النفط عند 130 دولارًا يهدد الاقتصاد العالمي.. وصندوق النقد يرفع نمو 2026 إلى 3.1%

رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي خلال 2026 إلى 3.1%، مقابل 3% في تقديرات يوليو، بينما أبقى توقعاته لعام 2027 عند 3.4%، محذرًا من أن استمرار الصراع في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة وتزايد الدين العام قد يضعف قدرة الاقتصاد العالمي على مواجهة صدمات جديدة.

ورغم التحسن المحدود في توقعات العام الحالي، يرى الصندوق أن مرونة الاقتصاد العالمي أصبحت أكثر عرضة للاختبار، بعدما أسهم الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في تعويض جانب من تأثير ارتفاع تكاليف الطاقة، بالتزامن مع تقلص قدرة الحكومات والشركات على امتصاص صدمات إضافية.

وفي أخطر السيناريوهات التي عرضها التقرير، قد يؤدي ارتفاع النفط إلى 130 دولارًا للبرميل خلال الربع الأول من 2027 إلى خفض النمو العالمي بنحو 0.5 نقطة مئوية في العام المقبل، مع ارتفاع التضخم إلى 5.2%.

صندوق النقد يرفع توقعات 2026.. لكن النمو لا يزال دون مستوى 2025

أوضح تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في 13 أكتوبر أن رفع التوقعات للعام الحالي يعكس استمرار الإنفاق على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى جانب الإجراءات التي اتخذتها دول وشركات للتكيف مع صدمة الطاقة، من خلال استخدام الاحتياطيات والبحث عن مصادر بديلة وتقليص الاستهلاك.

ومع ذلك، تظل التوقعات أقل من معدل النمو العالمي البالغ 3.5% في 2025، فيما أبقى الصندوق تقديراته لعام 2027 عند 3.4%، بما يعكس استمرار الضغوط على الاقتصاد العالمي رغم الدعم القادم من قطاع التكنولوجيا.

وأشار الصندوق إلى أن الإجراءات التي حدّت من تداعيات أزمة الطاقة بدأت تفقد تأثيرها مع استمرار الصراع، بعدما ساعدت في تفادي هبوط النمو العالمي إلى نحو 2.5% خلال 2026.

130 دولارًا للبرميل.. سيناريو يرفع التضخم إلى 5.2%

تستند التوقعات الأساسية للصندوق إلى افتراض استئناف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز في مارس 2027، مع عودة ظروف الشحن إلى مستويات قريبة من مرحلة ما قبل الحرب بحلول أكتوبر من العام نفسه.

وبناءً على هذه الفرضيات، يتوقع الصندوق متوسطًا لأسعار النفط يبلغ 96 دولارًا للبرميل في 2026، قبل تراجعه إلى 87 دولارًا في 2027.

لكن استمرار الحرب وتصاعد اضطرابات الإمدادات قد يرفع الأسعار إلى 130 دولارًا للبرميل خلال الأشهر الثلاثة الأولى من 2027. وفي هذه الحالة، قد يتراجع النمو العالمي بمقدار 0.2 نقطة مئوية في 2026 و0.5 نقطة مئوية في 2027، بينما يرتفع التضخم العالمي إلى 5.2% في العام المقبل.

وتكشف هذه الحسابات مدى حساسية التوقعات الاقتصادية لمسار الطاقة، خصوصًا مع استمرار ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج والضغوط التي تتعرض لها الدول المستوردة للنفط.

الذكاء الاصطناعي يسند النمو.. ومكاسبه تتركز في عدد أقل من الدول

يمثل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي أحد أبرز العوامل التي ساعدت الاقتصاد العالمي على الحفاظ على نموه، مع استفادة الاقتصادات التي تمتلك بنية تكنولوجية متقدمة أو ترتبط بسلاسل توريد الأجهزة والمكونات اللازمة لتطوير هذه الصناعة.

وأشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة والصين تستحوذان على أكثر من 75% من صافي الطلب العالمي على واردات الرقائق الإلكترونية ومعدات الذكاء الاصطناعي الأخرى.

وامتد أثر هذه الطفرة إلى دول موردة للمكونات والأجهزة، من بينها كوريا الجنوبية وماليزيا والمكسيك وتايلاند، حيث ساعد الطلب التكنولوجي في دعم النشاط الاقتصادي.

لكن هذه المكاسب لا تتوزع بالتساوي؛ إذ باتت 32 دولة فقط مسؤولة عن 95% من النمو العالمي، مقارنة بـ54 دولة في تقديرات أبريل، كما خُفضت توقعات النمو لنحو 47% من الاقتصادات منذ ذلك الوقت.

ويعكس هذا التركز اتساع الفجوة بين الدول المستفيدة من الاستثمار التكنولوجي وتلك التي تواجه ارتفاع تكاليف الطاقة وضعف الاندماج في سلاسل القيمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

طفرة الذكاء الاصطناعي تحمل مخاطر على الاستثمار والأسواق

رغم دوره في دعم النمو، حذر الصندوق من أن طفرة الذكاء الاصطناعي قد تتحول إلى مصدر للمخاطر إذا جاءت العوائد الفعلية أقل من التوقعات التي بُنيت عليها الاستثمارات الضخمة.

وقد يؤدي خيبة العوائد إلى تراجع حاد في الإنفاق على البنية التحتية التكنولوجية وهبوط أسعار الأصول المرتبطة بالقطاع، بما ينعكس على النمو والاستقرار المالي.

وفي المقابل، فإن تسارع تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحقيق مكاسب إنتاجية أكبر من المتوقع قد يضيف نحو 0.6% إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول 2029.

وتتجاوز تداعيات هذه التكنولوجيا أسواق المال، إذ أشارت المديرة العامة للصندوق كريستالينا جورجييفا إلى أن نحو 40% من الوظائف عالميًا قد تتأثر بالذكاء الاصطناعي، سواء عبر تعزيز المهام أو تغيير طبيعتها أو تقليص بعض الوظائف.

التضخم العالمي يتجه إلى 4.7% في 2026

يتوقع صندوق النقد الدولي ارتفاع التضخم العالمي إلى 4.7% في 2026، مقارنة بـ4.1% في 2025، قبل تراجعه إلى 4.1% في 2027 وفق السيناريو الأساسي.

ويأتي ذلك في ظل ارتفاع أسعار الطاقة واستمرار الضغوط السعرية في عدد من الاقتصادات، بينما يضيف الإنفاق المرتبط بالذكاء الاصطناعي طلبًا إضافيًا على الأجهزة والطاقة والبنية التحتية.

ويحذر الصندوق من أن استمرار ارتفاع النفط أو تعطل تدفقات الإمدادات قد يطيل أمد الضغوط التضخمية، ويضع البنوك المركزية أمام معادلة صعبة بين احتواء التضخم وتجنب تشديد نقدي مبالغ فيه يؤدي إلى إضعاف النشاط الاقتصادي.

الدين العام وتكاليف الاقتراض يضيّقان هامش الحكومات

لا تقتصر المخاطر على الحرب وأسعار الطاقة؛ إذ يرى الصندوق أن ارتفاع الدين العام والعجز المالي وتكاليف الاقتراض يقلص قدرة الحكومات على تقديم دعم جديد للأسر والشركات إذا تعرض الاقتصاد لصدمة أخرى.

ومع ارتفاع تكلفة خدمة الديون، يصبح توفير تمويل إضافي للطاقة أو الحماية الاجتماعية أو دعم النشاط الاقتصادي أكثر صعوبة، خصوصًا لدى الدول التي تدخل الأزمة بأوضاع مالية هشة.

ودعا الصندوق الحكومات إلى إعادة بناء الاحتياطيات المالية والعمل على استقرار مسار الدين، بدلًا من الاعتماد المستمر على التوسع في الإنفاق لمواجهة الأزمات.

كما أوصى البنوك المركزية بالتمييز بين الارتفاعات المؤقتة في الأسعار وموجات التضخم الأكثر استمرارًا، حتى لا تؤدي الاستجابة النقدية إلى تشديد غير ضروري أو إلى تأخر التعامل مع الضغوط التضخمية الحقيقية.

الاقتصاد العالمي أمام اختبار جديد في 2027

تعكس أحدث توقعات صندوق النقد الدولي اقتصادًا قادرًا على مواصلة النمو، لكنه يعتمد بصورة متزايدة على استمرار الاستثمار في الذكاء الاصطناعي واحتواء أزمة الطاقة، في وقت تتراجع فيه هوامش الأمان المالية لدى الحكومات.

وبينما يدعم الإنفاق التكنولوجي التوقعات الحالية، فإن أي تصعيد جديد في الشرق الأوسط أو ارتفاع ممتد لأسعار النفط قد يضعف النمو ويرفع التضخم، بما ينعكس على تكاليف الاقتراض والاستثمار والأسواق المالية.

وتبقى قدرة الاقتصاد العالمي على تجاوز هذه المخاطر مرتبطة باستقرار تدفقات الطاقة، وتحقيق عوائد إنتاجية فعلية من الاستثمارات التكنولوجية، واتخاذ سياسات مالية ونقدية تمنح الدول مساحة أكبر للتعامل مع الصدمات المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى