158.8 مليار دولار لذهب الصين في 8 أشهر.. واردات تتجاوز حصيلة 2025

تجاوزت واردات الصين من الذهب خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 حاجز 158.8 مليار دولار، متخطية قيمة واردات البلاد خلال عام 2025 بأكمله، في مؤشر على تصاعد الطلب على المعدن النفيس، بالتزامن مع استمرار بنك الشعب الصيني في زيادة احتياطياته من الذهب للشهر الثالث والعشرين على التوالي.

وأظهرت بيانات الجمارك الصينية أن حجم الواردات تجاوز 1000 طن بين يناير وأغسطس 2026، مقابل 886 طنًا بقيمة 96.5 مليار دولار خلال العام الماضي كاملًا. وسجلت الواردات بذلك أعلى مستوى لهذه الفترة منذ بدء توافر السلسلة المقارنة للبيانات في 2017.

وتتحرك موجة الطلب من أكثر من اتجاه؛ فإلى جانب توجه البنك المركزي لتنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الأصول المقومة بالدولار، يتزايد إقبال الأسر والشركات الصينية على الذهب مع استمرار ضعف سوق العقارات وتراجع جاذبية بعض البدائل الاستثمارية التقليدية.

أكثر من 1000 طن في 8 أشهر.. الصين تتجاوز حصيلة العام الماضي

تكشف المقارنة بين العامين عن حجم التحول في سوق الذهب الصينية؛ إذ تجاوزت الواردات خلال ثمانية أشهر فقط إجمالي الكميات التي استوردتها البلاد في 2025.

ولا يقتصر التطور على ارتفاع القيمة الدولارية للواردات، بل يمتد إلى حجم الذهب المستورد بالطن، ما يعكس زيادة فعلية في الكميات، وليس مجرد تأثير ارتفاع أسعار المعدن عالميًا.

وتستفيد السوق الصينية من الطلب الاستثماري على السبائك والعملات الذهبية، إلى جانب مشتريات المؤسسات المالية والبنك المركزي. كما يمكن أن يشجع ارتفاع السعر المحلي للذهب مقارنة بالأسعار العالمية المستوردين على زيادة الشحنات لتلبية الطلب الداخلي.

لكن ارتفاع الواردات لا يعني أن الكميات كلها دخلت احتياطيات البنك المركزي؛ إذ تشمل البيانات مشتريات جهات مختلفة داخل السوق الصينية، من المؤسسات والأفراد إلى تجار الذهب والمستثمرين.

البنك المركزي الصيني يضيف 23 طنًا ويواصل الشراء للشهر الـ23

واصل بنك الشعب الصيني زيادة حيازاته من الذهب خلال سبتمبر 2026، بعدما أضاف نحو 23 طنًا إلى احتياطياته، وفق البيانات الواردة في التقرير، في أكبر زيادة شهرية منذ قرابة ثلاث سنوات.

ومددت هذه المشتريات سلسلة الشراء المتواصل إلى 23 شهرًا، في واحدة من أطول فترات التراكم المستمرة منذ عام 2015 على الأقل.

وبلغت احتياطيات الصين الرسمية من الذهب 2387 طنًا بنهاية أغسطس 2026، لتحتل المرتبة الخامسة عالميًا وفق بيانات مجلس الذهب العالمي. وهذه الكمية تخص نهاية أغسطس، ولا تمثل الرصيد بعد إضافة مشتريات سبتمبر.

ويعزز استمرار الشراء دور الذهب ضمن استراتيجية إدارة الاحتياطيات الصينية، في وقت تسعى فيه بكين إلى تنويع الأصول التي تحتفظ بها وتخفيف اعتمادها على الأصول الأجنبية المرتبطة بالدولار.

بكين تبحث عن بديل أكثر تحصينًا من الأصول الدولارية

يربط كارستن مينكه، المحلل لدى مجموعة يوليوس باير، جانبًا مهمًا من مشتريات البنك المركزي الصيني باعتبارات استراتيجية وسياسية، تشمل تقليل الاعتماد على الدولار وسندات الخزانة الأمريكية.

وأعادت العقوبات الغربية وتجميد أصول البنك المركزي الروسي عقب الحرب في أوكرانيا عام 2022 تسليط الضوء على المخاطر المرتبطة بالاحتفاظ باحتياطيات مالية خارج الحدود الوطنية.

وفي المقابل، يمنح الاحتفاظ بالذهب داخل الخزائن المحلية الدول قدرًا أكبر من الاستقلال عن البنية المالية الأجنبية، وإن كان المعدن نفسه يظل معرضًا لتقلبات الأسعار ومخاطر الحيازة والتداول.

وتشير البيانات إلى أن حيازات الصين من سندات الخزانة الأمريكية تراجعت إلى نحو 618 مليار دولار في يوليو 2026، وهو أدنى مستوى لها خلال 18 عامًا، بالتزامن مع استمرار جهود تنويع الاحتياطيات.

العقارات والأسهم والسندات تدفع الأسر نحو الذهب

لا تقتصر موجة الطلب على قرارات البنك المركزي؛ إذ تتجه الأسر والشركات الصينية أيضًا إلى الذهب لحماية مدخراتها في ظل محدودية البدائل الاستثمارية.

فقد أضعف التراجع الممتد في سوق العقارات جاذبية أحد أهم أوعية الثروة بالنسبة للأسر الصينية، في حين لم توفر بعض الأصول المالية التقليدية العوائد التي يبحث عنها المستثمرون.

وتراجع مؤشر «سي إس آي 300» للأسهم الصينية بنحو 8% خلال عام 2026 حتى تاريخ البيانات الواردة في التقرير، بينما انخفض عائد السندات الحكومية الصينية لأجل عام واحد إلى نحو 1.2%.

وتدفع هذه البيئة بعض المستثمرين إلى زيادة حيازاتهم من السبائك والعملات الذهبية، باعتبارها وسيلة لتنويع الأصول والاحتفاظ بالقيمة، رغم أن أسعار الذهب قد تتراجع أيضًا، ولا تضمن حيازته تحقيق عائد إيجابي.

الطلب الاستثماري يختلف عن شراء المشغولات الذهبية

تعكس بيانات الواردات قوة الطلب الإجمالي، لكنها لا تعني أن جميع قطاعات سوق الذهب الصينية تنمو بالمعدل نفسه.

فارتفاع الأسعار العالمية يمكن أن يحد من مشتريات المشغولات الذهبية، بينما يظل الطلب الاستثماري على السبائك والعملات أكثر قدرة على جذب المشترين الذين يبحثون عن أصول بديلة.

وتشير بيانات مجلس الذهب العالمي إلى أن الصين سجلت طلبًا قويًا على السبائك والعملات خلال النصف الأول من 2026، كما اجتذبت صناديق الذهب المتداولة استثمارات إضافية في أغسطس.

وفي المقابل، تراجعت عمليات سحب الذهب من بورصة شنغهاي للذهب خلال أغسطس، بما يعكس تفاوت اتجاهات الطلب بين الاستثمار في المعدن والمشتريات المرتبطة بالاستهلاك والمشغولات.

مشتريات الصين تساند الذهب.. لكن الأسعار تظل رهينة الفائدة

تمنح مشتريات البنك المركزي والطلب الاستثماري الصيني سوق الذهب مصدر دعم طويل الأجل، خصوصًا أن البنوك المركزية عادة ما تحتفظ بالذهب ضمن احتياطياتها ولا تتعامل معه بالضرورة وفق تقلبات الأسعار اليومية.

ومع ذلك، لا تتحرك الأسعار بمعزل عن السياسة النقدية العالمية؛ فارتفاع عوائد السندات الأمريكية يزيد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب الذي لا يدر فائدة، وقد يحد من مكاسب المعدن حتى مع استمرار الشراء الرسمي.

كما قد يتراجع الطلب الصيني مستقبلًا إذا تحسنت الثقة في سوق العقارات والأسهم المحلية، أو ضعفت العملة الصينية بما يجعل الذهب المستورد أعلى تكلفة، أو ارتفعت عوائد الودائع المصرفية والسندات المحلية.

وبذلك تضع الواردات القياسية ومشتريات البنك المركزي الصين في قلب معادلة الطلب العالمي على الذهب خلال 2026، بينما يظل استمرار هذه الوتيرة مرتبطًا بتطور الأسواق المحلية وتوازن القوى بين الطلب على الملاذات الآمنة والعوائد المتاحة من الأصول المالية الأخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى