3.1 %نموًا عالميًا على «ساق واحدة».. صندوق النقد يحذر من هشاشة الذكاء الاصطناعي

حذّر صندوق النقد الدولي من أن مرونة الاقتصاد العالمي أصبحت أكثر هشاشة، رغم توقعاته بنمو يبلغ 3.1% خلال 2026، مع تزايد اعتماد النشاط الاقتصادي على طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، واتساع الفجوة بين الدول المستفيدة من هذا الاستثمار والاقتصادات التي تواجه ارتفاع الديون والتضخم وتكاليف الطاقة.
وقالت كريستالينا جورجيفا، المديرة العامة للصندوق، خلال مناقشات الاجتماعات السنوية للصندوق والبنك الدولي في بانكوك، إن النمو العالمي لا يزال صامدًا أمام الصدمات المتكررة، لكن الأسس التي يستند إليها أصبحت أقل متانة، في وقت تتراجع فيه قدرة حكومات على امتصاص أزمات جديدة.
وشبّهت جورجيفا الاقتصاد العالمي باقتصاد يعتمد على محرك واحد، في إشارة إلى الدور المتزايد للاستثمار في الذكاء الاصطناعي، محذرة من المخاطر التي قد تنتج عن تعثر هذه الطفرة أو عدم تحقق التوقعات المرتبطة بها.
3.1% نموًا عالميًا.. لكن المخاطر تتزايد
تأتي تحذيرات الصندوق رغم استمرار توقعاته بنمو الاقتصاد العالمي 3.1% في 2026، مقارنة بتقدير سابق بلغ 3% في يوليو، مع الإبقاء على توقع نمو قدره 3.4% في 2027.
وتعكس التوقعات قدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص جانب من الصدمات الجيوسياسية واضطرابات الطاقة، لكنها لا تعني أن مخاطر التباطؤ قد انتهت.
ففي الوقت الذي يدعم فيه الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي الاستثمار والطلب في اقتصادات محددة، تضغط تكاليف الطاقة المرتفعة وتشدد الأوضاع المالية وتراكم الديون على دول أخرى، ما يؤدي إلى توزيع غير متكافئ لمكاسب النمو.
ويرى الصندوق أن استمرار أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة، إلى جانب ارتفاع تكاليف الاقتراض، قد يحد من الاستهلاك والاستثمار، ويجعل الاقتصاد العالمي أكثر عرضة للصدمات الجديدة.
الذكاء الاصطناعي يعيد رسم خريطة المستفيدين من النمو
تتركز مكاسب طفرة الذكاء الاصطناعي في الدول التي تمتلك قدرات إنتاجية وتكنولوجية متقدمة، أو ترتبط بقوة بسلاسل توريد هذه الصناعة.
وتبرز الولايات المتحدة والصين والهند ضمن الدول الرئيسية المنتجة للذكاء الاصطناعي ومقوماته، في حين تستفيد اقتصادات آسيوية أخرى، مثل تايلاند وكوريا الجنوبية، من ارتباطها بسلاسل التوريد التي توفر الرقائق والمكونات والبنية التحتية اللازمة لتطوير هذه التكنولوجيا.
لكن هذه المكاسب لا تتوزع بالتساوي. فالاقتصادات التي لا تمتلك قاعدة تكنولوجية قوية أو لا ترتبط بسلاسل القيمة الجديدة قد تجد صعوبة في الاستفادة من تدفقات الاستثمار نفسها، خصوصًا إذا كانت تواجه في الوقت ذاته ارتفاع تكاليف الواردات وضعف الإنتاجية وضغوط المديونية.
ويحذر هذا التفاوت من أن تتحول طفرة الذكاء الاصطناعي إلى عامل يزيد الفجوة بين الاقتصادات المتقدمة والنامية، بدلًا من أن تصبح مصدرًا أوسع للنمو والإنتاجية.
الصندوق يحذر من صدمة إذا خابت توقعات طفرة الذكاء الاصطناعي
لا تقتصر المخاطر على تفاوت توزيع الاستثمارات، بل تمتد إلى احتمال حدوث تصحيح حاد إذا تبين أن العوائد المتوقعة من الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي لا تبرر التقييمات والاستثمارات الحالية.
فمع تزايد أهمية هذا القطاع في دعم النمو، قد يؤدي تراجع الاستثمار أو هبوط تقييمات الشركات المرتبطة به إلى انعكاسات تتجاوز أسواق التكنولوجيا، لتصل إلى أسواق المال والائتمان والاقتصاد الحقيقي.
كما أن تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي بوتيرة سريعة يثير تحديات أخرى تتعلق بالوظائف والتعليم والإنتاجية والضرائب، فضلًا عن المخاطر التي قد تنتقل إلى النظام المالي في حال حدوث اضطرابات واسعة في الأسواق.
ويزيد هذا الاعتماد من أهمية تنويع محركات النمو، بحيث لا تصبح الدورة الاقتصادية رهينة قطاع واحد أو موجة استثمارية محددة.
الطاقة والتضخم والديون تضيق هامش المناورة
في المقابل، تواجه الحكومات ضغوطًا مالية متزايدة تقلل قدرتها على الاستجابة لأي صدمة جديدة.
ويؤدي ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء إلى زيادة تكاليف الإنتاج والمعيشة، وقد يمدد فترة بقاء التضخم عند مستويات مرتفعة. وإذا أصبحت الضغوط السعرية أكثر استدامة، فقد تضطر البنوك المركزية إلى الإبقاء على السياسة النقدية المتشددة أو رفع الفائدة مجددًا.
وتنعكس هذه التطورات بدورها على تكاليف خدمة الدين الحكومي، ما يحد من الأموال المتاحة للاستثمار في البنية التحتية والتعليم والصحة ودعم الفئات الأكثر تعرضًا للصدمات.
كما أن تراجع الاحتياطيات المالية ومخزونات الطاقة الاستراتيجية في بعض الاقتصادات يزيد من صعوبة مواجهة اضطرابات جديدة، سواء جاءت من أسواق السلع أو من التوترات الجيوسياسية.
الصين والولايات المتحدة وأوروبا أمام اختلالات مختلفة
لفتت جورجيفا إلى أن أسباب الاختلال الاقتصادي تختلف بين القوى الكبرى، ولا يمكن التعامل معها بوصفة واحدة.
ففي الصين، يظل ضعف الاستهلاك المحلي أحد التحديات الرئيسية، بالتزامن مع قوة الصادرات، بينما تواجه الولايات المتحدة اختلالات ترتبط بارتفاع العجز المالي والاعتماد على الاقتراض وعدم كفاية المدخرات.
أما أوروبا، فتواجه تحديًا طويل الأجل يتعلق بضعف نمو الإنتاجية وتجزؤ أسواقها الداخلية، ما يحد من قدرة الشركات على التوسع عبر الحدود والاستفادة الكاملة من السوق الموحدة.
وتوضح هذه الاختلافات أن مرونة الاقتصاد العالمي لا تعتمد على نمو قطاع التكنولوجيا وحده، بل تتطلب معالجة اختلالات الطلب والإنتاجية والتمويل في الاقتصادات الرئيسية.
أوروبا تبحث عن مخرج من فجوة الإنتاجية
خلال المناقشات، دعا كيرياكوس بيراكاكيس، رئيس مجموعة اليورو ووزير الاقتصاد والمالية اليوناني، إلى تسريع إصلاحات الأسواق المالية والمصرفية الأوروبية، وتقليل الحواجز التي تعوق توسع الشركات عبر الحدود.
وأشار إلى أن متوسط نمو الإنتاجية السنوي في الولايات المتحدة بلغ 1.8% خلال ثلاثة عقود، مقابل 1.1% في أوروبا، معتبرًا أن هذا الفارق يعكس أحد التحديات الأساسية أمام القدرة التنافسية الأوروبية.
وتشمل الأولويات المطروحة تعميق التكامل المصرفي، وتطوير أسواق رأس المال، وتسهيل حركة الاستثمار، بما يدعم تمويل الشركات وتحسين الإنتاجية.
تايلاند تراهن على الاستثمار والاندماج في سلاسل التوريد
في المقابل، ركز وزير المالية التايلاندي إكنيتي نيتيثانبراباس على فرص الاستفادة من إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية، خصوصًا في مجالات الذكاء الاصطناعي والإلكترونيات الذكية والمركبات الكهربائية.
وأفاد بارتفاع طلبات الاستثمار الأجنبي المباشر في النصف الأول من 2026 بنسبة 47% إلى نحو 44 مليار دولار، كما أشار إلى نمو الاستثمار الخاص بأكثر من 10% خلال ربعين متتاليين.
وشدد على ضرورة ربط المستثمرين الأجانب بالجامعات والشركات الصغيرة والمتوسطة، ونقل المعرفة وتنمية المهارات، حتى لا يقتصر أثر الاستثمارات الجديدة على ضخ رؤوس الأموال، بل يمتد إلى رفع الإنتاجية وزيادة مشاركة الشركات المحلية في سلاسل القيمة العالمية.
كما دعا إلى تعزيز التكامل الإقليمي في الطاقة والمدفوعات الرقمية والتجارة، لخفض التعرض للصدمات الخارجية وتوسيع فرص النمو.
الأرجنتين ونيجيريا تستندان إلى الإصلاحات لاستعادة الثقة
عرض وزير الاقتصاد الأرجنتيني لويس كابوتو تجربة بلاده في خفض الإنفاق الحكومي وتحقيق التوازن المالي، مشيرًا إلى تراجع التضخم من مستويات تجاوزت 200% في 2023 إلى نحو 30% وفق الأرقام التي عرضها خلال المناقشات.
أما محافظ البنك المركزي النيجيري أولاييمي كاردوسو، فسلط الضوء على دور التشديد النقدي وإصلاح سوق الصرف الأجنبي وتحسين الشفافية في استعادة الثقة، إلى جانب تسوية التزامات متأخرة بالعملات الأجنبية تجاوزت 7 مليارات دولار.
وتعكس التجربتان اختلاف الأدوات التي تستخدمها الاقتصادات لاستعادة الاستقرار، لكنهما تلتقيان عند أهمية السياسات الاقتصادية الموثوقة وتحسين الأوضاع المالية والنقدية، بما يساعد على استعادة قدرة الاقتصاد على التعامل مع الصدمات.
جورجيفا تدعو الحكومات إلى إعادة بناء الاحتياطيات
دعت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي الحكومات إلى إعادة بناء الهوامش المالية والاحتياطيات التي تسمح لها بالتعامل مع الأزمات، إلى جانب خفض الديون وتحسين استدامة المالية العامة.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه الاقتصادات ضغوطًا متزامنة من ارتفاع تكاليف الطاقة والتضخم واضطراب التجارة والتنافس التكنولوجي، ما يجعل الاعتماد على الحلول قصيرة الأجل أقل قدرة على حماية النمو.
وتشير رسالة الصندوق إلى أن استمرار النمو العالمي عند مستويات قريبة من 3% لا يكفي وحده للحكم على متانة الاقتصاد، ما لم يترافق مع تنويع محركات النمو وتحسين الإنتاجية وتقليص الاختلالات المالية.
وبينما يواصل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي دعم النشاط الاقتصادي، فإن التحدي الرئيسي يتمثل في تحويل هذه الطفرة إلى مكاسب إنتاجية أوسع، مع الحد من مخاطر تركّز النمو في قطاع واحد، وإعادة بناء قدرة الحكومات على مواجهة الصدمات المقبلة.









