة إلى مراجعة نماذجها الاقتصادية وتعزيز الإصلاحات المؤسسية والمالية.

حوكمة المؤسسات.. عامل حاسم في تجربة كوريا الجنوبية

ركز تشانغ يونغ ري، المحافظ السابق لبنك كوريا، على أهمية الحوكمة ونزاهة المؤسسات في نجاح السياسات الاقتصادية، معتبرًا أن جودة الإدارة العامة لا تقل أهمية عن اختيار أدوات السياسة المالية أو النقدية.

واستشهد بتجربة كوريا الجنوبية، حيث ساعدت المؤسسات القادرة على توجيه الموارد نحو التنمية في دعم التحول الاقتصادي وتنفيذ إصلاحات لم تكن جميعها سهلة على المستوى الاجتماعي.

ودعا ري صندوق النقد الدولي إلى مواصلة إدراج الحوكمة ضمن أعمال الرقابة الاقتصادية، رغم ما قد تواجهه هذه المقاربة من تحفظات لدى بعض الحكومات.

كما رأى أن أزمة 1997 شكلت نقطة تحول لكوريا الجنوبية، إذ دفعتها إلى إعادة النظر في نموذج النمو الذي تقوده الدولة، وتعزيز دور القطاع الخاص.

وتبرز هذه التجربة أهمية قدرة المؤسسات على تصحيح مسار السياسات بعد الأزمات، بدلًا من الاكتفاء بإجراءات مؤقتة لمعالجة تداعياتها.

تايلاند والهند.. الاستثمار والإصلاح وراء اختلاف مسارات النمو

عرض فيراثاي سانتيبرابوب، المحافظ السابق لبنك تايلاند، عناصر ساهمت في تطور الاقتصاد التايلاندي، من بينها التوجه نحو التصدير، والاستثمار في البنية التحتية الصناعية، وقوة المؤسسات الفنية التي ساعدت على استمرار السياسات الاقتصادية رغم تغير الظروف السياسية.

وأشار إلى أن توسيع خدمات الصحة والتعليم ساعد كذلك على توزيع ثمار النمو على شرائح أوسع من السكان.

وفي المقابل، ربط في. أنانثا ناجيسواران، كبير المستشارين الاقتصاديين للحكومة الهندية، تطور الاقتصاد الهندي بالاستثمار في التعليم العالي، وتحرير الاقتصاد خلال تسعينيات القرن الماضي، ثم التوسع في الاستثمار العام وتطوير البنية التحتية الرقمية.

كما أشار إلى دور إصلاحات مؤسسية، من بينها قانون الإعسار ونظام ضريبة السلع والخدمات الموحد، في دعم التحولات الاقتصادية داخل الهند.

وتكشف التجربتان أن مسار النمو ليس واحدًا في جميع الاقتصادات الآسيوية؛ فالأدوات التي نجحت في دولة قد تحتاج إلى تعديلات قبل تطبيقها في دولة أخرى، وفقًا لاختلاف المؤسسات والمهارات والقدرات الإنتاجية.

الذكاء الاصطناعي.. فرصة لتعويض تباطؤ القوى العاملة

كان تأثير الذكاء الاصطناعي من أبرز نقاط النقاش، خصوصًا مع تقدم أعمار السكان في عدد من الاقتصادات الآسيوية وتراجع نمو القوى العاملة.

ويرى كلارك أن مكاسب الإنتاجية الناتجة عن التكنولوجيا يمكن أن تخفف الأثر السلبي للتحولات الديموغرافية، بشرط ألا تقتصر السياسات على توفير التكنولوجيا، بل تشمل الاستثمار في المهارات، وتعزيز المنافسة، ووضع ضوابط تنظيمية مناسبة.

ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة لأن قدرة الاقتصادات على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي تختلف بحسب جودة البنية الرقمية، ومستوى تأهيل العاملين، وقدرة الشركات على إدماج التكنولوجيا في الإنتاج.

وتشير تحليلات صندوق النقد إلى أن الذكاء الاصطناعي يحمل فرصًا لزيادة الإنتاجية والنمو، لكنه يثير أيضًا مخاوف بشأن سوق العمل واتساع فجوات الدخل إذا تركزت المكاسب لدى الشركات والعاملين الأكثر قدرة على استخدام التقنيات الجديدة.

وبالتالي، فإن التحدي أمام الحكومات الآسيوية لا يقتصر على تسريع تبني التكنولوجيا، بل يمتد إلى إعداد العمالة للتغيرات الجديدة وضمان اتساع نطاق الاستفادة الاقتصادية منها.

تفتت التجارة يفرض إعادة النظر في نموذج التصدير

إلى جانب التحولات السكانية والتكنولوجية، ناقش المشاركون أثر التنافس الجيوسياسي وتراجع التكامل التجاري على مستقبل آسيا.

فقد استفادت اقتصادات المنطقة لعقود من الاندماج في سلاسل التوريد العالمية والتوسع في التصنيع والتصدير. لكن تصاعد الحواجز التجارية وإعادة ترتيب سلاسل الإمداد قد يرفعان تكلفة الإنتاج ويحدان من انتقال التكنولوجيا والاستثمارات.

ويجعل هذا التحول تنويع الشراكات التجارية وتعزيز التكامل الإقليمي من الملفات المهمة للحفاظ على النمو، إلى جانب تحسين كفاءة تخصيص رؤوس الأموال وتطوير الصناعات المحلية.

ويؤكد تقرير صندوق النقد أن استمرار النجاح الآسيوي يتطلب قدرة أكبر على التكيف مع تغير أنماط التجارة العالمية، بدلًا من الاعتماد على الظروف التي دعمت الصعود خلال العقود الماضية.

المرحلة المقبلة تحتاج إلى نمو أكثر إنتاجية وشمولًا

خلصت المناقشات إلى أن حجم الاستثمار أو سرعة النمو لا يكفيان وحدهما للحكم على نجاح النموذج الاقتصادي، ما لم ينعكسا على الإنتاجية والقدرات المحلية وفرص العمل.

وشدد المشاركون على أهمية التعليم وتنمية المهارات والحوكمة والاستثمار في البنية التحتية، مع الحفاظ على قدرة المؤسسات الاقتصادية على التعامل مع الأزمات والتغيرات الخارجية.

وتعكس هذه الأولويات تحولًا في طبيعة التحدي أمام آسيا: فبعد أن استفادت المنطقة من قوة القوى العاملة والتصنيع والتجارة العالمية، بات استمرار تقدمها مرتبطًا بقدرتها على رفع إنتاجية العامل، وتبني التكنولوجيا، وتطوير المؤسسات، وتوسيع فرص المشاركة في النمو.

وبذلك، لا يتمثل الاختبار المقبل لآسيا في الحفاظ على مكانتها الحالية داخل الاقتصاد العالمي فحسب، بل في قدرتها على تحويل التحولات السكانية والتكنولوجية والتجارية إلى مصدر جديد للنمو، بدلًا من أن تتحول إلى قيود على تقدمها الاقتصادي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى