من عجز المعلمين إلى خريطة الجامعات.. أولويات التعليم على طاولة منتدى مصر 2026

تصدرت جودة التعليم وتأهيل المعلمين وإعادة النظر في التوزيع الجغرافي للجامعات مناقشات الخبراء والأكاديميين خلال ورشة تحضيرية لـ«منتدى مصر 2026»، وسط مطالب بربط البرامج الدراسية باحتياجات سوق العمل، وإعطاء المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي دورًا أكبر في تطوير المنظومة التعليمية.
وناقش مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، خلال الورشة الرابعة ضمن سلسلة اللقاءات التحضيرية التي عقدها الأحد 11 أكتوبر، مقترحات لتطوير التعليم قبل الجامعي والجامعي، وتحسين كفاءة الإنفاق والتمويل، وتعزيز العدالة في إتاحة الفرص التعليمية، إلى جانب استشراف مستقبل التعليم خلال الفترة من 2035 إلى 2040.
وتناولت المناقشات كذلك استقرار السياسات التعليمية وضرورة قياس نتائجها، وتطوير التعليم الفني، وتوسيع المشاركة المجتمعية، بما يساعد على تحديد أولويات الإصلاح خلال المرحلة المقبلة.
خريطة الجامعات تحت النقاش.. وربط البرامج بوظائف المستقبل
برز التوزيع الجغرافي للجامعات ضمن الملفات التي طرحها الخبراء، في ظل الدعوة إلى مراجعة انتشار المؤسسات الجامعية بين المحافظات، خصوصًا محافظات الصعيد، بما يسهم في تحقيق توازن أكبر في فرص الالتحاق بالتعليم العالي.
وأكد الدكتور محمد الشناوي، رئيس جامعة الجلالة، أهمية مراجعة البرامج الدراسية وربطها باحتياجات سوق العمل على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، إلى جانب توسيع توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في العمل الجامعي.
وأشار إلى أهمية تعزيز دور الجامعات في خدمة المجتمع والمساهمة في التنمية، مع تنويع مواردها المالية وتعظيم الاستفادة من إمكاناتها.
كما طرح الدكتور سعيد الصباغ، رئيس المركز الإقليمي للدراسات والتدريب، أهمية إعداد خريطة وطنية للتخصصات البحثية ذات الأولوية، بما يربط مخرجات البحث العلمي باحتياجات المجتمع وأهداف التنمية.
وتتقاطع هذه المقترحات مع تحدٍ رئيسي أمام التعليم العالي، يتمثل في مواءمة التخصصات والمهارات التي يكتسبها الطلاب مع المتطلبات المتغيرة للوظائف، في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة.
المعلم أولًا.. بين سد العجز والتدريب المستمر
احتل تأهيل المعلمين ورفع كفاءتهم المهنية جانبًا مهمًا من مناقشات الورشة، إلى جانب الجهود المرتبطة بمعالجة العجز في أعداد المعلمين وتقليل الكثافات الطلابية داخل الفصول.
واستعرض الدكتور أكرم حسن، مساعد وزير التربية والتعليم للمبادرات الرئاسية وتطوير المناهج، أبرز التطورات التي شهدها قطاع التعليم خلال السنوات الماضية، والإجراءات المتخذة للتعامل مع جانب من العجز في المعلمين وتحسين مخرجات العملية التعليمية.
كما تناول الأستاذ يوسف الديب، وكيل وزارة التربية والتعليم بمحافظة البحيرة، التحديات التنفيذية التي تواجه المنظومة، مشيرًا إلى الجهود المتعلقة بتوفير المعلمين وتقليل كثافة الفصول، وأهمية التعاون المجتمعي في دعم تطوير التعليم.
من جانبه، أكد الدكتور أحمد عبد الغني، رئيس الإدارة المركزية للوافدين بوزارة التعليم العالي، أن التدريب المستمر وتنمية المهارات الرقمية والتربوية للمعلمين يمثلان عنصرين أساسيين لمواكبة التغيرات في أساليب التدريس والتكنولوجيا التعليمية.
وتشير هذه المقترحات إلى أن تطوير المناهج وحده لا يكفي لتحسين التعلم، ما لم يصاحبه الاستثمار في قدرات المعلمين وتوفير بيئة تساعدهم على تطبيق أساليب التدريس الحديثة.
استقرار السياسة التعليمية.. ومطالب بقياس نتائج الإصلاح
لم تقتصر المناقشات على تطوير المناهج أو توفير الموارد البشرية، بل امتدت إلى آليات وضع السياسات التعليمية وتنفيذها وتقييمها.
وشدد الدكتور محمد المغربي، بمعهد التخطيط القومي، على أهمية استقرار السياسة التعليمية ووضوح توجهاتها للسنوات المقبلة، بما يضمن استمرارية التطوير، ودعا إلى تعزيز اللامركزية في إدارة المؤسسات التعليمية وتوسيع دور الأنشطة المدرسية.
وأكدت الدكتورة هبة صالح، بمعهد التخطيط القومي، أن التعليم قضية مجتمعية تتطلب مشاركة أوسع في مراحل التخطيط للسياسات، مع الإعلان عن أهدافها وتوجهاتها بصورة واضحة، والاهتمام بقياس أثرها بعد التطبيق.
ويعني هذا الطرح أن تقييم الإصلاح ينبغي ألا يتوقف عند القرارات أو حجم الإنفاق، بل يمتد إلى معرفة مدى انعكاس السياسات على جودة التعلم والمهارات المكتسبة ونتائج الطلاب.
الذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية يفرضان تحديثًا للتعليم
وضعت الورشة التحولات التكنولوجية ضمن الملفات التي ينبغي أن تستوعبها الخطط التعليمية المقبلة، في ظل اتساع استخدامات الذكاء الاصطناعي وتغير المهارات المطلوبة في سوق العمل.
وأكد الدكتور أحمد عبد الغني أهمية تحديث أساليب التدريس وتطوير قدرات المعلمين الرقمية، مع الاستفادة من التجارب الدولية التي يمكن تكييفها مع احتياجات التعليم المصري.
وفي هذا السياق، استعرض الدكتور محمد عطية، وكيل وزارة التربية والتعليم للمناهج، بعض ملامح نظام التعليم الياباني، ولا سيما أنشطة «التوكاتسو» التي تستهدف تنمية المهارات الحياتية والاجتماعية، وتعزيز التعاون والانضباط والمسؤولية لدى الطلاب.
وتفتح هذه المناقشات المجال أمام تطوير مفهوم جودة التعليم، بحيث لا يقتصر على تحصيل المعلومات والمناهج، بل يشمل أيضًا تنمية المهارات الشخصية والرقمية والاستعداد للتغيرات المهنية والتكنولوجية.
الأنشطة المدرسية والهوية الوطنية ضمن أولويات التطوير
تناولت الورشة كذلك الجوانب الثقافية والاجتماعية للعملية التعليمية، باعتبارها عناصر مؤثرة في بناء شخصية الطلاب.
وأكد الدكتور محمد ناصف، رئيس المركز القومي لثقافة الطفل، أهمية تعزيز الأنشطة الثقافية والرياضية داخل المدارس، وتوسيع التعاون بين وزارات التربية والتعليم والثقافة والشباب والرياضة لتوفير فرص منتظمة لممارستها.
كما شدد الدكتور محمد علي إبراهيم، المستشار الاقتصادي لرئيس المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، على أهمية ترسيخ الهوية الوطنية لدى الطلاب، وتأهيل المعلمين بصورة مستمرة، إلى جانب مواجهة ظاهرة الدروس الخصوصية وتطوير البنية التحتية والتكنولوجية والمعلوماتية بالمدارس.
وتعكس هذه المقترحات اتجاهًا نحو التعامل مع المدرسة بوصفها بيئة متكاملة للتعلم وتنمية المهارات وبناء الشخصية، وليس مجرد مكان لتقديم المقررات الدراسية.
التعليم الفني والجامعي في خدمة الاقتصاد
امتدت المناقشات إلى دور التعليم الفني والعالي في دعم الإنتاجية والتنافسية، من خلال تطوير المسارات التعليمية وربطها باحتياجات القطاعات الاقتصادية.
وشدد المشاركون على أهمية تنمية مهارات الطلاب، وتأهيل الكوادر التعليمية والإدارية، وتحديد التخصصات البحثية ذات الأولوية، بما يساعد على زيادة ارتباط المؤسسات التعليمية باحتياجات المجتمع وأهداف التنمية.
كما تضمنت المقترحات تعزيز التمويل المستدام للتعليم، وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة، وتوسيع فرص الوصول إلى تعليم جيد، بما يقلل الفجوات بين المحافظات والفئات المختلفة.
منتدى مصر 2026.. مقترحات لتحديد أولويات المرحلة المقبلة
تأتي الورشة ضمن سلسلة من اللقاءات التحضيرية التي تستهدف جمع رؤى الخبراء والمتخصصين ومناقشة القضايا التي تمس أولويات التنمية في مصر، تمهيدًا لطرحها ضمن أعمال «منتدى مصر 2026».
وتكشف المناقشات الخاصة بالتعليم عن مجموعة مترابطة من الملفات، تبدأ من المعلم وجودة التعلم، وتمتد إلى استقرار السياسات والتوزيع الجغرافي للجامعات ومواءمة التخصصات مع سوق العمل، وصولًا إلى المهارات الرقمية والبحث العلمي والتمويل.
وتظل المقترحات المطروحة مدخلات للنقاش حول اتجاهات التطوير المقبلة، فيما يتوقف تحويلها إلى سياسات قابلة للتطبيق على تحديد الأولويات وآليات التنفيذ وقياس النتائج، بما يعزز قدرة المنظومة التعليمية على الاستجابة لاحتياجات المجتمع والاقتصاد.










