أوروبا تعيد رسم رقابة أسواق المال.. كومبورتي يقود «إسما» مع صلاحيات أوسع

تستعد الهيئة الأوروبية للأوراق المالية والأسواق (ESMA) لمرحلة جديدة في تنظيم الأسواق المالية الأوروبية، مع تولي الإيطالي كارلو كومبورتي رئاستها اعتبارًا من 1 نوفمبر 2026، بالتزامن مع تحرك الاتحاد الأوروبي لتوسيع نطاق الإشراف المركزي على أبرز مؤسسات التداول والتسوية العابرة للحدود.
وأكد مجلس الاتحاد الأوروبي تعيين كومبورتي في 9 أكتوبر، خلفًا لفيرينا روس التي أمضت خمس سنوات في رئاسة الهيئة. وفي اليوم نفسه، أعلنت «إسما» اختيار الإسباني كارلوس سان باسيلو عضوًا جديدًا في مجلس إدارتها، على أن يبدأ مهامه في نوفمبر.
وتكتسب هذه التغييرات أهميتها من توقيتها؛ إذ اتفقت الدول الأعضاء مؤخرًا على العناصر الرئيسية لموقفها التفاوضي بشأن حزمة تستهدف تقليل تشتت القواعد المالية بين الدول الأوروبية، وتوسيع دور الهيئة في الرقابة المباشرة على كيانات مالية رئيسية تعمل عبر الحدود.
كومبورتي يتولى رئاسة «إسما» في الأول من نوفمبر
يبدأ كارلو كومبورتي مهامه رئيسًا للهيئة الأوروبية للأوراق المالية والأسواق في 1 نوفمبر 2026، لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.
ويشغل كومبورتي حاليًا منصب مفوض في هيئة الرقابة على الشركات والبورصة الإيطالية «كونسوب» (CONSOB)، كما سبق له العمل داخل هياكل «إسما»، بما في ذلك مجلس المشرفين ومجلس الإدارة، وترؤس اللجنة الدائمة للتمويل الرقمي.
ويمتلك الرئيس الجديد خبرة طويلة في تنظيم الأسواق المالية الأوروبية؛ إذ تولى منصب الأمين العام للجنة منظمي الأوراق المالية الأوروبية منذ عام 2008، وشارك في انتقالها إلى الهيئة الحالية خلال عامي 2010 و2011.
كما عمل في مناصب تنفيذية واستشارية بقطاع الخدمات المالية، من بينها قيادة «برومونتوري إيطاليا» وتولي مسؤوليات تشغيلية في «برومونتوري أوروبا»، التابعة لشركة «آي بي إم للاستشارات».
سان باسيلو ينضم إلى مجلس الإدارة بدلًا من كومبورتي
بالتوازي مع تغيير الرئيس، اختارت الهيئة كارلوس سان باسيلو، رئيس الهيئة الوطنية الإسبانية لسوق الأوراق المالية، عضوًا جديدًا في مجلس إدارتها، خلفًا لكومبورتي الذي سيترك مقعده مع انتقاله إلى رئاسة «إسما».
وجرى انتخاب سان باسيلو خلال اجتماع مجلس المشرفين في باريس يوم 6 أكتوبر، على أن يبدأ مهامه في الأول من نوفمبر.
ويرأس سان باسيلو اللجنة الدائمة لإدارة الأصول في «إسما» منذ عام 2025، وسبق له تولي منصب الأمين العام لوزارة الخزانة الإسبانية، إلى جانب عمله مديرًا للاستراتيجية في البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير.
ويأتي انضمامه في وقت تستعد فيه الهيئة لتوسيع دورها التنظيمي، بما يجعل مجلس إدارتها معنيًا بإدارة مهام المؤسسة وضمان تنفيذ اختصاصاتها في إطار القواعد الأوروبية المعمول بها.
الاتحاد الأوروبي يقترب من نقل رقابة كبار مشغلي الأسواق إلى «إسما»
في 9 أكتوبر، اتفقت دول الاتحاد الأوروبي على العناصر الرئيسية لموقفها التفاوضي بشأن حزمة تكامل الأسواق والإشراف عليها، وهي مبادرة تستهدف تقليل التجزؤ التنظيمي وتسهيل انتقال الاستثمارات بين الدول الأعضاء.
وبموجب التوجه الذي اتفقت عليه الدول، ستُنقل الرقابة على أهم منصات التداول العابرة للحدود، إلى جانب مؤسسات رئيسية لما بعد التداول، من السلطات الوطنية إلى «إسما».
وتشمل هذه المؤسسات بعض مراكز إيداع الأوراق المالية المركزية وغرف المقاصة المركزية، فضلًا عن عدد محدود من كبار مقدمي خدمات الأصول المشفرة العاملين عبر الحدود.
ويهدف هذا التغيير إلى الحد من اختلاف تطبيق القواعد بين الدول الـ27، وتقليل تكاليف الامتثال للشركات العاملة في أكثر من سوق، بما يدعم تكامل أسواق رأس المال الأوروبية ويُسهّل توجيه المدخرات إلى تمويل الشركات والاستثمارات المنتجة.
لكن الاتفاق لا يعني أن الهيئة حصلت بالفعل على الصلاحيات الجديدة؛ إذ لا يزال الموقف التفاوضي للمجلس بحاجة إلى الاستكمال والاعتماد الرسمي، كما تتطلب الحزمة استكمال المفاوضات التشريعية مع البرلمان الأوروبي قبل إقرارها نهائيًا.
صلاحيات تنفيذية مقترحة لفصل القرارات الرقابية عن الإدارة الحالية
تتضمن الحزمة المقترحة تغييرًا في هيكل الحوكمة داخل «إسما»، من خلال إنشاء مجلس تنفيذي دائم بدوام كامل يضم رئيس الهيئة وخمسة أعضاء مستقلين متفرغين.
ومن المقرر، وفق المقترح، أن يتولى هذا المجلس إدارة العمليات واتخاذ القرارات الخاصة بالكيانات التي ستخضع للإشراف المباشر للهيئة.
وفي المقابل، سيحتفظ مجلس المشرفين، الذي يضم ممثلي السلطات الوطنية، بدور رئيسي في الاستراتيجية والميزانية والقرارات التنظيمية وتحقيق التقارب في الممارسات الرقابية بين الدول.
ويستهدف هذا الفصل منح «إسما» قدرة أكبر على اتخاذ القرارات الرقابية المباشرة بصورة أسرع وأكثر اتساقًا، مع استمرار مشاركة الهيئات الوطنية في الملفات التنظيمية الرئيسية.
ومن المهم التمييز بين المجلس التنفيذي المقترح ومجلس الإدارة الحالي الذي سينضم إليه سان باسيلو؛ فالأول جزء من إصلاح تشريعي لم يدخل حيز التنفيذ بعد، بينما يستمر المجلس الحالي في أداء مهامه وفق الهيكل القائم.
الخلافات بين الدول تفرض حدودًا على الإصلاح
لم يأتِ الاتفاق الأوروبي على الصلاحيات الجديدة بالصورة الواسعة التي اقترحتها المفوضية الأوروبية في البداية، بعدما أثارت فكرة نقل رقابة جميع المؤسسات الكبرى إلى المستوى الأوروبي اعتراضات من بعض الدول.
وأدى التفاوض إلى وضع معايير أكثر تحديدًا للكيانات التي ستخضع مباشرة لإشراف «إسما»، مع استثناء بعض المؤسسات من نطاق الرقابة المركزية وفق الشروط المتفق عليها.
كما تضمنت التسوية تقليص عدد بعض غرف المقاصة ومراكز الإيداع المشمولة مقارنة بالاقتراح الأصلي، وقصر الرقابة المباشرة على عدد محدود من مقدمي خدمات الأصول المشفرة الأكثر أهمية على مستوى الاتحاد.
وتعكس هذه التعديلات محاولة للموازنة بين هدف توحيد الرقابة الأوروبية والحفاظ على دور السلطات الوطنية، لكنها تعني أيضًا أن نطاق الإصلاح النهائي سيكون أضيق من التصور الأولي للمفوضية.
الأسواق الأوروبية أمام اختبار التكامل والتمويل العابر للحدود
تأتي إعادة ترتيب قيادة «إسما» بالتزامن مع مساعي الاتحاد الأوروبي لتعزيز اتحاد الادخار والاستثمار، وتحويل جزء أكبر من المدخرات إلى تمويل الشركات والمشروعات، بدل بقائها في الودائع المصرفية منخفضة العائد.
ويعتمد نجاح هذا المسار على خفض الحواجز القانونية والتنظيمية التي تواجه المؤسسات عند العمل بين الدول، وتحقيق قدر أكبر من الاتساق في الرقابة على الأسواق المالية.
ومع تولي كومبورتي الرئاسة في نوفمبر، ستكون الهيئة أمام مرحلة تتزايد فيها أهمية التنسيق مع الجهات الوطنية، بالتوازي مع المفاوضات التشريعية حول الصلاحيات الجديدة.
لكن حجم التغيير الفعلي سيظل مرتبطًا بما ستنتهي إليه المفاوضات مع البرلمان الأوروبي، وبالنطاق النهائي للمؤسسات التي ستنتقل رقابتها إلى المستوى الأوروبي، وموعد بدء تطبيق القواعد الجديدة.









