صندوق النقد يحذر من 3 صدمات للأسواق العالمية.. الذكاء الاصطناعي والديون والهجمات السيبرانية

حذر صندوق النقد الدولي من ثلاثة مخاطر قد تهدد استقرار الأسواق المالية العالمية، رغم استمرار تماسكها أمام الصدمات الاقتصادية والجيوسياسية، تتمثل في احتمال حدوث تصحيح حاد في أسهم واستثمارات الذكاء الاصطناعي، وتصاعد الضغوط في أسواق السندات مع ارتفاع عوائد الدين، وتزايد الهجمات السيبرانية القادرة على تعطيل الخدمات المالية وتقويض ثقة المستثمرين.

وقال الصندوق، في تقرير الاستقرار المالي العالمي الصادر في أكتوبر 2026، إن قوة الأرباح والتفاؤل المحيط بالذكاء الاصطناعي ساهما في دعم الأسواق، لكن هذه المرونة لا تعني غياب المخاطر، خصوصًا مع تزايد الاختلالات المالية واتساع الاعتماد على التمويل بالدين وتنامي التهديدات الرقمية.

وتكتسب التحذيرات أهمية إضافية بعدما أظهرت اختبارات الضغط التي أجراها الصندوق أن البنوك لا تزال قادرة إجمالًا على مواجهة سيناريوهات صعبة، لكن مؤسسات تمثل 22% من أصول القطاع المصرفي العالمي قد تواجه ضعفًا في مستويات رأس المال تحت وطأة الصدمات المفترضة، مقارنة بـ18% في اختبار العام الماضي.

الذكاء الاصطناعي.. طفرة الأرباح قد تتحول إلى مصدر ضغط

يأتي تصحيح سوق الذكاء الاصطناعي في مقدمة المخاطر التي يراقبها صندوق النقد، بعدما أصبحت استثمارات التكنولوجيا المتقدمة وأرباح شركاتها من أبرز محركات أداء الأسهم والنمو الاقتصادي.

ويحذر الصندوق من أن خيبة الأمل في أرباح الشركات أو عدم تحقق العوائد المنتظرة من الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي قد تدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم الأصول المرتبطة بالقطاع، بما يفتح المجال أمام تراجع واسع في أسعار الأسهم.

ولا يفترض هذا السيناريو أن تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي مبالغ فيها بالضرورة، أو أن تصحيحًا وشيكًا سيحدث. لكن الصندوق يرى أن الاعتماد المتزايد للأسواق على القطاع يجعل أي تراجع مفاجئ في التوقعات قادرًا على الانتقال إلى قطاعات أخرى.

كما أن توسع الاقتراض وترابط ترتيبات التمويل بين شركات التكنولوجيا ومزودي البنية التحتية قد يضاعف أثر الصدمة، إذا تباطأت الاستثمارات أو لم تتحقق الإيرادات المستهدفة.

10% من إصدارات السندات الاستثمارية العالمية ترتبط بكبار شركات الحوسبة السحابية

تتزايد أهمية التمويل بالدين في منظومة الذكاء الاصطناعي، مع توسع الشركات الكبرى في الإنفاق على مراكز البيانات والحوسبة والبنية التحتية.

ووفقًا لبيانات أوردتها رويترز نقلًا عن تقرير صندوق النقد، باتت شركات الحوسبة فائقة النطاق تمثل نحو 10% من إصدارات السندات العالمية ذات الدرجة الاستثمارية، بعدما كانت حصتها أقل من 1% في عام 2024.

ويعني هذا التحول أن أي تباطؤ في استثمارات الذكاء الاصطناعي قد لا يقتصر أثره على أسعار أسهم التكنولوجيا، بل يمكن أن يمتد إلى أسواق الائتمان والتمويل، خصوصًا إذا دفعت خسائر الأصول المستثمرين إلى البيع الاضطراري وتقليص المخاطر.

ودعا صندوق النقد صانعي السياسات إلى مراقبة المديونية المرتبطة بالقطاع، والحد من الاستخدام المفرط للرافعة المالية، بما يشمل المشتقات المالية وقروض الهامش، لتقليل احتمالات انتقال التصحيح إلى النظام المالي بأكمله.

عوائد السندات المرتفعة تضغط على الأسواق والتمويل

يمثل ارتفاع عوائد السندات الحكومية الخطر الثاني، في ظل استمرار الضغوط التضخمية وتزايد احتياجات الحكومات إلى الاقتراض، بالتزامن مع اتساع إصدار الشركات للسندات لتمويل استثماراتها.

وتتفاقم المخاطر مع ارتفاع مستويات الدين العام والعجز المالي في اقتصادات كبرى، بينما تواجه أسواق السندات إمدادات متزايدة من أدوات الدين الحكومية والخاصة، في وقت تقلص فيه البنوك المركزية حيازاتها من الأصول، ما يزيد اعتماد السوق على مستثمرين أكثر حساسية للأسعار والعوائد.

ويحذر الصندوق من أن الارتفاع الحاد في العوائد قد يؤدي إلى زيادة تكاليف الاقتراض على الحكومات والشركات، ويضغط على أرباح المؤسسات المثقلة بالديون، فضلًا عن تشديد الأوضاع المالية وتقليص قدرة الأسواق على استيعاب الإصدارات الجديدة.

وتزداد حساسية هذا السيناريو مع محدودية المساحة المتاحة أمام صانعي السياسات للاستجابة، في ظل ارتفاع التضخم وتراكم الديون، وهو ما يجعل إدارة الدين العام وإعادة المالية العامة إلى مسار مستدام من أولويات الحد من المخاطر.

الهجمات السيبرانية.. اختراق واحد قد يهز الثقة في النظام المالي

يتعلق الخطر الثالث بتصاعد الهجمات السيبرانية، التي قد تتجاوز آثارها سرقة البيانات أو تعطيل مؤسسة واحدة إلى إرباك خدمات مالية أساسية وتهديد ثقة المتعاملين في الأسواق.

ويشير صندوق النقد إلى أن الاعتماد المتزايد على عدد محدود من مزودي التكنولوجيا والخدمات الرقمية يرفع مخاطر انتقال أثر الاختراق من جهة إلى جهات أخرى تعتمد على البنية التحتية نفسها، بما قد يضاعف حجم الاضطراب.

ووفقًا للتقرير، لم يكن أمام مزودي البرمجيات وقت كافٍ تقريبًا لمعالجة الثغرات قبل استغلالها في أكثر من 70% من الحالات المسجلة خلال 2026، بزيادة قدرها 20 نقطة مئوية مقارنة بالعام السابق.

ويزيد استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير أساليب الهجوم من صعوبة المواجهة، إذ يمكن أن يجعل بعض العمليات أكثر تطورًا وسرعة، بينما تواجه الأسواق الناشئة تحديات إضافية نتيجة محدودية الموارد اللازمة لتعزيز الدفاعات الرقمية.

ودعا الصندوق الجهات الرقابية والمؤسسات المالية إلى تطوير قدراتها في الأمن السيبراني، وتشديد الرقابة على مزودي التكنولوجيا الخارجيين، ورفع مستوى الاستعداد للاستجابة للحوادث التي قد تصيب مؤسسات أو خدمات حيوية.

البنوك متماسكة.. لكن نقاط الضعف لم تختفِ

رغم المخاطر الثلاثة، لا يرى صندوق النقد أن النظام المصرفي العالمي يواجه انهيارًا وشيكًا، إذ أظهرت اختبارات الضغط قدرة القطاع إجمالًا على تحمل سيناريوهات تجمع بين تباطؤ استثمارات الذكاء الاصطناعي وهشاشة أسواق السندات وصدمات الطاقة.

لكن النتائج كشفت تفاوتًا بين المؤسسات، مع تعرض شريحة من البنوك لضغوط أكبر على مستويات رأس المال، وهو ما قد يحد من قدرتها على امتصاص الخسائر إذا تزامنت الصدمات أو انتقلت آثارها عبر الأسواق.

كما تتطلب المخاطر متابعة المؤسسات المالية غير المصرفية، بما فيها صناديق التحوط وشركات الائتمان الخاص وصناديق التأمين والتقاعد، نظرًا إلى ما قد تتعرض له من ضغوط السيولة أو الخسائر عند تراجع أسعار الأصول.

ويحذر الصندوق من أن تراكم هذه الاختلالات قد يجعل صدمة يمكن احتواؤها بمفردها أكثر خطورة إذا تزامنت مع مشكلات أخرى داخل النظام المالي.

صندوق النقد يدعو إلى التحرك قبل وقوع الصدمات

يركز صندوق النقد في توصياته على تعزيز متانة النظام المالي قبل ظهور أي من هذه المخاطر، بدلًا من انتظار تحولها إلى اضطراب فعلي.

وتشمل الأولويات وضع الدين العام على مسار مستدام، والحفاظ على استقلالية البنوك المركزية، والالتزام بأهداف التضخم والتواصل الواضح بشأن السياسات النقدية، إلى جانب تشديد الرقابة على المخاطر في البنوك والمؤسسات المالية غير المصرفية.

كما يوصي الصندوق بتوسيع قدرات الأمن السيبراني، وتحسين إدارة مخاطر الأطراف الخارجية، ومراقبة الرافعة المالية في الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وتتمثل الرسالة الأساسية للتقرير في أن قوة الأسواق الحالية لا تضمن استمرار الاستقرار؛ فالتصحيح المحتمل في استثمارات الذكاء الاصطناعي، وارتفاع عوائد السندات، والهجمات السيبرانية قد تصبح مصادر اضطراب أوسع إذا تفاعلت مع نقاط الضعف القائمة قبل أن تتمكن المؤسسات المالية والجهات الرقابية من معالجتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى