صندوق النقد يحذر الدول النامية: أصلحوا الضرائب وابنوا احتياطياتكم قبل الأزمة المقبلة

دعا صندوق النقد الدولي الدول النامية إلى الإسراع بإصلاح أنظمتها الضريبية وتعزيز كفاءة الإنفاق العام وبناء احتياطيات مالية قادرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية، محذرًا من أن ارتفاع الديون وتراجع المساعدات الخارجية يقلصان قدرة الحكومات على التعامل مع الأزمات المفاجئة.
وجاءت الدعوة خلال فعالية بعنوان «بناء المرونة المالية في عالم معرض للصدمات»، عُقدت على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي في بانكوك، بمشاركة مسؤولين ماليين من اليابان ونيبال وزامبيا، لمناقشة سبل تعزيز الإيرادات المحلية وتطوير المؤسسات العامة وتحسين إدارة المالية الحكومية.
وأكد المشاركون أن الاستعداد المبكر للأزمات يتطلب أنظمة ضريبية أكثر كفاءة، وإنفاقًا عامًا يحقق عائدًا اقتصاديًا واجتماعيًا أكبر، إلى جانب بناء قدرات مؤسسية محلية تضمن استمرارية الإصلاحات بعد انتهاء برامج الدعم والمساعدات الدولية.
وقال رودريغو فالديس، مدير إدارة الشؤون المالية بصندوق النقد الدولي، إن فقدان المرونة المالية يفرض تكاليف طويلة الأجل، مشددًا على أهمية التحرك المبكر، لا سيما في الدول التي تعاني انخفاض الإيرادات الضريبية أو ارتفاع تعرضها للصدمات الاقتصادية.
وأشار إلى أن تقرير المراقبة المالية الأخير للصندوق يتناول سبل إعادة تصميم الأنظمة الضريبية لدعم النمو الاقتصادي، بدلًا من الاعتماد على خفض الإنفاق باعتباره أداة رئيسية لمعالجة الضغوط المالية.
من جانبها، أكدت كاتريونا بورفيلد، مديرة معهد تنمية القدرات التابع للصندوق، أهمية التحرك المبكر لبناء قدرة الحكومات على مواجهة الأزمات، في وقت تتزايد فيه القيود المالية على الدول النامية.
نيبال تعزز الإيرادات بإلغاء الإعفاءات الضريبية
واستعرض وزير المالية النيبالي سوارنيم واغل تجربة بلاده في تعزيز الإيرادات المحلية، مشيرًا إلى أن التحصيل اليومي للإيرادات يقترب من المستهدف، مع نمو يتراوح بين 18% و20% على أساس سنوي، رغم الكوارث الطبيعية والصدمات التجارية واضطرابات سلاسل الإمداد.
وأوضح أن نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي في نيبال تجاوزت 20%، لكنه حذر من استمرار الاعتماد الكبير على الضرائب المرتبطة بالتجارة، بما يجعل الإيرادات عرضة للتقلبات الخارجية.
وأضاف أن الإصلاحات شملت تعزيز المؤسسات وتطوير السياسات الضريبية بدعم فني من صندوق النقد الدولي واليابان، إلى جانب إلغاء إعفاءات ضريبية مُنحت لأسباب سياسية.
وأشار إلى أن تقارير الإنفاق الضريبي قدرت تكلفة الإعفاءات والثغرات التي استهدفتها الإصلاحات بنحو 2.7% من الناتج المحلي الإجمالي، بما يبرز حجم الموارد التي يمكن استعادتها من خلال تحسين تصميم النظام الضريبي.
وأكد واغل أن نجاح الإصلاحات يتطلب التزامًا سياسيًا محليًا واستفادة من الخبرات الدولية، مع تكييف الاستجابة الحكومية وفق طبيعة الصدمة وحدتها.
وأوضح أن الأزمات الشديدة والنادرة تستلزم توفير سيولة عاجلة، من خلال التمويل الطارئ أو أدوات تمويل مخاطر الكوارث، بينما تتطلب المخاطر الممتدة أو الأكثر تعقيدًا تطوير أدوات تمويل مبتكرة وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي.
زامبيا ترفع مساهمة الضرائب المحلية إلى 73%
وفي زامبيا، أوضح دينجاني باندا، المفوض العام لهيئة الإيرادات، أن حصة الضرائب المحلية من الميزانية الوطنية ارتفعت من 49% عام 2021 إلى نحو 73% عام 2025، رغم التقلبات الكبيرة في أسعار السلع الأساسية.
وأشار إلى أن الإصلاحات استندت إلى تقييمات تشخيصية لإدارة الضرائب، وأسهمت في إعداد خطة إصلاح تمتد خمس سنوات، شملت إنشاء مكتب لكبار دافعي الضرائب، وتطوير إدارة متخصصة للإيرادات التعدينية، وتعزيز الرقابة والتنظيم في قطاع التعدين.
كما تضمنت الإجراءات توسيع التحول الرقمي، وتكامل الأنظمة الجمركية، وتطبيق إدارة المخاطر القائمة على البيانات والفواتير الإلكترونية، بهدف تحسين الامتثال الضريبي ورفع كفاءة التحصيل.
ولفت باندا إلى استمرار تحديات، من بينها تراكم مستحقات استرداد ضريبة القيمة المضافة، رغم زيادة المدفوعات المخصصة للاسترداد وخطط الحكومة لتسوية المتأخرات المتبقية.
وأكد أن بلاده تعمل على تحويل الإصلاحات من مشروعات مؤقتة مرتبطة بالمساعدات الخارجية إلى ممارسات تشغيلية مستدامة تديرها المؤسسات المحلية، بما يشمل بناء قدرات الموظفين على صيانة أدوات تحليل المخاطر المتقدمة بصورة مستقلة.
اليابان تدعو إلى رفع كفاءة الدعم الفني الدولي
من جانبه، أكد هيدياكي إمامورا، نائب وزير المالية الياباني الأول للشؤون الدولية، أهمية الاستقرار المالي في دعم أنشطة صندوق النقد الدولي، داعيًا إلى تعزيز التكامل بين مهامه الأساسية في الرقابة الاقتصادية والإقراض وتنمية القدرات.
وشدد على ضرورة قياس أثر برامج المساعدة الفنية ورفع كفاءتها وإبراز نتائجها، بما يحافظ على دعم الدول المانحة لاستمرار التمويل، خاصة أن جانبًا كبيرًا من أنشطة تنمية القدرات يعتمد على المساهمات الطوعية.
كما دعا إلى تعزيز التعاون مع المؤسسات الإقليمية، ومن بينها مكتب أبحاث الاقتصاد الكلي لدول رابطة آسيان زائد ثلاثة، والاستفادة من تجارب الدول التي حققت تقدمًا في إصلاح ماليتها العامة.
وفيما يتعلق بالإيرادات البديلة، حذر فالديس من التعامل مع عائدات برامج الجنسية مقابل الاستثمار باعتبارها مصدرًا دائمًا للدخل، نظرًا لتقلباتها، مشددًا على أهمية الشفافية والحوكمة للحد من المخاطر المالية والمؤسسية.
وفي ختام المناقشات، أكد المشاركون أن بناء المرونة المالية لا يعتمد على زيادة الإيرادات وحدها، بل يتطلب مؤسسات قادرة على تقييم خسائر الإيرادات واحتياجات الإنفاق فور وقوع الأزمات، وتعبئة الاحتياطيات المتاحة، والاستعانة بالدعم الدولي عندما تتجاوز الصدمة الموارد الوطنية.









