3.1% نموًا عالميًا في 2026.. طفرة الذكاء الاصطناعي توسع فجوة الرابحين والخاسرين

يتجه الاقتصاد العالمي إلى تحقيق نمو متوقع يبلغ 3.1% خلال عام 2026، لكن وراء هذا الرقم تتسع الفجوة بين الاقتصادات المستفيدة من طفرة الذكاء الاصطناعي، والدول التي تواجه ضغوطًا متزايدة بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة والحروب واختلالات التجارة والديون.

وخلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك، ناقش مسؤولون اقتصاديون من الأرجنتين واليونان ونيجيريا وتايلاند سبل تعزيز قدرة اقتصاداتهم على مواجهة الصدمات، في وقت يحذر فيه الصندوق من أن استمرار النمو لا يعني استفادة جميع الدول بالقدر نفسه.

وتتركز التحديات في ثلاثة ملفات رئيسية: الانضباط المالي، وتفاوت القدرة على جذب الاستثمارات، ومخاطر الاعتماد المتزايد على الإنفاق المرتبط بالذكاء الاصطناعي.

نمو عالمي عند 3.1%.. لكن مكاسب الذكاء الاصطناعي غير متساوية

رغم توقع نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3.1% في 2026، يرى صندوق النقد الدولي أن تركيب النمو يتغير، مع تحسن آفاق بعض الاقتصادات المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، مقابل تراجع توقعات اقتصادات مستوردة للطاقة وأخرى تتأثر بالصراعات.

ويثير هذا التباين مخاوف من أن تتركز الاستثمارات ورؤوس الأموال في عدد محدود من الأسواق التي تمتلك البنية التكنولوجية والقدرات الإنتاجية اللازمة للاستفادة من الذكاء الاصطناعي، بينما تجد اقتصادات أخرى صعوبة في المنافسة على التمويل وتطوير صناعاتها.

لكن الاعتماد على طفرة الذكاء الاصطناعي يحمل مخاطر بدوره. فقد حذرت كريستالينا جورجيفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، من أن استمرار تدفق الاستثمارات مدفوعًا بالتفاؤل بشأن التكنولوجيا قد يجعل الاقتصاد العالمي أكثر تعرضًا للصدمات إذا تراجعت التوقعات أو لم تتحقق العوائد المنتظرة.

وتشمل المخاطر الأخرى ارتفاع مستويات الدين، وتصاعد التوترات التجارية، واستمرار الصراعات، وما تفرضه من ضغوط على أسعار الطاقة والتضخم والاستقرار المالي.

الصين والولايات المتحدة في قلب اختلالات التجارة العالمية

تعد اختلالات التجارة والادخار بين الاقتصادات الكبرى أحد مصادر القلق الرئيسية في المشهد العالمي.

وترى جورجيفا أن الصين والولايات المتحدة تمثلان جانبًا مهمًا من هذه الاختلالات؛ إذ تعتمد الصين بدرجة كبيرة على الصادرات، بينما يعكس الاقتصاد الأمريكي مستويات مرتفعة من الاستهلاك والاقتراض والعجز.

وتنعكس هذه الفجوات على الاقتصادات الأخرى، خاصة الدول النامية التي تحاول بناء قواعد صناعية وتوسيع صادراتها، لكنها تواجه منافسة من اقتصادات تمتلك خبرات إنتاجية متراكمة وقدرة أكبر على جذب رؤوس الأموال.

كما أن تركز الاستثمار في الأسواق الأكثر جذبًا للتمويل قد يقلص الموارد المتاحة لتمويل مشروعات التنمية والتصنيع في بقية الدول، ما يزيد أهمية الإصلاحات المحلية وتوسيع الشراكات التجارية.

نيجيريا تخفض التضخم وتعيد بناء الثقة

قدم أولاييمي كاردوسو، محافظ البنك المركزي النيجيري، تجربة بلاده في التعامل مع أزمة العملة وتراجع ثقة المستثمرين، مشيرًا إلى أن الإصلاحات تضمنت إنهاء دعم الوقود في 2023، وتعديل نظام سوق الصرف في يونيو 2024، إلى جانب تشديد السياسة النقدية.

وشملت الإجراءات رفع أسعار الفائدة بمقدار تراكمي بلغ 800 نقطة أساس خلال 2024، في إطار مساعٍ لكبح التضخم وتحسين الاستقرار النقدي.

وبحسب ما عرضه كاردوسو خلال المناقشات، ساهمت هذه الإجراءات في خفض التضخم بنحو 20 نقطة مئوية إلى قرابة 15%، فضلًا عن ارتفاع الاحتياطيات الأجنبية إلى أعلى مستوياتها في 18 عامًا.

وأوضح أن وضوح السياسات واتساقها مع التنفيذ كانا عنصرين أساسيين في استعادة المصداقية، رغم التكلفة التي صاحبت بعض الإصلاحات.

وتسلط التجربة النيجيرية الضوء على أهمية معالجة الاختلالات المالية والنقدية، لكنها تبرز أيضًا التحدي المتمثل في تنفيذ الإصلاحات مع الحد من آثارها على الأسر والأنشطة الاقتصادية.

الأرجنتين تراهن على الفائض المالي وخفض الإنفاق

من جانبه، عرض لويس كابوتو، وزير الاقتصاد الأرجنتيني، نتائج برنامج بلاده لضبط المالية العامة، قائلًا إن الحكومة انتقلت من عجز مالي يعادل نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي إلى تسجيل فائض، عبر خفض الإنفاق العام بنحو 30%.

وأضاف أن التضخم تراجع من 211% في 2023 إلى قرابة 30%، مع توقع استمرار نمو الاقتصاد للعام الثالث على التوالي وزيادة الصادرات.

وتستند هذه النتائج، وفق عرض الوزير، إلى سياسة تستهدف تقليص دور الدولة في الاقتصاد وتعزيز الانضباط المالي والحسابات الخارجية.

لكن تجربة الأرجنتين تظل مرتبطة بقدرة الاقتصاد على الحفاظ على استقرار الأسعار والنمو، واستيعاب الآثار الاجتماعية والاقتصادية للإجراءات التي تستهدف خفض الإنفاق وإعادة تنظيم المالية العامة.

تايلاند توسع التجارة الإقليمية وتدعم الشركات الصغيرة

في آسيا، تركز تايلاند على تعزيز قدرتها على امتصاص صدمات الطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد من خلال الحفاظ على الاستقرار المالي وتطوير الروابط التجارية مع دول المنطقة.

وقال إكنيتي نيتيثانبراباس، نائب رئيس الوزراء ووزير المالية التايلاندي، إن عائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات يبلغ نحو 2.3%، عازيًا ذلك إلى الانضباط المالي.

كما أشار إلى خطط لتوسيع التعاون التجاري والاستثماري مع دول رابطة جنوب شرق آسيا، إلى جانب مساعدة الشركات الصغيرة والمتوسطة على التكيف مع الصدمات الحالية والاستعداد للتحديات المقبلة.

وأوضح أن التجارة مع دول الرابطة تمثل 22% وفق الأرقام التي عرضها، مقارنة بنحو 60% مع الاتحاد الأوروبي، معتبرًا أن هناك مجالًا لتعزيز الروابط التجارية الإقليمية.

وتعكس هذه التوجهات محاولة تقليل الاعتماد على عدد محدود من الأسواق، وتوسيع الفرص أمام الشركات المحلية للوصول إلى أسواق جديدة.

أوروبا تواجه تكلفة اقتصادية بسبب تشتت القواعد

على الجانب الأوروبي، حذر كيرياكوس بيراكاكيس، وزير الاقتصاد والمالية اليوناني ورئيس مجموعة اليورو، من أن تجزؤ السوق الأوروبية يضعف قدرة الشركات على العمل عبر الحدود ويزيد الأعباء الاقتصادية.

ونقل بيراكاكيس عن تقديرات لصندوق النقد الدولي أن الحواجز الموجودة في قطاعات الخدمات والتصنيع داخل أوروبا يمكن أن تعادل، من حيث أثرها على قطاع التصنيع، فرض رسوم جمركية تتراوح بين 40% و44%.

وتشير هذه المقارنة إلى حجم التكلفة المحتملة للعوائق التنظيمية والتجارية، في وقت تسعى فيه الاقتصادات الأوروبية إلى تعزيز الإنتاجية وتسهيل حركة الاستثمارات والتجارة داخل السوق الموحدة.

ويظل تطبيق الإصلاحات المشتركة تحديًا، إذ يتطلب تنسيق السياسات بين الدول الأعضاء وتقليص الفجوات التي تعوق حركة الأعمال ورؤوس الأموال.

الانضباط المالي والشفافية أساس بناء اقتصاد أكثر مرونة

اتفقت الرسائل المطروحة خلال المناقشات على أهمية تعزيز قدرة الاقتصادات على تحمل الصدمات، عبر سياسات مالية واضحة وإصلاحات هيكلية تدعم النمو وتحد من الاختلالات.

وتبرز التجارب المعروضة اختلاف الأدوات المستخدمة بين الدول؛ من تشديد السياسة النقدية وإعادة تنظيم سوق الصرف في نيجيريا، إلى خفض الإنفاق في الأرجنتين، وتوسيع التجارة الإقليمية في تايلاند، والعمل على تقليص الحواجز التنظيمية في أوروبا.

لكن هذه المسارات لا تضمن وحدها تجنب الأزمات، خاصة مع استمرار مخاطر الديون وارتفاع تكاليف الاقتراض والتوترات الجيوسياسية واحتمال تغير توقعات الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.

وتزداد أهمية هذه التحديات بالنسبة إلى الاقتصادات النامية التي تسعى إلى جذب التمويل وتوسيع قاعدتها الصناعية، بينما تتنافس مع الأسواق الأكثر تقدمًا على رأس المال والتكنولوجيا.

وبذلك، لا يتمثل التحدي العالمي في الحفاظ على معدل نمو موجب فحسب، بل في توسيع قاعدة المستفيدين من النمو، وتقوية قدرة الدول على مواجهة الصدمات، ومنع اتساع الفجوة بين الاقتصادات الأكثر جذبًا للاستثمارات وتلك التي تحتاج إلى موارد أكبر لدعم التنمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى