التجارة تنمو 4% والاقتصاد يتباطأ.. أونكتاد تكشف فجوة مكاسب الذكاء الاصطناعي

تتجه الاقتصادات العالمية إلى نمو أبطأ خلال 2026، رغم استمرار توسع التجارة الدولية وطفرة المنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، في وقت تتزايد فيه الفجوة بين الدول القادرة على اقتناص الاستثمارات عالية القيمة والاقتصادات النامية التي لا تزال تواجه عوائق أمام التصنيع وزيادة القيمة المضافة.

وتوقع مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد»، في تقرير التجارة والتنمية الصادر اليوم الجمعة، نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 2.6% خلال 2026، مقابل 2.9% في 2025، مع تباطؤ نمو الاقتصادات النامية إلى 4%، مقارنة بـ4.7% خلال العام الماضي.

وفي المقابل، يُتوقع أن تنمو تجارة السلع والخدمات بنحو 4% بالأسعار الثابتة، بعدما سجلت التجارة العالمية مستوى قياسيًا بلغ 35 تريليون دولار في 2025. لكن المنظمة حذرت من أن توسع التجارة، خصوصًا في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، لا يضمن توزيع المكاسب التنموية بالتساوي بين الدول والشركات والعاملين.

2.6% نموًا عالميًا في 2026.. والطاقة تزيد الضغوط

عزت أونكتاد تباطؤ النمو إلى مجموعة من الضغوط المتزامنة، أبرزها صدمة الطاقة المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط، وارتفاع تكاليف الاقتراض، وتقلب التدفقات الرأسمالية، إلى جانب تصاعد التوترات التجارية وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية.

وتنعكس هذه التطورات بصورة أشد على الاقتصادات النامية المستوردة للطاقة، التي تواجه في الوقت نفسه احتياجات تمويلية مرتفعة وصعوبات في الوصول إلى رأس المال والتكنولوجيا.

ورغم التوقعات الإيجابية نسبيًا للتجارة، أشارت المنظمة إلى أن ارتفاع القيمة الاسمية للتجارة خلال 2026 يتأثر أيضًا بزيادة الأسعار بفعل صدمة الطاقة، وهو ما يستدعي التمييز بين ارتفاع قيمة المبادلات التجارية وبين التوسع الفعلي في حجم النشاط الاقتصادي.

آسيا تقود 59% من النمو العالمي.. والهند في الصدارة

تظل آسيا المحرك الرئيسي للنمو العالمي خلال العام الجاري، إذ يُتوقع أن تسهم بنحو 59% من النمو الاقتصادي العالمي في 2026، مع استمرار الأداء القوي لعدد من اقتصادات المنطقة.

وتتوقع أونكتاد نمو الاقتصاد الهندي بنسبة 7.3%، والصيني بنسبة 4.5%، والإندونيسي بنسبة 5.2%. كما يُرجح نمو اقتصاد قيرغيزستان بنسبة 8.8%، وأوزبكستان بنسبة 7.9%، وفيتنام بنسبة 7.8%، ومنغوليا بنسبة 7%، وطاجيكستان بنسبة 6.6%.

لكن المنظمة أشارت إلى أن قدرة الدول النامية على اللحاق بمستويات الدخل في الاقتصادات المتقدمة تراجعت في معظم أنحاء العالم منذ منتصف العقد الماضي، رغم استمرار بعض الاقتصادات الآسيوية في تقليص هذه الفجوة.

وترتبط المشكلة، بحسب التقرير، بصعوبة تكرار نموذج التصنيع الذي دعم صعود اقتصادات آسيوية في مراحل سابقة، في ظل ارتفاع الحواجز التكنولوجية والتمويلية والتجارية أمام الدول التي تسعى لدخول الصناعات الاستراتيجية.

الذكاء الاصطناعي يقود التجارة.. لكن العائدات تتركز في أيدي قلة

أصبحت المنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، خصوصًا أشباه الموصلات ومعدات الحوسبة المتقدمة، من المحركات الرئيسية للتجارة العالمية، مع تمركز جزء كبير من التصنيع والاستثمارات المرتبطة بها في شرق آسيا والاقتصادات المتقدمة.

غير أن أونكتاد حذرت من أن نمو تجارة هذه المنتجات لا يعني تلقائيًا تحقيق مكاسب تنموية واسعة.

وفي دراسة لحالة خادم متقدم للذكاء الاصطناعي، وجد التقرير أن الأرباح بعد الضرائب تستحوذ على 68% من القيمة المضافة التي جرى تتبعها في سلسلة الإنتاج، مقابل أقل من 15% للعمال.

وتكشف هذه الأرقام عن تفاوت في توزيع القيمة الاقتصادية بين الأرباح والعمل، بما يعزز أهمية امتلاك الدول قدرات صناعية وتكنولوجية محلية بدلًا من الاكتفاء بأدوار محدودة في سلاسل الإمداد العالمية.

كما حذرت المنظمة من مخاطر على الاستقرار المالي نتيجة الطفرة الاستثمارية في الذكاء الاصطناعي، في ظل زيادة تعرض الأسواق لعدد محدود من الشركات.

الاقتصادات المتقدمة تستحوذ على 70% من استثمارات القطاعات الاستراتيجية

لم يقتصر تفاوت المكاسب على التكنولوجيا، بل ظهر أيضًا في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو الصناعات ذات القيمة المضافة المرتفعة.

واستحوذت الاقتصادات المتقدمة على نحو 70% من قيمة مشروعات الاستثمار الجديدة المعلنة في القطاعات الاستراتيجية مرتفعة القيمة خلال الفترة من 2020 إلى 2025، بما يشمل أشباه الموصلات وتقنيات تحول الطاقة والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

في المقابل، تركزت الحصة الأكبر من استثمارات الاقتصادات النامية في فئة المعادن الحرجة والمواد الاستراتيجية، التي استقطبت 60% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة الجديدة ضمن هذه الفئة.

وتعكس هذه الخريطة تفاوتًا في مواقع الدول داخل سلاسل القيمة العالمية؛ إذ تجتذب الاقتصادات المتقدمة الاستثمارات التي تتركز فيها مراحل التكنولوجيا والتصنيع المتقدم، بينما تعتمد دول نامية عديدة على توريد المواد الخام.

أفريقيا تستخرج معظم الكوبالت.. وتحصل على أقل من 1% من قيمة سلاسل الإمداد الخضراء

تظهر الفجوة بوضوح في قطاع المعادن المستخدمة في الصناعات الخضراء، إذ أشار التقرير إلى أن أفريقيا تستخرج معظم الإنتاج العالمي من الكوبالت، لكنها تحتفظ بأقل من 1% من القيمة في سلاسل الإمداد الخضراء.

وتعني هذه الفجوة أن امتلاك الموارد الطبيعية لا يكفي وحده لضمان تحقيق عوائد اقتصادية واسعة، ما لم يصاحبه توسع في التصنيع والمعالجة والأنشطة ذات القيمة المضافة الأعلى.

ودعت أونكتاد إلى ربط الاستثمارات الأجنبية بالموردين المحليين، وزيادة القيمة المضافة داخل الاقتصادات النامية، إلى جانب تنسيق السياسات الصناعية والمالية والتكنولوجية بما يعزز فرص دخول الشركات المحلية إلى سلاسل الإنتاج العالمية.

كما شددت على أهمية توسيع التعاون الإقليمي، وتطوير الأسواق المشتركة، وتقليل تكاليف التجارة، بما يساعد الاقتصادات النامية على بناء سلاسل قيمة أكثر تكاملًا بدلًا من الاعتماد على تصدير المواد الخام وحدها.

صدمة الطاقة ترفع برنت فوق 110 دولارات وتضغط على الدول النامية

أضاف الصراع في الشرق الأوسط ضغوطًا جديدة على الاقتصاد العالمي، بعدما ارتفع خام برنت من نحو 70 دولارًا إلى أكثر من 110 دولارات للبرميل خلال الأسابيع التالية لاندلاع الصراع، وفق التقرير.

وأدت زيادة تكاليف الطاقة إلى ارتفاع أعباء الاستيراد على الدول المعتمدة على الوقود الخارجي، كما زادت الضغوط على الأسر الأقل دخلًا وتكاليف الإنتاج والنقل.

وتتزامن هذه الصدمة مع ارتفاع تكاليف الاقتراض وتقلب تدفقات رؤوس الأموال، بما يحد من قدرة الاقتصادات النامية على تمويل الاستثمار والخدمات الأساسية.

وفي هذا السياق، أكدت أونكتاد أن تنويع مصادر الطاقة وتوسيع الاعتماد على المصادر المتجددة يمكن أن يقللا من التعرض لصدمات أسعار الوقود، خصوصًا أن الطاقة المتجددة أصبحت منذ 2024 أقل تكلفة من أرخص بديل جديد للوقود الأحفوري في أكثر من 90% من الحالات، وفق تقديرات التقرير.

المساعدات الإنمائية تتراجع 7%.. والتمويل يزداد صعوبة

حذرت أونكتاد من تراجع المساعدات الإنمائية الرسمية بنحو 7% خلال 2026، للعام الثالث على التوالي، ما يهدد مصدرًا مهمًا للتمويل في أقل البلدان نموًا والدول الجزرية الصغيرة النامية.

ويأتي هذا التراجع في وقت تتزايد فيه احتياجات الاقتصادات الأضعف إلى تمويل مشروعات البنية التحتية والطاقة والتعليم والرعاية الصحية، بينما ترتفع تكاليف الاقتراض وتزداد تقلبات التدفقات المالية الدولية.

وتشير هذه التطورات إلى أن تباطؤ النمو لا يمثل التحدي الوحيد أمام الدول النامية؛ إذ تواجه أيضًا صعوبة في تمويل التنمية وتعزيز قدراتها الإنتاجية في بيئة تجارية وتكنولوجية أكثر تنافسية.

أونكتاد تدعو إلى ربط الاستثمار بالتنمية المحلية

في ضوء هذه التحديات، دعت المنظمة إلى تنسيق السياسات الصناعية والتجارية والمالية والتكنولوجية، وربط الاستثمارات الأجنبية بتطوير الموردين المحليين، وزيادة القيمة المضافة داخل الاقتصادات المستقبلة.

كما شددت على أهمية تنويع الشراكات التجارية، وتعزيز التكامل الإقليمي، وتطوير مصادر الطاقة المحلية، بما يقلل الاعتماد على واردات الوقود ويحسن قدرة الاقتصادات على مواجهة الصدمات.

وتخلص قراءة أونكتاد إلى أن نمو التجارة وحده لا يكفي لتحقيق التقارب الاقتصادي؛ إذ يتوقف اتساع المكاسب التنموية على قدرة الدول على دخول الصناعات الأعلى قيمة، وجذب الاستثمارات المنتجة، وتحويل الموارد الطبيعية والتقدم التكنولوجي إلى وظائف وأرباح وقدرات محلية أكثر استدامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى