التضخم الأمريكي يشعل رهانات رفع الفائدة.. الأسواق ترفع احتمالات الزيادة إلى 86%

أشعلت بيانات التضخم الأمريكي الصادرة عن شهر أغسطس رهانات الأسواق على رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة الأسبوع المقبل، بعدما ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي بوتيرة تجاوزت التوقعات، رغم استقرار التضخم السنوي العام عند 3.4%.

وارتفع مؤشر أسعار المستهلكين الأمريكي بنسبة 0.4% على أساس شهري خلال أغسطس، مقابل 0.1% في يوليو، وجاءت القراءة متوافقة مع توقعات الاقتصاديين.

وعلى أساس سنوي، استقر التضخم عند 3.4%، بما يتوافق مع تقديرات الأسواق ومستوى الشهر السابق، بينما كشفت تفاصيل البيانات عن استمرار ضغوط الأسعار في عدد من القطاعات.

التضخم الأساسي يفاجئ الأسواق

وسجل التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة الأكثر تقلبًا، زيادة بنسبة 0.3% على أساس شهري في أغسطس، مقابل 0.2% في يوليو وتوقعات عند المستوى نفسه.

وعلى أساس سنوي، تراجع التضخم الأساسي إلى 2.4% مقابل 2.5% في يوليو، بما يتوافق مع التوقعات.

لكن ارتفاع التضخم الأساسي شهريًا بوتيرة أقوى من المتوقع كان كافيًا لإعادة إشعال المخاوف بشأن استمرار ضغوط الأسعار، خاصة مع اقتراب اجتماع الاحتياطي الفيدرالي.

أسعار البنزين تقود موجة التضخم

وكانت أسعار البنزين أحد أبرز محركات ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين خلال أغسطس.

وقفزت أسعار البنزين بنسبة 3.9% على أساس شهري، لتسهم بأكثر من ثلث الزيادة الإجمالية في أسعار جميع السلع الاستهلاكية، وفق بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي.

كما ارتفع مؤشر أسعار الطاقة بنسبة 2.1% خلال الشهر.

وبحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية التي نقلتها رويترز، بلغ متوسط سعر البنزين في أغسطس نحو 4.192 دولار للجالون، مقارنة مع 4.064 دولار في يوليو.

الحرب الإيرانية تضغط على أسعار الطاقة

ارتبط جانب من ضغوط الطاقة بالتداعيات المستمرة للحرب الإيرانية، في ظل إغلاق مضيق هرمز أمام حركة ناقلات النفط.

ويمثل المضيق أحد أهم الممرات البحرية العالمية للطاقة، إذ كان يمر عبره قبل اندلاع القتال نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا.

كما أثارت التطورات العسكرية التي حققها الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن مخاوف إضافية بشأن حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن.

وفي هذا السياق، تجاوزت العقود الآجلة لخام برنت مستوى 100 دولار للبرميل خلال الأسبوع، للمرة الأولى منذ يوليو، رغم أن هذا الارتفاع سبق صدور بيانات التضخم لشهر أغسطس.

الذكاء الاصطناعي يضيف ضغوطًا جديدة على الأسعار

ولا تقتصر مصادر الضغوط التضخمية على الطاقة، إذ بدأت موجة الإنفاق الضخمة على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تؤثر في أسعار بعض السلع.

وشملت الضغوط رقائق الذاكرة وأجهزة تخزين البيانات وبعض الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية، في ظل الطلب المتزايد المرتبط بتوسعات مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وتضيف هذه التطورات عنصرًا جديدًا إلى معادلة التضخم، بعدما أصبح الإنفاق الاستثماري المرتبط بالذكاء الاصطناعي عاملًا مؤثرًا في الطلب على بعض السلع والمكونات التكنولوجية.

«التضخم الأساسي الفائق» يزداد سخونة

وزاد مؤشر آخر تراقبه الأسواق لقياس ضغوط الأسعار في الخدمات، وهو المؤشر الذي يستبعد الطاقة والإسكان، بنسبة 0.5% على أساس شهري خلال أغسطس.

وعلى أساس سنوي، ارتفع المؤشر بنحو 3%.

وتكتسب هذه القراءة أهمية لأنها تكشف ضغوط الأسعار في قطاع الخدمات بعيدًا عن التأثير المباشر لتحركات أسعار الطاقة والإسكان.

الأسواق ترفع احتمالات زيادة الفائدة

ودفعت بيانات التضخم الجديدة الأسواق إلى إعادة تسعير توقعاتها لمسار السياسة النقدية الأمريكية.

وأظهرت بيانات أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة بورصة شيكاغو أن احتمالات رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس خلال اجتماع سبتمبر ارتفعت إلى نحو 86%، مقابل حوالي 70% قبل صدور البيانات.

ويعني ذلك أن الأسواق باتت تمنح احتمال رفع الفائدة وزنًا أكبر، بعدما كانت تراهن على استمرار سياسة أكثر تيسيرًا خلال الفترة المقبلة.

وقال محللو الاقتصاد في بنك «سي آي بي سي» إن ارتفاع التضخم الأساسي بأكثر من المتوقع يؤكد احتمالات رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في الاجتماع المقبل.

لماذا يراقب الذهب هذه البيانات؟

وتضع إعادة تسعير الفائدة الذهب تحت ضغط إضافي، خاصة أن ارتفاع أسعار الفائدة والعوائد على السندات يزيد تكلفة الفرصة البديلة لحيازة المعدن الذي لا يدر عائدًا دوريًا.

كما أن ارتفاع العوائد قد يدعم الدولار، وهو ما يضيف ضغطًا آخر على الذهب المقوم بالعملة الأمريكية.

وتأتي هذه التطورات بعد فترة شهد خلالها الذهب مكاسب قوية، مدفوعة بمخاوف الديون الأمريكية وتقلبات سوق السندات وتراجع الدولار.

وبالتالي فإن استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة قد يدفع المستثمرين إلى تقليص الرهانات على استمرار موجة صعود الذهب، إذا انعكس ذلك في ارتفاع العوائد والدولار.

الفيدرالي أمام معادلة أكثر تعقيدًا

ويواجه رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش معادلة صعبة قبل اجتماع السياسة النقدية الأسبوع المقبل.

فمن ناحية، لا تزال بيانات التضخم أعلى من هدف البنك المركزي البالغ 2%، كما أن القراءة الشهرية للتضخم الأساسي جاءت أقوى من المتوقع.

ومن ناحية أخرى، توجد مؤشرات على تباطؤ بعض مكونات الاقتصاد وسوق العمل، ما قد يدفع بعض صناع السياسة إلى تفضيل الانتظار قبل تشديد السياسة النقدية مجددًا.

وكان محافظ الاحتياطي الفيدرالي كريستوفر والر قد أشار إلى استعداده للانتظار «اجتماعًا آخر» قبل رفع الفائدة، مؤكدًا أهمية التأكد من استمرار انخفاض التضخم.

كما قال رئيس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك جون ويليامز إن السياسة النقدية تبدو في وضع جيد، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام رفع الفائدة إذا استدعت البيانات ذلك.

وارش تحت ضغط التضخم وترامب

وتزداد حساسية قرار الفائدة في ظل الخلافات العلنية بشأن السياسة النقدية.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد دعا مرارًا إلى خفض أسعار الفائدة، في حين ركز وارش في تصريحاته الأخيرة على ضرورة التأكد من تحرك التضخم بصورة واضحة وسريعة نحو هدف البنك المركزي.

وقال وارش في خطاب سابق إن الاحتياطي الفيدرالي يحتاج إلى الثقة في أن التضخم الأساسي يتحرك نحو هدفه بالسرعة الكافية.

ويضع ذلك رئيس البنك المركزي أمام اختبار صعب، خصوصًا مع ارتفاع عوائد السندات الأمريكية واستمرار التضخم فوق المستهدف.

الأسواق لا تتوقع سيناريو سهلًا

وقال كريس زاكاريلي، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «نورثلايت» لإدارة الأصول، إنه من الصعب رؤية مبرر قوي لإبقاء أسعار الفائدة ثابتة، لكنه أكد في الوقت نفسه عدم وجود ضمان بأن يرفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة الأسبوع المقبل.

وأضاف أن وارش يواجه ضغوطًا متعارضة من ارتفاع عوائد السندات، وعدم ظهور علامات كافية على تراجع التضخم، إلى جانب الضغوط السياسية لخفض الفائدة.

المعركة الحقيقية ليست في رقم التضخم وحده

وتكشف بيانات أغسطس أن المعركة المقبلة للأسواق لن تدور فقط حول وصول التضخم السنوي إلى 3.4%، وإنما حول مدى استدامة ضغوط الأسعار الأساسية.

فارتفاع البنزين والطاقة قد يكون مرتبطًا بعوامل جيوسياسية يمكن أن تتغير، بينما يمثل استمرار ارتفاع أسعار الخدمات والمكونات الأساسية مؤشرًا أكثر أهمية بالنسبة لصناع السياسة النقدية.

كما أن تأثير الإنفاق المرتبط بالذكاء الاصطناعي قد يتحول إلى عامل تضخمي أطول أمدًا إذا استمر الطلب القوي على الرقائق ومكونات مراكز البيانات.

ومن هنا، يصبح اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع المقبل نقطة اختبار حقيقية للأسواق.

فإذا اختار البنك رفع الفائدة، فقد نشهد مزيدًا من الدعم للدولار والعوائد، مع ضغوط إضافية على الذهب والأصول عالية المخاطر.

أما إذا قرر الإبقاء على الفائدة، رغم ارتفاع التضخم الأساسي، فقد تتجه الأسواق إلى اختبار مدى استعداد البنك لتحمل مخاطر التضخم مقابل مخاطر تباطؤ الاقتصاد.

والأهم أن بيانات أغسطس رفعت تكلفة الرهان على خفض الفائدة، وأعادت التضخم إلى صدارة المشهد بعد أن كانت الأسواق قد بدأت تراهن على تحول نقدي أكثر تيسيرًا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى