صندوق النقد: الذكاء الاصطناعي يقلب سوق العمل.. والضوابط شرط لحماية مكاسبه

حذرت كريستالينا جورجيفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، من أن مخاطر الذكاء الاصطناعي قد تتجاوز مكاسبه إذا غابت الضوابط والضمانات المناسبة، في وقت تتزايد فيه الاستثمارات المرتبطة بالتكنولوجيا وتتصاعد المخاوف بشأن مستقبل الوظائف وتوزيع عوائد الإنتاجية بين الدول والعاملين.

وخلال مناقشات اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك، برزت معضلة رئيسية أمام الاقتصاد العالمي: كيف يمكن الاستفادة من طفرة الذكاء الاصطناعي لدعم النمو، دون ترك العاملين المتضررين من الأتمتة أو الاقتصادات الأقل استعدادًا خارج دائرة المكاسب؟

جورجيفا: غياب الضوابط قد يجعل مخاطر الذكاء الاصطناعي أكبر من مكاسبه

أكدت جورجيفا أن الذكاء الاصطناعي أصبح بالفعل قوة مؤثرة في الاقتصاد العالمي، لكنه قد يتسبب في صدمات سلبية إذا لم تتحقق مكاسب الإنتاجية بالسرعة التي تتوقعها الشركات والأسواق.

وشددت على ضرورة وضع ضوابط تحيط بتطوير التكنولوجيا واستخدامها، إلى جانب تأسيس إطار أخلاقي واضح يواكب سرعة تطورها، محذرة من أن ترك المخاطر دون معالجة قد يبدد جزءًا من المكاسب المنتظرة.

ودعت إلى الجمع بين مسؤولية شركات التكنولوجيا ودور الحكومات والمجتمع في صياغة الضوابط، مع إشراك الدول التي تقود تطوير الذكاء الاصطناعي وتلك المرتبطة بسلاسل إمداده.

الوظائف الروتينية تواجه التحول مع توسع الأتمتة

يمثل مستقبل سوق العمل أحد أبرز الاختبارات الاقتصادية المرتبطة بانتشار الذكاء الاصطناعي، إذ باتت الأنظمة قادرة على تنفيذ عدد متزايد من المهام المتكررة التي تعتمد عليها وظائف مهنية وإدارية تقليدية.

ووفق ما عرضته جورجيفا خلال المناقشات، تشير دراسة لصندوق النقد إلى أن نحو 10% من الوظائف قد تتحول أو تظهر في صورة وظائف جديدة، بالتزامن مع تراجع الحاجة إلى بعض الأعمال القائمة على المهام الروتينية.

ولا يقتصر التأثير المحتمل على اختفاء وظائف واستحداث أخرى، بل يمتد إلى مستوى الأجور وطبيعة المسارات المهنية المتاحة للشباب. فقد يتجه بعض الداخلين الجدد إلى سوق العمل نحو وظائف خدمية أقل أجرًا، بدلًا من المسارات المهنية التي كانت تعتمد على الأعمال الروتينية في بداية الحياة الوظيفية.

وتكشف هذه التحولات عن تحدٍ يتجاوز عدد الوظائف المتاحة، ليشمل قدرة العاملين على الانتقال إلى فرص جديدة والحفاظ على مستويات دخل مناسبة.

بنك كندا: المكاسب الإجمالية لا تمنع وجود رابحين وخاسرين

قارن تيف ماكليم، محافظ بنك كندا، التأثير المحتمل للذكاء الاصطناعي على الوظائف بما حدث خلال موجات العولمة وتوسع التجارة الدولية.

وأوضح أن التحولات الاقتصادية والتكنولوجية يمكن أن تحقق منافع إجمالية للاقتصاد، لكنها تخلق في الوقت نفسه رابحين وخاسرين، إذ تستفيد قطاعات وشركات من التغيير بينما يفقد بعض العاملين وظائفهم أو مصادر دخلهم.

وشدد ماكليم على أهمية إنشاء أنظمة تساعد المتضررين على التعامل مع آثار التحول والانتقال إلى فرص عمل أخرى، محذرًا من أن غياب هذه الآليات قد يزيد الاعتراضات الاجتماعية على التغيير التكنولوجي.

وتضع هذه الرؤية مسؤولية إدارة التحول إلى جانب مسؤولية تطوير التكنولوجيا نفسها، بما يشمل التدريب وإعادة التأهيل وتسهيل انتقال العاملين بين القطاعات.

طفرة الاستثمار لا تضمن تحسن الإنتاجية داخل الشركات

رغم التوقعات المتعلقة بمكاسب الذكاء الاصطناعي، لا يعني انتشار الأدوات الرقمية بالضرورة تحقيق تحسن مستدام في أداء المؤسسات.

وحذرت عائشة خانا، الرئيسة التنفيذية لشركة Addo، من أن توفير مساعدين رقميين للموظفين قد يحسن أداء الأفراد في بعض المهام، دون أن يؤدي تلقائيًا إلى زيادة مماثلة في كفاءة المؤسسة ككل.

وترى خانا أن الاستفادة الحقيقية تتطلب إعادة تصميم إجراءات العمل وطرق إدارة العمليات، بدلًا من الاكتفاء بإضافة أدوات الذكاء الاصطناعي إلى أنظمة قائمة لم تتغير.

ويعني ذلك أن العائد الاقتصادي لا يتحدد بحجم الإنفاق على التكنولوجيا وحده، بل بقدرة الشركات على دمجها في عملياتها وتحويل استخدامها إلى نتائج إنتاجية قابلة للقياس.

DHL تختبر مكاسب الذكاء الاصطناعي في عمليات واسعة النطاق

عرض توبياس ماير، الرئيس التنفيذي لمجموعة DHL، تجربة الشركة في استخدام الأنظمة الذكية والوكلاء الرقميين لأتمتة مهام تشغيلية ذات أحجام كبيرة، من بينها إجراءات مرتبطة بالتخليص الجمركي.

وتتعامل المجموعة مع نحو 100 مليون طرد يوميًا، ويعمل لديها قرابة 580 ألف موظف، ما يجعل أتمتة الإجراءات المتكررة مجالًا مهمًا لاختبار أثر التكنولوجيا على الكفاءة التشغيلية.

لكن طفرة الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على الخدمات والبرمجيات؛ فالتوسع في مراكز البيانات يرفع الطلب على الطاقة والمعدات وسلاسل الإمداد، ويزيد الحاجة إلى استثمارات كبيرة في البنية التحتية.

وتوضح هذه الصورة أن المكاسب المحتملة تتوزع عبر قطاعات متعددة، من الخدمات اللوجستية إلى الطاقة ومكونات الحوسبة، لكنها تظل مرتبطة بقدرة المؤسسات على إدارة تكاليف الاستثمار وتحقيق عوائد فعلية.

جاك كلارك يدعو إلى معايير مشتركة لتنظيم الذكاء الاصطناعي

من جانبه، دعا جاك كلارك، الشريك المؤسس ورئيس السياسات في شركة Anthropic، إلى وضع معايير واضحة لاختبار سلامة أنظمة الذكاء الاصطناعي وتقييم مخاطرها، مؤكدًا أن المسؤولية لا ينبغي أن تقتصر على الشركات وحدها.

وتشمل المقترحات تطوير آليات لتبادل نتائج الاختبارات بين الدول وتنسيق المعايير، بما يساعد على الحد من تكرار الإجراءات والاختلافات التنظيمية بين الأسواق.

ويبرز التحدي في تحقيق توازن بين سرعة الابتكار وضرورة الرقابة؛ فالقواعد المتباينة قد تعقد عمل الشركات عبر الحدود، بينما يثير الاعتماد الكامل على التعهدات الطوعية تساؤلات بشأن مدى كفايتها في التعامل مع المخاطر.

البنية التحتية والمهارات تحددان من يستفيد من التكنولوجيا

لا تتوقف فجوة الاستفادة من الذكاء الاصطناعي عند الفروق بين الشركات، بل تمتد إلى الدول والمجتمعات بحسب قدرتها على الوصول إلى الكهرباء الموثوقة وشبكات الاتصال والبنية الرقمية.

وأكدت جورجيفا أن توسيع نطاق الاستفادة يتطلب توفير هذه المقومات، إلى جانب الاستثمار في المهارات والأمن السيبراني ووضع قواعد مناسبة للاستخدام الآمن.

وتكتسب هذه المتطلبات أهمية خاصة للاقتصادات التي لا تشارك بصورة مباشرة في سلاسل قيمة الذكاء الاصطناعي، إذ قد تتراجع قدرتها على جذب الاستثمارات أو تحقيق مكاسب إنتاجية إذا لم تطور بنيتها التكنولوجية وكفاءاتها البشرية.

كما أن تأهيل العاملين لا يقل أهمية عن توفير البنية التحتية، لأن الانتقال إلى وظائف جديدة يتطلب مهارات تتوافق مع احتياجات المؤسسات في ظل تغير طبيعة العمل.

الذكاء الاصطناعي أمام اختبار النمو والوظائف والاستقرار المالي

تمتد المخاطر المحتملة إلى ما وراء سوق العمل. فداني رودريك، أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، أشار إلى أن عدم تحقق مكاسب الإنتاجية المنتظرة قد يثير مخاوف بشأن العوائد على الاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات والبنية التحتية، بينما قد يؤدي تحقق المكاسب إلى اضطرابات في قطاعات وظيفية تتأثر بالأتمتة.

وبذلك يواجه الاقتصاد العالمي احتمالين يستدعي كل منهما استعدادًا مختلفًا: إدارة التحول في الوظائف إذا تسارعت الأتمتة، والتعامل مع مخاطر الاستثمار إذا جاءت العوائد أقل من التوقعات.

وتكشف المناقشات أن نجاح الذكاء الاصطناعي اقتصاديًا لن يُقاس بحجم الاستثمارات أو سرعة إطلاق الأنظمة الجديدة فقط، بل بقدرته على رفع الإنتاجية وتحسين الأداء، مع الحد من الأضرار التي قد يتحملها العاملون والاقتصادات الأقل استعدادًا.

وتبقى الأولوية أمام الحكومات والشركات هي تحويل طفرة التكنولوجيا إلى مكاسب قابلة للاستمرار والتوزيع، من خلال ضوابط للسلامة، وبنية تحتية موثوقة، واستثمارات في المهارات، وأنظمة تساعد المتضررين من التحول على الانتقال إلى فرص عمل جديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى