رامي زهدي يكتب :«حوض النيل وأزمات المناخ»

خبير الشؤون الإفريقية

لم يعد المناخ مجرد عامل طبيعي مؤثر في تفاصيل الحياة اليومية، بل بات محددا رئيسيا لإيقاع الدول، وفاعلا خفيا في صياغة سياساتها، وتوجيه أولوياتها التنموية.

وحين يتقاطع المناخ مع الجغرافيا، وتتشابك معادلات الطبيعة مع اعتبارات السياسة والاقتصاد، يتحول الأمن الغذائي في حوض النيل من ملف تنموي تقليدي إلى قضية مركبة، بل إلى مسألة وجودية تمس استقرار أكثر من 300 مليون نسمة يعيشون على ضفاف هذا الشريان الحيوي، الذي ظل عبر التاريخ مصدرا للحياة والازدهار، وبدأ اليوم يتحول تدريجيا إلى ساحة اختبار حقيقية لقدرة دوله على التكيف والصمود في مواجهة أحد أخطر تحديات القرن الحادي والعشرين، وهو التغير المناخي.

حوض النيل، الممتد عبر 11 دولة إفريقية، يواجه ضغوطا متراكبة تتجاوز حدود التغيرات الطبيعية المعتادة، وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن متوسط درجات الحرارة في شرق إفريقيا ارتفع بنحو 1.2 درجة مئوية منذ منتصف القرن الماضي، مع توقعات بزيادة إضافية قد تصل إلى 2.5 درجة بحلول عام 2050، وهذه الأرقام لا تعني مجرد ارتفاع في درجات الحرارة، بل تعني إعادة تشكيل شاملة للأنماط الزراعية، ومواسم الأمطار، ودورات الإنتاج الغذائي، وأنواع المحاصيل، وحجم الإنتاج ذاته.

ولا تحدث هذه التحولات في فراغ، بل تتقاطع مع معدلات نمو سكاني تعد من الأعلى عالميا، حيث يُتوقع أن يتجاوز عدد سكان دول حوض النيل 500 مليون نسمة بحلول عام 2050، بما يرفع الطلب على الغذاء بنسب قد تصل إلى 60% وفقا لتقديرات منظمة الأغذية والزراعة.

وهنا تتعقد معادلة الأمن الغذائي، فلا تعود مرتبطة فقط بتوافر الغذاء، بل تمتد لتشمل القدرة على الإنتاج المستدام، وكفاءة سلاسل الإمداد، ومرونة النظم الزراعية في مواجهة الصدمات المناخية.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن نحو 40% من سكان دول الحوض يعتمدون على الزراعة المطرية، وهي الأكثر هشاشة أمام تقلبات المناخ، خاصة في دول المنابع مثل إثيوبيا وأوغندا وجنوب السودان، حيث يؤدي اضطراب الأمطار إلى تذبذب حاد في الإنتاج، ينعكس مباشرة على الاستقرار الغذائي الإقليمي.

ومن أخطر تجليات التغير المناخي في حوض النيل ذلك التباين الحاد في أنماط الأمطار، بين وفرة مفرطة وشح ممتد، وبين انتظام مفقود وفوضى مناخية متكررة، ففي الوقت الذي تشهد فيه بعض المناطق فيضانات مدمرة، تعاني مناطق أخرى من موجات جفاف قاسية، بما يخلق حالة دائمة من عدم اليقين الزراعي، ويقوض قدرة الحكومات على التخطيط طويل الأجل.

ففي السودان، تسببت الفيضانات المتكررة خلال السنوات الأخيرة في فقدان مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، بينما شهدت إثيوبيا، رغم مواردها المائية، موجات جفاف أثرت على ملايين المزارعين، في صورة تعكس بوضوح اختلال التوازن المناخي داخل الحوض ذاته.

أما مصر، التي تعتمد على نهر النيل بنسبة تتجاوز 97% كمصدر رئيسي للمياه، فتقع في قلب هذه المعادلة الدقيقة، فهي لا تتأثر فقط بالتغيرات المناخية المباشرة، بل أيضا بتداعياتها في دول المنابع، ومع محدودية الموارد المائية، وارتفاع درجات الحرارة، وتآكل الأراضي الزراعية في دلتا النيل بفعل ارتفاع مستوى سطح البحر، تصبح معادلة الأمن الغذائي أكثر حساسية وتعقيدا، خاصة في ظل اعتماد مصر على الاستيراد لتلبية ما يقارب 60% من احتياجاتها الغذائية الأساسية، وعلى رأسها القمح.

غير أن اختزال المشهد في زاوية التحديات وحدها يمثل قراءة منقوصة، فالتغير المناخي، رغم مخاطره، يفتح نافذة لإعادة صياغة النظم الزراعية والغذائية على أسس أكثر كفاءة واستدامة،

وهنا تبرز أهمية التحول نحو الزراعة الذكية مناخيا، التي توظف التكنولوجيا لتحسين الإنتاجية وترشيد استخدام الموارد، من خلال نظم الري الحديث، واستنباط أصناف مقاومة للجفاف، والتوسع في الزراعة الرقمية. وتشير التجارب التطبيقية في بعض دول الحوض إلى إمكانية رفع الإنتاجية بنسب تتراوح بين 20% و30% في بعض المحاصيل عند تبني هذه النماذج.

كما يمثل التكامل الإقليمي بين دول حوض النيل أحد أهم المسارات الاستراتيجية لمواجهة هذه التحديات المركبة. فدول المنابع تمتلك موارد مائية وأراضي زراعية شاسعة، بينما تمتلك دول المصب خبرات فنية وبنية تحتية أكثر تطورا نسبيا.

ومن ثم، فإن بناء شراكات زراعية واستثمارية عابرة للحدود يمكن أن يشكل ركيزة لتحقيق أمن غذائي جماعي، يتجاوز منطق الحلول الفردية المحدودة.

وفي هذا السياق، تملك مصر فرصة حقيقية للعب دور محوري في دعم هذا التكامل، عبر نقل خبراتها الزراعية، وتوسيع استثماراتها في القطاع الزراعي بدول الحوض، وتعزيز برامج التدريب وبناء القدرات، وهو توجه يتسق مع الرؤية المصرية المتنامية لتعميق الانخراط في القارة الإفريقية، ليس فقط سياسيا، بل اقتصاديا وتنمويا.

كما أن مبادرات مثل الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية تمثل إطارا عمليا يمكن البناء عليه لتوسيع مجالات التعاون في الزراعة والري وإدارة الموارد المائية، بما يعزز من حضور مصر التنموي في إفريقيا، ويخدم في الوقت ذاته مصالحها الاستراتيجية.

ولا يمكن إغفال الدور الحيوي للقطاع الخاص، الذي يمثل أحد أهم محركات الاستثمار الزراعي في إفريقيا، خاصة في ظل توافر نحو 60% من الأراضي الزراعية غير المستغلة عالميا داخل القارة، ومع تصاعد الطلب العالمي على الغذاء، يمكن لدول حوض النيل أن تتحول إلى سلة غذاء إقليمية ودولية، إذا ما تم توجيه الاستثمارات بشكل رشيد ومستدام.

غير أن تحقيق هذه الرؤية يظل رهنا بمعالجة تحديات هيكلية ممتدة، في مقدمتها ضعف البنية التحتية، ومحدودية التمويل، وتحديات الحوكمة، فضلا عن التوترات السياسية التي تعرقل أحيانا مسارات التعاون.

ومن هنا، يصبح بناء إطار مؤسسي إقليمي لإدارة الموارد المشتركة، وتعزيز الثقة بين دول الحوض، شرطا ضروريا لتحقيق أي تقدم ملموس.

في المحصلة، فإن التغير المناخي في حوض النيل ليس قدرا مفروضا، بل اختبارا حقيقيا لإرادة دوله وقدرتها على التحول من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص، وبينما تفرض الطبيعة ضغوطها، تظل السياسة والاقتصاد هما المحددان الأساسيان للمسار، إما نحو مزيد من الهشاشة والتنافس، أو نحو تكامل رشيد يحقق الأمن الغذائي ويضمن استدامة الموارد للأجيال القادمة.

إن اللحظة الراهنة تفرض على صناع القرار إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي، ليشمل بوضوح أبعاد الأمن المناخي والغذائي، باعتبارهما وجهين لعملة واحدة، لا انفصام بينهما في عالم تتسارع فيه التحديات وتضيق فيه مساحات المناورة، ومن ثم، فإن الاستثمار في الزراعة، وإدارة المياه، وتعزيز التكامل الإقليمي، لم يعد خيارا مؤجلا، بل ضرورة وجودية تفرضها معادلات الواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى