محافظ بنك كوريا يحذر: تنوع خوارزميات الذكاء الاصطناعي لا يمنع عدوى البيع في الأسواق

حذر هيون سونغ شين، محافظ بنك كوريا المركزي، من أن تنامي استخدام الذكاء الاصطناعي في الأسواق المالية لا يضمن الحد من المخاطر النظامية، إذ قد تدفع الحوافز المالية المشتركة المؤسسات إلى اتخاذ قرارات متزامنة، حتى عندما تعتمد على نماذج وخوارزميات مختلفة.
وأوضح شين أن آليات عمل نماذج الذكاء الاصطناعي قد تبدو كأنها «صندوق أسود» يصعب تفسير قراراته بالكامل، لكنه أشار إلى أن القطاع المالي اعتاد التعامل مع مصادر للمخاطر لا يمكن التنبؤ بها بصورة كاملة.
واختزل رؤيته لمستقبل الأسواق في معادلة تقوم على تفاعل البشر والذكاء الاصطناعي من الجانبين، بما يعني أن المنافسة لن تكون بين خوارزميات مستقلة فحسب، بل بين مؤسسات تجمع بين القرارات البشرية والأنظمة الذكية.
الحوافز المالية قد توحّد قرارات البيع رغم اختلاف الخوارزميات
تكمن المخاطرة، وفق طرح شين، في أن اختلاف النماذج المستخدمة داخل المؤسسات المالية لا يمنعها من الاستجابة بالطريقة نفسها عند وقوع اضطرابات حادة في الأسواق.
فالمؤسسات التي تعتمد على الرافعة المالية قد تضطر إلى بيع الأصول لتلبية متطلبات السيولة أو تقليص المخاطر، ما قد يؤدي إلى موجات بيع متزامنة تضخم تقلبات الأسعار وتزيد الضغوط على بقية المشاركين.
وشبّه شين هذه الظاهرة بجسر الألفية في لندن، الذي شهد تمايلًا عند افتتاحه عام 2000 نتيجة تزامن خطوات المشاة استجابة لحركة الجسر؛ إذ يمكن لكل مشارك أن يتصرف بصورة تبدو منطقية منفردة، بينما يؤدي تزامن السلوكيات إلى نتيجة جماعية غير مستقرة.
وقال، في إشارة إلى دور الأسعار في هذه الديناميكية: «في مجال التمويل، السعر هو الجسر».
وتكتسب هذه المقارنة أهمية مع اتساع استخدام النماذج الذكية في التداول وإدارة المحافظ وتقييم المخاطر؛ إذ لا يقتصر التحدي الرقابي على فهم الخوارزميات، بل يشمل أيضًا رصد الترابط بين قرارات المؤسسات، ومصادر التمويل، ومستويات الرافعة المالية، ومدى قدرة الأسواق على استيعاب عمليات البيع الجماعي.
المدفوعات الدولية.. التكنولوجيا وحدها لا تكفي
انتقل شين إلى ملف المدفوعات عبر الحدود، واصفًا بنيتها الحالية بأنها مجال تأخر تحديثه مقارنة بالتطورات التي شهدتها قطاعات مالية أخرى، بسبب الاحتكاكات التشغيلية وتجزؤ شبكات الدفع والتسوية.
وفي هذا السياق، يعمل بنك كوريا على تطوير واختبار نظام «بي إنترناشونال واير» (B-Int’l Wire)، وهو امتداد دولي لنظام المدفوعات ذي القيمة الكبيرة، يهدف إلى تمكين البنوك الأجنبية من الاحتفاظ بحسابات بالوون الكوري وتسوية المعاملات مباشرة بأموال البنك المركزي.
وتستهدف هذه الآلية تيسير التسويات العابرة للحدود وتقليل بعض التعقيدات المرتبطة بتحويل الأموال بين الأنظمة المصرفية المختلفة. لكن شين شدد على أن نجاح المشروع لا يعتمد على التقنية الأساسية وحدها، بل يتطلب تحديث الأطر التشغيلية والتنظيمية والأنظمة التي تحكم تنفيذ المدفوعات.
وتبرز هنا نقطة اقتصادية مهمة: تطوير البنية الرقمية لا يحقق كامل أثره إذا ظلت الإجراءات والقواعد التي تنظم انتقال الأموال وتسويتها قديمة أو غير متوافقة بين الدول.
تفاؤل بإمكانات الذكاء الاصطناعي يقابله قلق بشأن الوظائف
وفي ختام الجلسة، أشار بابلو هيرنانديز دي كوس، المدير العام لبنك التسويات الدولية، إلى نتائج استطلاع مرتقب للأسر في أكثر من 20 دولة، يتناول نظرة الأفراد إلى الذكاء الاصطناعي وتأثيره في الاقتصاد.
وبحسب العرض الوارد خلال الجلسة، أظهرت النتائج تفاؤلًا بشأن قدرة الذكاء الاصطناعي على تعزيز النمو، بالتوازي مع استمرار القلق من تأثيره في الوظائف، ولا سيما لدى الفئات الأصغر سنًا والأقل تعليمًا.
ويعكس هذا التباين تحديًا يتجاوز أسواق المال؛ إذ قد ترفع التقنيات الجديدة الإنتاجية وتخلق أنشطة اقتصادية جديدة، لكنها قد تفرض في الوقت نفسه ضغوطًا على بعض المهن والمهارات، ما يزيد أهمية سياسات التدريب وإعادة التأهيل المهني.
العملات المستقرة والتسوية بالجملة تحت المجهر التنظيمي
وفي رده على أسئلة تتعلق بالعملات الرقمية بالجملة والعملات المستقرة، أشار أندرو بيلي إلى مشروع «أغورا»، الذي يقوده بنك التسويات الدولية بالتعاون مع مؤسسات نقدية، باعتباره إحدى المبادرات الواعدة لتطوير التسوية عبر الحدود.
وشدد بيلي على أن العملات المستقرة الصادرة عن جهات خاصة ينبغي أن تخضع لمعايير تنظيمية ورقابية صارمة إذا أريد لها أداء وظائف نقدية مماثلة للودائع المصرفية.
ويعكس هذا الطرح توجهًا نحو الاستفادة من الابتكار في المدفوعات والتسوية، مع الحفاظ على متطلبات الثقة والشفافية وإدارة المخاطر التي يقوم عليها النظام المالي.
الاستقرار المالي يتطلب فهم سلوك السوق لا الخوارزميات فقط
تكشف المناقشات عن تحول في طبيعة التحديات التي تواجه البنوك المركزية؛ فمع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي والأدوات الرقمية، لا يكفي تقييم كفاءة كل نظام على حدة، بل يصبح من الضروري فهم كيفية تفاعل المؤسسات والأسواق معًا في أوقات الضغط.
ومن مخاطر التداول الآلي والرافعة المالية، إلى تحديث أنظمة التسوية العابرة للحدود وتنظيم العملات المستقرة، تتجه الأولوية نحو الجمع بين الابتكار التكنولوجي والحوكمة الفعالة، بما يحافظ على كفاءة النظام المالي وقدرته على امتصاص الصدمات.









