32 دولة تقود 95% من النمو العالمي.. «النقد الدولي» يحذر من اتساع الفجوة

لم تعد مشكلة الاقتصاد العالمي تقتصر على تباطؤ النمو، بل تمتد إلى تركز مكاسبه في عدد محدود من الدول، إذ كشف صندوق النقد الدولي أن 32 اقتصادًا فقط باتت تمثل نحو 95% من النمو العالمي، مقابل 54 اقتصادًا في أبريل الماضي، في مؤشر على اتساع الفجوة بين الدول المستفيدة من طفرة الذكاء الاصطناعي وتلك التي تواجه تداعيات ارتفاع الطاقة واضطرابات التجارة.

ورفع الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي خلال 2026 إلى 3.1%، مقارنة بتقديراته السابقة البالغة 3% في يوليو، لكنه أبقى النمو دون مستوى 2025 البالغ 3.5%. ويتوقع ارتفاع النمو إلى 3.4% في 2027، بالتزامن مع صعود التضخم العالمي إلى 4.7% خلال العام الحالي قبل تراجعه إلى 4.1% في العام المقبل.

وتعكس التوقعات الجديدة اقتصادًا لا يزال قادرًا على التوسع رغم الحرب واضطرابات الإمدادات، لكن هذا التماسك يعتمد بدرجة متزايدة على استمرار الاستثمارات التكنولوجية، في وقت تتصاعد فيه مخاطر التضخم والديون وأسعار الفائدة.

32 اقتصادًا تستحوذ على 95% من النمو العالمي

يعكس تراجع عدد الدول المساهمة في النمو العالمي من 54 إلى 32 اقتصادًا اتساع التباين في الأداء الاقتصادي بين الدول.

ويستفيد عدد من الاقتصادات المرتبطة بسلاسل توريد الذكاء الاصطناعي من زيادة الإنفاق على مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية الرقمية، بينما تواجه الاقتصادات المستوردة للطاقة، خصوصًا تلك الأقل ارتباطًا بسلاسل التكنولوجيا، ضغوطًا أكبر على النشاط الاقتصادي والأسعار.

وتظهر هذه الفجوة بوضوح في توقعات النمو لعام 2026؛ إذ يُرجح أن ينمو اقتصاد تايوان بنسبة 10.7% وفيتنام بنسبة 8.4%، مدفوعتين بموقعهما في سلاسل التوريد والصناعات المرتبطة بالتكنولوجيا.

في المقابل، خفض الصندوق توقعاته لعدد كبير من الاقتصادات منذ أبريل، في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة وتضرر التجارة وتراجع هوامش التحرك أمام صدمات جديدة.

طفرة الذكاء الاصطناعي تعوض جزءًا من صدمة الطاقة

يرى صندوق النقد أن الاستثمار المتزايد في الذكاء الاصطناعي أصبح أحد العوامل الرئيسية التي تدعم النمو العالمي، بعدما حفز الإنفاق على الرقائق والخوادم ومراكز البيانات والبنية التحتية اللازمة لتشغيل الأنظمة المتقدمة.

وساعدت هذه الاستثمارات في تحسين توقعات بعض الاقتصادات المتقدمة والدول المصدرة لمكونات التكنولوجيا، بما خفف جزءًا من الأثر السلبي للحرب وارتفاع أسعار الطاقة.

لكن هذا الدعم لا يخلو من المخاطر؛ إذ يعتمد استمرار الزخم على قدرة الشركات على تحويل الاستثمارات الضخمة إلى إنتاجية وأرباح فعلية. وإذا جاءت النتائج أقل من التوقعات، فقد تتراجع الاستثمارات وأسعار الأصول المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بما ينعكس على التجارة والنمو العالميين.

وفي سيناريو سلبي عرضه الصندوق، قد يؤدي تراجع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي إلى انخفاض الناتج العالمي بنحو 1.1% بحلول 2028 عند احتساب الآثار المباشرة وغير المباشرة على الاقتصاد والأسواق المالية.

التضخم العالمي يرتفع إلى 4.7% تحت ضغط الطاقة والغذاء

على جانب الأسعار، توقع الصندوق ارتفاع التضخم العالمي إلى 4.7% في 2026، مقارنة بنحو 4.1% في العام السابق، نتيجة زيادة تكاليف الطاقة والغذاء واستمرار اضطرابات الإمدادات.

وتأتي هذه التوقعات في وقت تواجه فيه البنوك المركزية معادلة صعبة: فالتشديد النقدي قد يحد من الضغوط السعرية، لكنه يرفع تكلفة الاقتراض ويضغط على الاستثمار والنشاط الاقتصادي، بينما يؤدي تأخير التعامل مع التضخم إلى ترسيخ توقعات بارتفاع الأسعار.

وحذر الصندوق من أن استمرار الحرب وتضرر البنية التحتية للطاقة قد يفاقمان صدمة الإمدادات. وفي سيناريو أكثر تشاؤمًا، إذا دفعت الحرب أسعار النفط إلى 130 دولارًا للبرميل واستمرت عند هذا المستوى حتى الربع الأول من 2027، فقد يتراجع النمو العالمي بنحو 0.2 نقطة مئوية إضافية في 2026 و0.5 نقطة في 2027، بينما يرتفع التضخم في 2027 إلى 5.2%.

الخليج تحت ضغط الحرب واضطرابات الإمدادات

تظهر التداعيات الإقليمية للحرب بوضوح في توقعات اقتصادات الخليج، التي تواجه ضغوطًا ناجمة عن تعطل طرق التجارة والطاقة وتراجع النشاط في بعض القطاعات.

وتتفاوت التأثيرات بين الدول بحسب قدرتها على استخدام مسارات تصدير بديلة، وتوافر الاحتياطيات المالية، ومدى اعتماد اقتصاداتها على تدفقات الطاقة والتجارة عبر المنطقة.

وفي المقابل، تتمتع الاقتصادات التي تقع في قلب سلاسل توريد التكنولوجيا بفرص أكبر للاستفادة من طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، ما يعمق التفاوت في مسارات النمو بين مناطق العالم.

الديون والعوائد المرتفعة تقلص قدرة الحكومات على مواجهة الصدمات

إلى جانب مخاطر الطاقة والتكنولوجيا، حذر الصندوق من أن ارتفاع الدين العام وتكاليف الاقتراض يحدان من قدرة الحكومات على التدخل إذا تعرض الاقتصاد العالمي لصدمة جديدة.

فارتفاع العوائد السيادية يزيد أعباء خدمة الدين، ويترك مساحة أضيق أمام الإنفاق العام والاستثمارات اللازمة لدعم النمو أو حماية الفئات الأكثر تأثرًا بارتفاع الأسعار.

ودعا الصندوق الحكومات إلى إعداد خطط مالية متوسطة الأجل ذات مصداقية، وإعادة بناء الاحتياطيات المالية، بدلًا من تأجيل معالجة مواطن الضعف التي قد تصبح أكثر تكلفة إذا تدهورت الظروف العالمية.

كما شدد على أهمية توجيه المساعدات إلى الفئات الأكثر احتياجًا بدلًا من دعم الأسعار بصورة واسعة، بما يساعد على حماية القوة الشرائية دون استنزاف الموارد المالية العامة.

مخاطر الذكاء الاصطناعي تمتد من الأسواق إلى الوظائف

لا تقتصر تداعيات طفرة الذكاء الاصطناعي على الاستثمار والنمو، بل تمتد إلى الاستقرار المالي وسوق العمل.

فقد حذر تقرير الاستقرار المالي العالمي من أن تراجع ربحية الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد يثير تصحيحًا في أسعار الأصول، وتزداد آثاره مع ارتفاع الاقتراض وتركيز الاستثمارات في عدد محدود من الشركات والقطاعات.

وفي سوق العمل، يدفع توسع استخدام التكنولوجيا إلى إعادة تشكيل الطلب على المهارات، مع تعرض بعض الوظائف الروتينية والمتكررة لتغيرات أسرع من غيرها. ويثير ذلك تحديًا إضافيًا أمام الشباب والباحثين عن فرصهم الأولى، ما يزيد أهمية التدريب وإعادة التأهيل المهني.

الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة نمو أكثر تفاوتًا

تضع توقعات صندوق النقد الدولي الاقتصاد العالمي أمام مسارين متعارضين: استثمارات الذكاء الاصطناعي التي تدعم الإنتاج والتجارة، وصدمات الطاقة والحرب والديون التي تضغط على النشاط الاقتصادي وتعيد إشعال التضخم.

ورغم رفع توقع النمو لعام 2026 إلى 3.1%، يرى الصندوق أن المخاطر لا تزال تميل إلى الجانب السلبي، وأن قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود ستعتمد على مسار الحرب وأسعار الطاقة ومدى تحقق العوائد المنتظرة من استثمارات التكنولوجيا.

وبينما تستعد بعض الاقتصادات لجني مكاسب طفرة الذكاء الاصطناعي، تواجه دول أخرى ارتفاعًا في تكاليف الإنتاج والتمويل، ما يجعل توزيع النمو ومصادره أكثر أهمية من الرقم العالمي المجمع وحده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى