السيولة المحلية في مصر تتراجع لأول مرة منذ 9 سنوات.. هل اقترب خفض الفائدة؟

أظهرت بيانات البنك المركزي المصري لشهر يونيو تراجع مؤشر السيولة المحلية «M2» بنسبة 0.4% على أساس شهري إلى نحو 15.26 تريليون جنيه، في أول انخفاض شهري للمؤشر منذ نحو 9 سنوات، رغم ارتفاع الودائع بالجنيه والودائع بالعملات الأجنبية، ما يجعل تحرك سعر الصرف أحد المفاتيح الرئيسية لفهم هذا التراجع.
ويأتي انخفاض السيولة المحلية في وقت يراقب فيه القطاع المصرفي والأسواق مسار السياسة النقدية، وسط تساؤلات بشأن مدى قدرة البنك المركزي المصري على مواصلة خفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
لماذا تراجعت السيولة رغم زيادة الودائع؟
تضم السيولة المحلية «M2» النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي، والودائع بالعملة المحلية، إضافة إلى الودائع بالعملات الأجنبية بعد تحويل قيمتها إلى الجنيه المصري.
وتكشف مكونات بيانات يونيو أن الصورة تختلف عن الانطباع الأول الذي قد يوحي بانكماش السيولة المصرفية.
فقد ارتفعت الودائع بالعملة المحلية بنسبة 1.7% إلى نحو 10.35 تريليون جنيه خلال يونيو، بينما زاد إجمالي الودائع بالعملات الأجنبية لدى البنوك، باستثناء البنك المركزي، بنسبة 1.2% إلى 66.24 مليار دولار ، وبالتالي، فإن انخفاض «M2» لم يكن نتيجة تراجع شامل في الودائع المصرفية.
سعر الصرف يفسر جانبًا مهمًا من التراجع
تزامن انخفاض السيولة المحلية مع تراجع متوسط سعر الدولار من نحو 52.33 جنيه في مايو إلى 49.28 جنيه في يونيو.
وهنا تظهر نقطة مهمة في قراءة البيانات، فالودائع الدولارية يتم احتسابها ضمن «M2» بعد تحويل قيمتها إلى الجنيه. وعندما يرتفع سعر صرف الجنيه أمام الدولار، تنخفض القيمة المسجلة لهذه الودائع بالجنيه، حتى إذا لم يسحب العملاء أموالهم من حساباتهم.
وبذلك يمكن أن يرتفع حجم الودائع الأجنبية عند قياسه بالدولار، وفي الوقت نفسه تنخفض قيمتها عند تحويلها إلى الجنيه.
وهذا يفسر لماذا لا يمكن اعتبار انخفاض السيولة المحلية في يونيو دليلًا منفردًا على حدوث انكماش فعلي في الودائع المصرفية.
انخفاض النقد خارج البنوك يدعم تراجع السيولة
ساهم عامل آخر في انخفاض «M2»، تمثل في تراجع النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي بنحو 88 مليار جنيه خلال الشهر.
ويعكس هذا التطور زيادة الأموال الموجودة داخل القطاع المصرفي مقارنة بالنقد المتداول خارج البنوك، وهو ما يتسق مع ارتفاع الودائع بالجنيه خلال الفترة نفسها.
ومن ثم، فإن قراءة البيانات بالكامل تشير إلى أن انخفاض السيولة المحلية جاء نتيجة تفاعل أكثر من عامل، وليس بسبب تراجع الودائع المصرفية وحده.
هل يستهدف البنك المركزي «M2» بشكل مباشر؟
هنا يجب التمييز بين انخفاض السيولة وبين هدف السياسة النقدية، فالبنك المركزي المصري لا يتعامل مع مستوى «M2» باعتباره هدفًا رقميًا مستقلًا للسياسة النقدية، وإنما يركز بصورة أساسية على استقرار الأسعار ومواجهة التضخم، مستخدمًا أسعار الفائدة وأدوات إدارة السيولة والتأثير في الائتمان والطلب.
وبالتالي، لا يعني انخفاض «M2» تلقائيًا أن البنك المركزي نجح في خفض السيولة من خلال عمليات مباشرة، كما لا يعني بالضرورة أن انخفاض المؤشر سيمهد بصورة آلية لخفض أسعار الفائدة.
لماذا ربط مصرفيون بين انخفاض السيولة وخفض الفائدة؟
رغم ذلك، يرى بعض المصرفيين أن تباطؤ نمو السيولة يمكن أن يمثل إشارة إيجابية بشأن مسار التضخم، خاصة إذا استمر انخفاض الضغوط النقدية بالتزامن مع تحسن المؤشرات الاقتصادية الأخرى.
ويرى الخبير المصرفي محمد عبد العال أن تراجع السيولة قد يعكس نجاح السياسة النقدية التقييدية في احتواء الضغوط التضخمية، وأن استمرار الاتجاه قد يمنح البنك المركزي مساحة أكبر للتحرك بشأن أسعار الفائدة.
كما ترى سحر الدماطي، نائبة رئيس بنك مصر الأسبق، أن انخفاض السيولة قد يفتح المجال أمام خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي مستقبلًا، بما يسمح بتحرير جزء من الأموال المحتجزة لدى البنك المركزي وزيادة قدرة البنوك على التوسع في الإقراض ، لكن هذه الرؤية تظل سيناريو وليس قرارًا مرتقبًا مؤكدًا.
نمو «M2» يتباطأ منذ 2025
وتدعم بيانات الاقتصاد الكلي صورة أوسع تشير إلى تباطؤ نمو السيولة المحلية خلال الفترة الأخيرة.
فوفقًا لأحدث تقرير لصندوق النقد الدولي بشأن الاقتصاد المصري، تباطأ متوسط النمو السنوي للمعروض النقدي «M2» إلى 18.9% خلال الفترة من يناير إلى مايو 2026، مقابل 22.1% في النصف الثاني من 2025.
ويرتبط هذا التباطؤ بصورة أساسية بانخفاض مساهمة صافي المطالبات على القطاع العام.
وتكتسب هذه القراءة أهمية لأنها تعكس اتجاهًا ممتدًا، وليس مجرد حركة شهرية منفردة.
خفض الفائدة يحتاج إلى أكثر من مؤشر
ورغم أهمية تراجع السيولة المحلية، فإن بناء توقع مباشر بخفض أسعار الفائدة استنادًا إلى بيانات يونيو فقط سيكون قراءة متسرعة.
ويضع البنك المركزي أمامه مجموعة أوسع من المؤشرات قبل اتخاذ قراراته، وفي مقدمتها مسار التضخم، والتضخم المتوقع، وأسعار الفائدة الحقيقية، وسعر الصرف، وأسعار الطاقة، وقوة الطلب المحلي، والتطورات الجيوسياسية.
كما أن ارتفاع أسعار النفط يمكن أن يعيد الضغط على التضخم، وهو ما قد يدفع البنك المركزي إلى توخي الحذر بشأن سرعة خفض الفائدة ، وفقا للشرق بلومبرج
ماذا تقول بيانات يونيو للبنوك والأسواق؟
المؤشر الأهم في بيانات يونيو ليس انخفاض «M2» في حد ذاته، وإنما تركيبة هذا الانخفاض.
فالودائع بالجنيه ارتفعت، والودائع الأجنبية بالدولار زادت، بينما تراجعت القيمة المحسوبة للودائع الأجنبية بالجنيه مع صعود العملة المحلية، إلى جانب انخفاض النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي.
وهذا يعني أن البيانات لا تشير إلى خروج واسع للودائع من البنوك، بل تكشف تأثير سعر الصرف في قياس السيولة المحلية.
ومن زاوية مصرفية، قد تكون هذه النقطة أكثر أهمية من الرقم الإجمالي؛ لأن استمرار نمو الودائع يعني بقاء قاعدة التمويل المصرفي قوية، في الوقت الذي تزداد فيه المنافسة بين البنوك على جذب السيولة وتلبية الطلب على الائتمان.
وتراجع السيولة المحلية في يونيو بنسبة 0.4% إلى 15.26 تريليون جنيه يمثل تطورًا لافتًا، لكنه لا يكفي وحده للقول إن خفض الفائدة أصبح قريبًا.
فالبيانات تكشف أن جزءًا مهمًا من الانخفاض يرتبط بإعادة تقييم الودائع الأجنبية بالجنيه نتيجة تحرك سعر الصرف، بينما واصلت الودائع بالعملة المحلية والأجنبية نموها.
لذلك، فإن الاختبار الحقيقي أمام البنك المركزي خلال الفترة المقبلة سيكون في استمرار تباطؤ نمو السيولة بالتزامن مع تراجع التضخم واستقرار سعر الصرف وعدم تصاعد أسعار الطاقة.
وإذا اجتمعت هذه العوامل، فقد تتسع مساحة التحرك أمام البنك المركزي لخفض الفائدة. أما إذا عادت الضغوط التضخمية أو ارتفعت أسعار الطاقة، فإن انخفاض «M2» وحده لن يكون كافيًا لتغيير مسار السياسة النقدية.








