صندوق النقد يحذر: الاقتصاد العالمي ينمو 3.1%.. لكن قدرته على الصمود تتراجع

رغم توقعات نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3.1% خلال 2026، يحذر صندوق النقد الدولي من أن قدرة الاقتصادات على امتصاص الصدمات المتتالية تقترب من حدودها، مع تزامن اضطرابات الطاقة والحرب في الشرق الأوسط ومخاطر المناخ وارتفاع أعباء الديون، في وقت لا تزال فيه مكاسب طفرة الذكاء الاصطناعي موزعة بصورة غير متكافئة بين الدول.

وتتصدر هذه التحديات مناقشات الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي، المنعقدة في بانكوك خلال الفترة من 12 إلى 18 أكتوبر، بمشاركة مسؤولين ماليين ومحافظي بنوك مركزية وممثلين عن القطاع الخاص والمؤسسات الدولية.

وتكشف المناقشات عن معضلة تتجاوز الحفاظ على معدلات النمو؛ إذ باتت قدرة الدول على تمويل التعافي والاستعداد للأزمات المقبلة عاملًا أساسيًا في تحديد ما إذا كانت ستتمكن من مواجهة الصدمات الجديدة من دون التضحية بالاستثمار والخدمات العامة وفرص العمل.

نمو 3.1% يخفي فجوة متزايدة بين الاقتصادات

رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي خلال 2026 إلى 3.1%، مقارنة بتقديره السابق البالغ 3%، مع توقع تسارع النمو إلى 3.4% في 2027.

لكن تحسن التوقعات الإجمالية لا يعني أن جميع الاقتصادات تسير بالوتيرة نفسها. فالدول المستفيدة من طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، أو التي تتمتع بشروط تجارية مواتية، تجد فرصًا أكبر للحفاظ على النمو، بينما تواجه الدول المستوردة للطاقة والاقتصادات منخفضة الدخل ضغوطًا أشد مع ارتفاع تكاليف الوقود والتمويل.

وتزيد التوترات الجيوسياسية من تعقيد المشهد، إذ قد يؤدي استمرار اضطرابات إمدادات الطاقة وارتفاع أسعارها إلى إبطاء النمو ورفع التضخم، خصوصًا في الدول التي تعتمد على استيراد الوقود ولا تمتلك موارد مالية كافية لامتصاص ارتفاع تكاليفه.

صندوق النقد: قدرة الاقتصادات على امتصاص الصدمات ليست بلا حدود

تتمكن الاقتصادات حتى الآن من احتواء جانب من الاضطرابات عبر إعادة توجيه الإمدادات، والاستفادة من المخزونات المتاحة، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، والبحث عن بدائل للمصادر المتضررة.

لكن هذه الإجراءات لا توفر حماية دائمة. فالمخزونات يمكن أن تنفد، ورفع الكفاءة له حدود، كما أن تعويض نقص الإمدادات يصبح أكثر صعوبة عندما تتعرض الأسواق لصدمات متكررة قبل اكتمال التعافي من الصدمات السابقة.

وتكتسب هذه المخاطر أهمية إضافية في ظل تراجع القدرة المالية لبعض الحكومات على تقديم الدعم أو تمويل مشروعات جديدة، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الاقتراض.

وهكذا، لا يرتبط التحدي الاقتصادي المقبل بحجم الصدمة وحده، بل بمدى امتلاك الدول والشركات الموارد والبدائل التي تمكنها من تجاوزها.

500 مليار دولار إضافية تضغط على الدول النامية

برزت أزمة الديون خلال اجتماعات مجموعة الأربع والعشرين المعنية بالشؤون النقدية الدولية والتنمية، التي تضم اقتصادات نامية وناشئة، إذ حذر رئيس المجموعة ووزير المالية النيجيري تايوو أوييديلي من أن ارتفاع أعباء الدين وتكاليف خدمته أصبحا عقبة رئيسية أمام النمو الشامل.

وأشار أوييديلي إلى تقديرات تفيد بأن الدول النامية تتحمل نحو 500 مليار دولار إضافية في تكاليف الدين مقارنة بالاقتصادات المتقدمة، في ظل ارتفاع تكلفة الاقتراض واتساع الضغوط على الموازنات العامة.

وتعني هذه الأعباء أن جزءًا أكبر من الموارد الحكومية يذهب إلى خدمة الدين بدلًا من تمويل البنية التحتية والصحة والتعليم والتكيف مع تغير المناخ، وهو ما يحد من قدرة الدول على بناء احتياطيات مالية لمواجهة الأزمات المقبلة.

من جانبها، حذرت إيابو ماشا، مديرة أمانة مجموعة الأربع والعشرين، من أن ارتفاع أعباء الدين يحد من قدرة الحكومات على الاستثمار في اقتصاداتها، ويقلص الموارد المتاحة لدعم النمو وتوسيع الخدمات العامة.

التمويل المناخي يواجه معضلة التكلفة والديون

أعادت الفيضانات التي شهدتها تايلاند قبل الاجتماعات تسليط الضوء على التكلفة الاقتصادية للكوارث المناخية، بعدما اضطرت السلطات إلى تكثيف أعمال التنظيف والاستعداد لاستقبال الوفود المشاركة.

لكن القضية الأوسع تتعلق بقدرة الدول على تمويل الاستعداد للكوارث قبل وقوعها، بدلًا من الاعتماد على الإنفاق الطارئ بعد حدوث الأضرار.

وتحتاج الاقتصادات النامية إلى استثمارات في البنية التحتية المقاومة للمخاطر المناخية، وأنظمة الإنذار المبكر وإدارة المياه والطاقة، في وقت تواجه فيه كثير من الحكومات ارتفاعًا في أعباء الدين وتكاليف التمويل.

وطالب أوييديلي بتحويل الالتزامات المناخية إلى تمويل فعلي، مشيرًا إلى أن الوعود وحدها لا تكفي إذا لم تتوافر الموارد اللازمة لتنفيذ مشروعات التكيف والحماية.

وتبرز هنا إحدى أبرز المفارقات التي تناقشها الاجتماعات: الدول الأكثر احتياجًا إلى بناء قدرتها على مواجهة الصدمات المناخية قد تكون الأقل قدرة على تحمل تكاليف الاستثمار المطلوب.

الذكاء الاصطناعي يدعم النمو.. لكن الوظائف ليست مضمونة

يمثل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي أحد العوامل التي تدعم النشاط الاقتصادي العالمي، لكنه يضيف في الوقت نفسه مصدرًا جديدًا لعدم اليقين، سواء بسبب تركز الاستثمارات والمكاسب في عدد محدود من الاقتصادات أو بسبب تأثير التكنولوجيا في سوق العمل.

وحذر أوييديلي من أن الدول ذات التركيبة السكانية الشابة قد تواجه نموًا اقتصاديًا لا يصاحبه توسع كافٍ في فرص العمل، إذا لم تواكب السياسات الاقتصادية تطورات التكنولوجيا ومتطلبات سوق العمل.

ولا يتوقف التحدي عند جذب استثمارات الذكاء الاصطناعي، بل يشمل توفير البنية التحتية الرقمية والطاقة والمهارات اللازمة للاستفادة منها، حتى لا تتحول الفجوة التكنولوجية إلى فجوة أوسع في الإنتاجية والدخل وفرص التوظيف.

ومن ثم، فإن نجاح الدول في الاستفادة من الذكاء الاصطناعي سيعتمد على قدرتها على تحويل الاستثمار التكنولوجي إلى إنتاجية أعلى وفرص عمل ونمو أكثر شمولًا، بدلًا من الاكتفاء بزيادة الإنفاق على البنية التحتية الرقمية.

من النمو إلى المرونة الاقتصادية.. الاختبار الحقيقي للدول

تجمع مناقشات صندوق النقد والبنك الدولي بين ثلاثة تحديات مترابطة: استمرار النمو وسط المخاطر الجيوسياسية وتقلبات الطاقة، وتوفير التمويل اللازم للدول المثقلة بالديون، وضمان أن تحقق التحولات التكنولوجية والمناخية مكاسب أوسع للاقتصادات والمجتمعات.

وفي هذا السياق، لم تعد المرونة الاقتصادية تعني القدرة على الحفاظ على النمو فقط، بل امتلاك موارد مالية وبدائل في الإمدادات ومؤسسات قادرة على الاستجابة السريعة للأزمات، مع حماية الاستثمار طويل الأجل وفرص العمل.

ويظل الاختبار الأصعب أمام الاقتصادات النامية هو بناء هذه القدرة في ظل ارتفاع تكاليف الاقتراض وضيق الحيز المالي، بينما تحتاج إلى موارد أكبر للاستثمار في البنية التحتية والخدمات الأساسية والتكيف المناخي.

وبذلك، فإن نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3.1% في 2026 يوفر صورة إجمالية إيجابية نسبيًا، لكنه لا يلغي التفاوت في قدرة الدول على تحمل الصدمات؛ فالفارق بين الاقتصادات لن يتحدد بمعدلات النمو وحدها، بل أيضًا بقدرتها على تمويل التعافي والاستعداد للاضطراب التالي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى