الذهب يستعيد أنفاسه بعد صدمة التضخم الأمريكي.. و4200 دولار تختبر قوة الصعود

استعاد الذهب جزءًا كبيرًا من خسائره خلال النصف الثاني من الأسبوع الماضي، بعدما تعرض لضغوط حادة بفعل تسارع التضخم الأمريكي وصعود الدولار وعوائد سندات الخزانة، قبل أن يمنح تراجع العوائد وانحسار توقعات رفع الفائدة الفوري من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي المعدن النفيس فرصة للتعافي.

وبدأ الذهب الفوري الأسبوع عند 4193.59 دولار للأونصة، وسجل أعلى مستوى له عند 4216.91 دولار، قبل أن تهبط أسعاره إلى 4073.35 دولار يوم الأربعاء، عقب صدور بيانات التضخم الأمريكية لشهر سبتمبر.

وعاد المعدن الأصفر للصعود خلال جلستي الخميس والجمعة، مقتربًا مجددًا من مستوى 4200 دولار للأونصة، لكنه لم يتمكن من اختراقه بصورة حاسمة، وأنهى الأسبوع عند 4165.42 دولار، منخفضًا بنحو 0.58% على أساس أسبوعي.

وتعكس هذه التحركات استمرار الصراع بين عاملين رئيسيين: ارتفاع التضخم الذي قد يدفع السياسة النقدية نحو مزيد من التشديد، وتراجع عوائد السندات والدولار الذي يمنح الذهب دعمًا نسبيًا.

التضخم الأمريكي يشعل موجة البيع

بدأت الضغوط تتصاعد بعد إعلان ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين الأمريكي بنسبة 3.7% على أساس سنوي في سبتمبر، مقارنة بـ3.4% في أغسطس، بينما زاد المؤشر بنسبة 0.6% على أساس شهري.

وأدت القراءة الأعلى من المتوقع إلى تعزيز مخاوف المستثمرين من استمرار الضغوط التضخمية، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الطاقة، ما أعاد احتمالات تشديد السياسة النقدية إلى صدارة العوامل المؤثرة في الأسواق.

وتراجعت أسعار الذهب إلى ما دون 4100 دولار للأونصة، بالتزامن مع صعود الدولار وعوائد سندات الخزانة الأمريكية، إذ تؤدي زيادة العائد على الأصول المدرة للدخل عادة إلى رفع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، الذي لا يدر عائدًا دوريًا.

ولم تختفِ الضغوط مع صدور بيانات أسعار المنتجين التي جاءت أعلى من المتوقع؛ إلا أن تراجع عوائد السندات وضعف الدولار لاحقًا أتاحا للذهب استعادة جانب كبير من خسائره.

عوائد السندات والدولار يحسمان اتجاه الذهب

يرتبط مسار الذهب خلال المرحلة الحالية بمدى قدرة عوائد سندات الخزانة الأمريكية والدولار على مواصلة الارتفاع أو الدخول في موجة تراجع جديدة.

فكلما ارتفعت العوائد الحقيقية، ازدادت جاذبية الأصول التي تحقق دخلًا، بما قد يضغط على الذهب. أما تراجع العوائد والدولار فيخففان الضغوط على المعدن ويمنحانه فرصة لاستعادة الزخم.

ويرى دانيال بافيلونيس، كبير سماسرة السلع في مجموعة «ستون إكس»، أن العلاقة العكسية بين عوائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات وأسعار الذهب تمثل مؤشرًا مهمًا لمتابعة اتجاه السوق.

وأشار إلى أن هبوط العوائد دون مستوى 5% قد يشكل عامل دعم إضافيًا للذهب، بينما قد يؤدي استمرار ارتفاعها إلى مستويات أعلى إلى إعادة تقييم توقعات الأسعار.

لكن هذه العلاقة ليست آلية أو ثابتة في كل الظروف؛ إذ تتأثر أسعار الذهب أيضًا بالطلب الاستثماري ومشتريات البنوك المركزية والتطورات الجيوسياسية وحركة السيولة في الأسواق.

المحللون منقسمون.. 4200 دولار مستوى الاختبار

كشف استطلاع «كيتكو نيوز» الأسبوعي عن تباين واضح في توقعات المحللين بشأن اتجاه الذهب خلال الأسبوع المقبل.

وشارك 12 محللًا من وول ستريت في الاستطلاع، توقع أربعة منهم، بما يعادل 33%، ارتفاع الأسعار، بينما رجح اثنان، بنسبة 17%، تراجعها. ولم يحسم الستة الآخرون، الذين يمثلون 50% من المشاركين، اتجاه السوق، أو توقعوا استمرار التحركات العرضية.

وفي استطلاع المستثمرين الأفراد، الذي شارك فيه 139 شخصًا، توقع 43% ارتفاع الذهب، مقابل 45% رجحوا انخفاضه، فيما توقع 12% استمرار التذبذب.

وتعكس النتائج تراجع وضوح الاتجاه قصير الأجل، رغم استمرار النظرة الإيجابية لدى عدد من المحللين على المدى الأطول.

وقال كولين تشيزينسكي، كبير استراتيجيي السوق في شركة «إس آي إيه لإدارة الثروات»، إنه يتبنى موقفًا محايدًا خلال الأسبوع المقبل، مع استقرار الذهب قرب مستوى 4200 دولار وتراجع كثافة البيانات الاقتصادية المنتظرة.

في المقابل، يرى جيمس ستانلي، كبير استراتيجيي السوق في «فوركس دوت كوم»، أن الاتجاه لا يزال يميل إلى الصعود، مع اعتبار مستوى 4000 دولار للأونصة نقطة دعم رئيسية ينبغي مراقبتها.

أما فؤاد رزاق زاده، محلل السوق في «ستون إكس بولين»، فيرى أن التعافي الأخير لا يكفي وحده لتأكيد انتهاء التصحيح، مشيرًا إلى الحاجة إلى اختراق منطقة المقاومة قبل تبني موقف أكثر تفاؤلًا على المدى القصير.

التوترات الجيوسياسية تضيف عاملًا جديدًا

لا تتحرك أسعار الذهب بمعزل عن تطورات الصراع الأمريكي الإيراني ومخاطر إمدادات الطاقة والشحن في المنطقة. فالتوترات الجيوسياسية قد تعزز الطلب على الأصول التي يُنظر إليها باعتبارها ملاذًا آمنًا، لكنها قد تضغط على الذهب أيضًا إذا أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم وعوائد السندات.

ويشير هذا التداخل إلى أن تأثير المخاطر الجيوسياسية ليس في اتجاه واحد؛ إذ يعتمد على كيفية انعكاسها على توقعات النمو والتضخم والسياسة النقدية، وليس على مستوى المخاطر وحده.

ويرى أدريان داي، رئيس شركة «أدريان داي لإدارة الأصول»، أن الذهب أظهر قدرًا من الصمود رغم الضغوط الناتجة عن ارتفاع العوائد والدولار وأسعار النفط، لكنه يتوقع استمرار التذبذب قبل تحرك صاعد أكثر وضوحًا.

في المقابل، يحذر محللون آخرون من أن استمرار التضخم وتوقعات تشديد السياسة النقدية قد يجعلان أي تعافٍ عرضة للتراجع مجددًا.

الأسبوع المقبل.. بيانات أقل وترقب لمسار الفائدة

من المتوقع أن يكون جدول البيانات الاقتصادية الأمريكية أخف نسبيًا خلال الأسبوع المقبل، مع ترقب مؤشرات سوق الإسكان، وطلبات إعانة البطالة الأسبوعية، والقراءات الأولية لمؤشرات مديري المشتريات، والقراءة النهائية لمؤشر ثقة المستهلك الصادر عن جامعة ميشيغان.

وقد يتيح تراجع كثافة البيانات مجالًا أكبر لتأثير تحركات الدولار وعوائد السندات والتطورات الجيوسياسية في أسعار الذهب.

وتظل المستويات الرئيسية التي يراقبها المتعاملون هي منطقة 4200 دولار بوصفها مقاومة بارزة، ومستوى 4000 دولار باعتباره دعمًا مهمًا في حال تجدد الضغوط البيعية، مع متابعة مستويات الدعم والمقاومة الأقرب التي حددها بعض المحللين.

وفي المحصلة، لم يحسم التعافي الأخير اتجاه الذهب؛ فاستمرار تراجع العوائد قد يدعم محاولة جديدة لاختراق 4200 دولار، بينما قد تعيد بيانات تضخم قوية أو عودة الدولار للصعود الضغوط على الأسعار. وتبقى حركة المعدن خلال الفترة المقبلة رهينة توازن متغير بين توقعات الفائدة والتضخم والطلب على الملاذات الآمنة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى