الأسواق لا تنام.. البنوك تعيد بناء أنظمة الحفظ والسيولة لتسوية تعمل 24 ساعة

لم تعد سرعة تنفيذ الصفقات وحدها كافية للمنافسة في الأسواق المالية؛ فمع تقلص دورات التسوية وتوسع تداول الأصول الرقمية، تواجه البنوك تحديًا أكبر يتمثل في توفير السيولة والمدفوعات وخدمات حفظ الأصول على مدار الساعة، بدلًا من الاعتماد على أنظمة تقليدية تعمل ضمن مواعيد مصرفية محددة.

ويكشف هذا التحول عن فجوة بين أسواق تتحرك بصورة متواصلة وبنية مصرفية لا تزال بعض عملياتها تعتمد على المطابقة والمعالجة الدورية للمعاملات. ونتيجة لذلك، تتجه مؤسسات مالية كبرى إلى تطوير أنظمتها التشغيلية، وربط خدمات الحفظ بالمدفوعات الفورية وتقنيات ترميز الأصول والعقود الذكية.

وبحسب تقرير نشرته مجلة «غلوبال فاينانس» في عدد أكتوبر، لم يعد تحديث خدمات الحفظ مجرد مسألة تقنية، بل أصبح جزءًا من استراتيجية البنوك لإدارة السيولة وتقليل تعثر التسوية وتقديم خدمات مالية أكثر مرونة في اقتصاد رقمي يعمل باستمرار.

التسوية الأسرع تضع السيولة المصرفية تحت ضغط جديد

يفرض تقلص الفترة بين تنفيذ الصفقة وتسويتها تحديات مباشرة على إدارات الخزانة والوسطاء الماليين؛ إذ لم تعد المطابقة التي تستغرق أيامًا مناسبة للتعامل مع احتياجات التمويل المتسارعة.

ويزيد التمويل المسبق للصفقات أهمية إدارة السيولة في الوقت الفعلي، لأن تأخر توفير الأموال أو عدم تطابق التحويلات قد يؤدي إلى فشل التسوية أو ارتفاع تكلفة الاحتفاظ بالسيولة اللازمة لتنفيذ المعاملات.

وفي هذا السياق، يرى ليم سون تشونغ، رئيس خدمات المعاملات العالمية في بنك دي بي إس، أن القطاع المالي يقف عند نقطة تحول تدفع الوسطاء إلى إعادة تقييم استراتيجياتهم التشغيلية لمواكبة اقتصاد رقمي يعتمد على تلبية الاحتياجات بصورة فورية.

DBS يربط إدارة الخزانة بالمدفوعات الرقمية

يتجه بنك دي بي إس DBS إلى معالجة هذه التحديات من خلال حلول تعتمد على ترميز الأصول وتقنية البلوك تشين، بما يتيح إدارة السيولة متعددة العملات وتسريع التحويلات بين الحسابات والجهات المختلفة.

وتشمل هذه البنية خدمات رموز الخزانة والمدفوعات المشروطة، التي تستفيد من العقود الذكية لتنفيذ التحويلات وفق ضوابط محددة مسبقًا، إلى جانب التكامل مع أنظمة المدفوعات المصرفية.

ويتيح هذا النموذج نقل القيمة بصورة أسرع، مع إمكانية تحسين الرؤية المتاحة لإدارات الخزانة بشأن الأموال المتاحة وتوقيت استخدامها. كما يسعى إلى تقليل الاعتماد على نوافذ العمل المصرفية التقليدية، خصوصًا عند إدارة السيولة بين الأسواق المختلفة.

وبذلك، لا يقتصر دور البلوك تشين على تسجيل المعاملات، بل يمتد إلى إعادة تنظيم كيفية تحرك الأموال وتنفيذ المدفوعات داخل المؤسسات.

سيتي يعيد تصميم الحفظ عبر منصة Custody+

يتخذ سيتي غروب مسارًا مماثلًا من خلال منصة Custody+، التي تستهدف تطوير خدمات حفظ الأصول بما يتناسب مع الأسواق التي تحتاج إلى معالجة أكثر استمرارية.

ويقول أميت أغاروال، رئيس خدمات الحفظ في سيتي، إن تشغيل الأسواق بصورة سلسة وعلى مدار الساعة يتطلب تسوية النقد والأوراق المالية في الوقت الفعلي، مدعومة ببنية تحتية قادرة على العمل باستمرار.

وتعتمد المنصة على تقنية Single Event Processing (SEP)، أو معالجة الأحداث الفردية، لتحديث آليات تنفيذ العمليات المرتبطة بالأصول، بما في ذلك أحداث الدخل والإجراءات المؤسسية والمعالجة الضريبية.

ويساعد تقليص الفترات اللازمة لمعالجة هذه العمليات على إتاحة الأموال للعملاء بصورة أسرع، بدلًا من بقائها مرتبطة بدورات المعالجة التقليدية.

كما يرى كريس كوكس، رئيس خدمات المستثمرين في سيتي، أن العملاء يتجهون إلى تحديث أنظمتهم القديمة لتبسيط العمليات واحتواء التكاليف وتحسين النتائج. ويعكس هذا التوجه انتقال خدمات الحفظ من وظيفة تركز على حفظ الأصول بعد التداول إلى منظومة ترتبط بصورة أكبر بإدارة الاستثمارات والعمليات المالية.

البنوك العالمية توسع استخدام الأصول المرمّزة

لا يقتصر التحول على DBS وسيتي، إذ تعمل مؤسسات أخرى على دمج الأصول التقليدية والرقمية ضمن بنية تشغيلية أكثر ترابطًا.

ويطور بنك نيويورك ميلون BNY قدراته في حفظ الأصول الرقمية وربطها بخدماته التقليدية، بما يدعم حركة الأصول والضمانات مع مراعاة متطلبات الامتثال.

أما JPMorgan فيستفيد من منصة Kinexys لتطوير المدفوعات وتسوية المعاملات باستخدام تقنيات البلوك تشين، بما يساعد المؤسسات على نقل الأموال وإدارة السيولة في أوقات لا تغطيها بالضرورة ساعات العمل المصرفية المعتادة.

وفي الاتجاه نفسه، تعمل State Street على ربط حلول الأصول الرقمية بأنظمة المحاسبة والعمليات التقليدية، بينما تقدم مؤسسات متخصصة مثل Sygnum وAMINA حلولًا لحفظ الأصول الرقمية وتسوية المعاملات بين العملات باستخدام تقنيات العقود الذكية.

وتشير هذه التطورات إلى أن المنافسة لا تدور حول سرعة تنفيذ المعاملة فقط، بل تشمل قدرة البنك على ربط التداول والتسوية والحفظ وإدارة السيولة في منظومة واحدة.

شركات الاستثمار تدفع نحو التسوية المستمرة

يسهم جانب إدارة الأصول والاستثمار أيضًا في تسريع هذا التحول، من خلال منتجات مالية تستخدم تقنية البلوك تشين في تسجيل الملكية وتسهيل نقل الوحدات الاستثمارية.

ويعد صندوق Franklin OnChain U.S. Government Money Fund التابع لفرانكلين تمبلتون مثالًا على استخدام سجل قائم على البلوك تشين لمعالجة المعاملات وتسجيل ملكية حصص صندوق استثماري تقليدي.

كما يعكس صندوق BUIDL المرتبط ببلاك روك توجهًا نحو ترميز حصص استثمارية قائمة على أصول تقليدية، بما يتيح دمجها في تطبيقات رقمية وخدمات مالية أخرى وفق الشروط المنظمة لكل منتج.

وتعمل مؤسسات أخرى، بينها فيديليتي للأصول الرقمية ويو بي إس لإدارة الأصول، على تطوير قدراتها الرقمية وتجربة نماذج جديدة لإدارة الأصول والصناديق.

ولا تعني هذه التطبيقات أن جميع المنتجات أصبحت قابلة للتداول والتسوية دون توقف؛ لكنها توضح كيف توسع المؤسسات استخدام السجلات الرقمية لرفع كفاءة المعالجة وإتاحة نقل الملكية بصورة أكثر مرونة.

ثلاثة عناصر تحدد كفاءة الحفظ الرقمي

ترتكز البنية الجديدة لخدمات الحفظ على ثلاثة عناصر مترابطة.

أولًا: السيولة القابلة للبرمجة. تتيح الأصول النقدية المرمّزة نقل القيمة وتنفيذ المدفوعات بسرعة أكبر، مع إمكانية تحديد شروط استخدام الأموال وفق احتياجات المؤسسة.

ثانيًا: أتمتة العمليات. تساعد العقود الذكية على تنفيذ بعض الإجراءات المرتبطة بالمدفوعات والأصول وفق قواعد محددة مسبقًا، بما يقلل التدخل اليدوي ويحد من تأخر المعالجة.

ثالثًا: الأمن التشغيلي. يتطلب حفظ الأصول الرقمية حماية المفاتيح المشفرة وتأمين المحافظ الإلكترونية ووضع آليات للاستعادة والتعافي من الأعطال، إلى جانب أدوات تتيح التحقق من المعاملات ومراقبتها.

وتكتسب هذه العناصر أهمية خاصة عند التعامل مع معاملات مرتفعة القيمة؛ فالتسوية الأسرع لا تحقق مكاسب مستدامة إذا كانت على حساب أمن الأموال أو موثوقية الأنظمة.

العمل على مدار الساعة يرفع متطلبات الأمن والامتثال

مع انتقال المؤسسات المالية إلى عمليات أكثر استمرارية، تتوسع أيضًا مسؤولياتها في إدارة المخاطر التقنية والتنظيمية.

فحفظ الأصول الرقمية يفرض ضوابط إضافية تتعلق بأمن المفاتيح، وإدارة الصلاحيات، ومراقبة المعاملات، واستعادة البيانات والأصول عند حدوث خلل، إلى جانب متطلبات مكافحة غسل الأموال وحماية العملاء.

كما أن تطور الأطر التنظيمية للأصول المشفرة والعملات المستقرة يضيف التزامات تتعلق بالحوكمة والموارد المالية والرقابة على العمليات. ويجعل ذلك الامتثال جزءًا من تصميم البنية التشغيلية نفسها، بدلًا من التعامل معه باعتباره مراجعة منفصلة تأتي بعد تنفيذ المعاملات.

وفي هذا الإطار، يشدد أنتوني يونغ، كبير المسؤولين التجاريين في CoinCover، على أهمية الجمع بين التطور التقني والضمانات الأمنية على مستوى المؤسسات، معتبرًا أن مرونة النظام وسلامة عملياته من العناصر الأساسية لبناء الثقة.

الحفظ يتحول من وظيفة تقليدية إلى ميزة تنافسية

يضع التحول نحو التسوية المستمرة البنوك أمام اختبار يتجاوز شراء التكنولوجيا أو إطلاق منصة رقمية جديدة. فالمنافسة ستعتمد على مدى قدرتها على دمج النقد والأوراق المالية والأصول المرمّزة في أنظمة مترابطة، مع المحافظة على سيولة كافية وعمليات آمنة وقابلة للتدقيق.

وفي حين تمنح التسوية الأسرع المؤسسات فرصًا لتقليل التأخير وتحسين إدارة الأموال، فإنها تتطلب استثمارات في البنية التحتية والتكامل التقني وإدارة المخاطر.

وبذلك، يتجه مستقبل خدمات الحفظ إلى نموذج تصبح فيه السرعة واستمرارية التشغيل والسيولة الفورية والأمان عناصر متكاملة في الخدمة المصرفية، بدلًا من اقتصار دور البنك على حفظ الأصول وانتظار اكتمال دورة المعالجة التقليدية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى