الذهب يستعيد 4344 دولارًا بعد يومين من الهبوط.. النفط ينقذ المعدن من قبضة الفيدرالي

استعادت أسعار الذهب زخمها خلال تعاملات الأربعاء، منهية سلسلة خسائر استمرت جلستين، بعدما منح تراجع أسعار النفط المعدن النفيس دعمًا في مواجهة تصاعد توقعات تشديد السياسة النقدية الأمريكية.

وارتفع الذهب الفوري بنسبة 1.2% إلى 4344.14 دولارًا للأوقية، بينما صعدت العقود الآجلة للذهب بالنسبة نفسها إلى 4385.59 دولارًا، في وقت تترقب فيه الأسواق قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي وتصريحات رئيسه كيفن وارش بشأن مسار أسعار الفائدة.

وتأتي هذه التحركات بعدما تعرض الذهب لضغوط قوية خلال الجلستين السابقتين، مع ارتفاع رهانات المستثمرين على تشديد السياسة النقدية، مدفوعة بقوة بعض البيانات الاقتصادية الأمريكية وارتفاع التضخم.

الفيدرالي في قلب تحركات الذهب

تتجه الأنظار إلى اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، وسط توقعات برفع سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية بمقدار 25 نقطة أساس.

وفي حال تنفيذ الزيادة، ستكون الأولى منذ يوليو 2023، كما ستشكل تحولًا مهمًا في مسار السياسة النقدية الأمريكية بعد فترة من خفض الفائدة.

وعادة ما تشكل أسعار الفائدة المرتفعة ضغطًا على الذهب، باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا دوريًا، بينما يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة جاذبية أدوات الدخل الثابت.

كما يمكن أن يدعم التشديد النقدي الدولار، وهو ما يجعل الذهب المقوم بالعملة الأمريكية أكثر تكلفة بالنسبة للمشترين من حائزي العملات الأخرى.

التضخم يتجاوز مستهدف الفيدرالي

وتعززت توقعات التشديد النقدي بعدما أظهرت أحدث قراءة لمؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي ارتفاع التضخم بنسبة 3.7% على أساس سنوي.

ويظل هذا المستوى أعلى بكثير من مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%، بينما استمر المؤشر فوق مستوى 2% لمدة 65 شهرًا متتالية.

وتراقب الأسواق كذلك ملخص التوقعات الاقتصادية المحدث، بحثًا عن إشارات حول المسار المتوقع للفائدة خلال الفترة المقبلة.

سوق السندات يضاعف الضغط على الذهب

ولم تكن البيانات الاقتصادية العامل الوحيد وراء ارتفاع توقعات رفع الفائدة، إذ لعبت سوق السندات الأمريكية دورًا بارزًا في إعادة تسعير السياسة النقدية.

وشهدت سندات الخزانة، خاصة الآجال الطويلة، عمليات بيع متواصلة منذ اجتماع الفيدرالي في يوليو، ما دفع العوائد إلى مستويات مرتفعة.

ووصل عائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات، الثلاثاء، إلى أعلى مستوى له منذ أبريل 2007، بينما سجل عائد السندات لأجل 30 عامًا مستوى قياسيًا جديدًا لأكثر من 24 عامًا.

وتعني العوائد المرتفعة زيادة تكلفة الاقتراض على قطاعات واسعة من الاقتصاد، كما تعزز جاذبية الدولار والأصول ذات العائد مقارنة بالذهب.

مؤتمر كيفن وارش يترقب إشارات الفائدة

وتترقب أسواق المعادن النفيسة المؤتمر الصحفي لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش عقب قرار الفائدة.

ويريد المستثمرون معرفة ما إذا كان وارش سيقدم إشارات إضافية بشأن المسار المستقبلي لأسعار الفائدة، أم سيواصل تجنب تقديم توجيهات واضحة بشأن القرارات المقبلة.

وتكتسب تصريحات وارش أهمية خاصة بعدما بدا أكثر تشددًا في خطابه الأخير خلال مؤتمر جاكسون هول، بالتزامن مع ضغوط سياسية من الرئيس دونالد ترامب لخفض أسعار الفائدة.

وقال توم هوليك، الرئيس التنفيذي لشركة «ستراتيجي أسيت مانجرز»، إن رفع الفائدة أصبح مستوعبًا بدرجة كبيرة في الأسواق، مشيرًا إلى أن سوق السندات سبق أن أعاد تسعير توقعاته.

وأضاف أن ارتفاع عوائد سندات الخزانة وأسعار النفط ضغط على المستهلكين، معتبرًا أن التحرك المبكر للفيدرالي قد يكون مبررًا في ظل صعوبة رفع الفائدة لاحقًا.

النفط يتراجع ويدعم الذهب

وفي المقابل، تلقى الذهب دعمًا مباشرًا من توقف موجة ارتفاع أسعار النفط.

وتراجعت العقود الآجلة لخام برنت، المعيار العالمي، بنسبة 2.8% إلى 105.72 دولارًا للبرميل، بينما انخفض خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنسبة 3.1% إلى 102.55 دولارًا.

وجاء تراجع النفط مع انحسار بعض المخاوف بشأن اضطرابات الإمدادات، بعدما أفادت تقارير بأن السعودية توفر المزيد من شحنات الخام لمصافي التكرير الآسيوية عبر عمليات نقل مباشرة من سفينة إلى أخرى قبالة ميناء صحار العماني.

كما ساهمت بيانات معهد البترول الأمريكي التي أظهرت ارتفاعًا غير متوقع في مخزونات النفط الخام الأمريكية في تهدئة أسعار الخام.

مخاوف الإمدادات لا تزال قائمة

ورغم تراجع النفط، لا تزال اضطرابات الإمدادات تمثل أحد أهم عوامل المخاطرة في أسواق الطاقة.

وتعرض خط أنابيب النفط السعودي بين الشرق والغرب لأضرار جراء هجمات بطائرات مسيرة شنها الحوثيون المدعومون من إيران الأسبوع الماضي.

كما أفادت تقارير بأن السعودية تسعى إلى إعادة تشغيل خط الأنابيب بنصف طاقته خلال أيام.

وفي الوقت نفسه، أظهرت تقارير أخرى توقف الإنتاج في ثلاثة حقول نفطية في ليبيا، ما يبقي المخاطر الجيوسياسية حاضرة في حسابات أسواق الطاقة.

الذهب بين الفائدة والنفط

وتكشف حركة الذهب الأخيرة عن صراع واضح بين عاملين متناقضين.

فمن ناحية، يؤدي ارتفاع توقعات الفائدة والعوائد الأمريكية إلى الضغط على المعدن النفيس.

ومن ناحية أخرى، فإن تراجع النفط يخفف المخاوف المتعلقة بتجدد الضغوط التضخمية، كما يقلل من أحد العوامل التي كانت تدفع عوائد السندات إلى الارتفاع.

ولهذا أصبحت تحركات الذهب شديدة الحساسية تجاه بيانات التضخم وأسعار الطاقة وسوق السندات في الوقت نفسه.

ماذا ينتظر المستثمرون؟

ويبقى السؤال الرئيسي أمام سوق الذهب هو ما إذا كانت الزيادة الحالية تمثل ارتدادًا مؤقتًا بعد يومين من الخسائر، أم بداية استعادة للزخم الصعودي.

وسيكون قرار الفيدرالي وتصريحات كيفن وارش العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد الاتجاه قصير الأجل، إلى جانب حركة عوائد سندات الخزانة والدولار وأسعار النفط.

وفي المقابل، ستظل المخاطر الجيوسياسية واضطرابات إمدادات الطاقة عوامل قادرة على تغيير اتجاهات السوق بسرعة.

وبذلك يدخل الذهب مرحلة اختبار جديدة، بين تشديد نقدي أمريكي محتمل من جهة، وتراجع أسعار النفط والمخاطر الجيوسياسية من جهة أخرى، فيما تترقب الأسواق الإشارات التي سيبعثها الفيدرالي بشأن المرحلة المقبلة من السياسة النقدية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى