«الخشن» على مقصلة التسويات البنكية أم الحجز الكلي بـ40 مليار جنيه؟.. «بوابة المصرف» تكشف التفاصيل

عاد ملف رجل الأعمال محمد الخشن، رئيس مجلس إدارة شركة إيفرجرو للأسمدة، إلى صدارة المشهد الاقتصادي والمصرفي، بعد تطور جديد تمثل في صدور قرار بمنعه و22 من أفراد أسرته من التصرف في أموالهم، في خطوة أعادت فتح واحد من أكبر ملفات المديونيات المصرفية في مصر خلال السنوات الأخيرة
وجاء القرار في وقت كانت فيه أزمة الشركة قد دخلت بالفعل مرحلة إعادة الهيكلة، بعد أشهر من المفاوضات المكثفة بين البنوك الدائنة وإدارة الشركة، بهدف التوصل إلى صيغة تضمن استرداد حقوق القطاع المصرفي مع الحفاظ على استمرار النشاط الإنتاجي للشركة.
وبينما أثار القرار حالة واسعة من الجدل، خاصة مع تداول أرقام تتحدث عن مديونية تقترب من 40 مليار جنيه، برزت تساؤلات عديدة حول طبيعة القرار، وأسبابه، وما إذا كان يمثل تحولًا في مسار الأزمة أم أنه جزء من الإجراءات القانونية والتنظيمية المصاحبة لعملية إعادة الهيكلة.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن البنك المركزي المصري وجه البنوك بتنفيذ قرار صادر من النائب العام يقضي بمنع محمد الخشن و22 من أفراد أسرته من التصرف في أموالهم، وذلك في إطار الإجراءات المرتبطة بملف إعادة هيكلة المديونية.
ونقلت وكالة الشرق بلومبرج عن خمسة مصرفيين أن القرار يأتي ضمن الضمانات والإجراءات القانونية المرتبطة بإعادة تنظيم الالتزامات المالية للشركة، دون أن يصدر حتى الآن بيان رسمي جديد من البنك المركزي بشأن تفاصيل القرار أو مدته.
ورغم أن القرار أثار اهتمامًا واسعًا، فإن المتابعين للقطاع المصرفي يؤكدون أن مثل هذه الإجراءات ليست غريبة في الملفات التمويلية الكبرى، خاصة عندما يتعلق الأمر بمديونيات بمليارات الجنيهات، إذ تلجأ الجهات المختصة إلى اتخاذ تدابير تحفظية لحماية حقوق الدائنين إلى حين الانتهاء من تنفيذ اتفاقات إعادة الهيكلة.
كيف بدأت الأزمة؟
لم تظهر أزمة إيفرجرو بصورة مفاجئة، لكنها جاءت نتيجة تراكمات امتدت لعدة سنوات، في ظل تغيرات اقتصادية محلية وعالمية فرضت ضغوطًا كبيرة على الشركات الصناعية، خاصة تلك التي تعتمد بصورة كبيرة على التمويلات البنكية والاستيراد.
وخلال السنوات الأخيرة واجه الاقتصاد العالمي موجة غير مسبوقة من ارتفاع أسعار الفائدة، واضطرابات سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب التقلبات الحادة في أسعار الصرف، وهي عوامل انعكست بصورة مباشرة على تكاليف الإنتاج والتمويل.
وكانت شركات الأسمدة من بين القطاعات الأكثر تأثرًا، نظرًا لاعتمادها على مدخلات إنتاج مستوردة، واحتياجها إلى تمويلات ضخمة لتمويل عمليات التشغيل والتوسع.
وفي خضم هذه المتغيرات، بدأت مديونية شركة إيفرجرو في الارتفاع تدريجيًا، مع زيادة تكلفة الاقتراض وارتفاع قيمة الالتزامات المالية المقومة بالعملات الأجنبية.
ومع استمرار الضغوط الاقتصادية، دخلت الشركة في مفاوضات مكثفة مع البنوك الدائنة للوصول إلى آلية تضمن استمرار النشاط، دون الإضرار بحقوق المؤسسات المصرفية التي قدمت التمويلات على مدار السنوات الماضية.
إعادة الهيكلة.. نقطة التحول في الملف
شهد شهر أبريل الماضي تطورًا مهمًا في الأزمة، بعدما أعلن البنك المركزي المصري نجاح تحالف البنوك الدائنة في التوصل إلى اتفاق لإعادة هيكلة مديونية محمد الخشن.
وجاء الإعلان بعد فترة طويلة من المفاوضات الفنية والقانونية التي شاركت فيها البنوك الممولة، وانتهت إلى اتفاق يستهدف إعادة تنظيم الالتزامات المالية وفق جدول زمني جديد، مع توفير الضمانات اللازمة لحماية حقوق البنوك.
وأكد البنك المركزي في ذلك الوقت أن الاتفاق يضمن استيفاء كامل المديونيات، سواء أصل الدين أو العوائد المستحقة، مع الحصول على الضمانات الكافية التي تغطي قيمة الالتزامات المالية.
كما شدد على أن الهدف من الاتفاق لا يقتصر على حماية القطاع المصرفي، بل يمتد أيضًا إلى الحفاظ على استمرار النشاط الاقتصادي للشركة، بما يضمن عدم تأثر العمالة والإنتاج والصادرات.
وتعد هذه النقطة من أهم ملامح الأزمة، إذ فضلت البنوك الدائنة السير في مسار إعادة الهيكلة بدلًا من الدخول في إجراءات قد تؤدي إلى توقف النشاط، انطلاقًا من قناعة بأن استمرار الشركة في العمل يمثل ضمانة أفضل لاسترداد الحقوق على المدى الطويل.
40 مليار جنيه.. من أين جاء هذا الرقم؟
منذ الإعلان عن التوصل إلى اتفاق لإعادة هيكلة مديونية شركة إيفرجرو للأسمدة، تركزت الأنظار على الرقم المتداول بشأن حجم الالتزامات المالية، والذي أشارت تقارير إعلامية إلى أنه يقترب من 40 مليار جنيه.
وسرعان ما تحول هذا الرقم إلى محور رئيسي للنقاش داخل الأوساط الاقتصادية، خاصة أنه يعكس واحدة من أكبر عمليات إعادة هيكلة الديون التي شهدها القطاع المصرفي المصري خلال السنوات الأخيرة.
لكن الشركة كان لها رأي مختلف بشأن هذه التقديرات، إذ سارعت إلى إصدار بيان أوضحت فيه أن الأرقام المتداولة لا تعبر عن القيمة الأصلية للمديونية.
وأكدت إيفرجرو أن أصل الدين يبلغ نحو 11.8 مليار جنيه، مشيرة إلى أن باقي القيمة المتداولة نتجت عن تراكم الفوائد المصرفية والالتزامات التمويلية على مدار سنوات.
وأوضحت أن احتساب المديونية النهائية شمل تكلفة التمويل والعوائد المستحقة، وليس أصل القروض فقط، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الرقمين.
ويرى مصرفيون أن مثل هذا الاختلاف ليس جديدًا في ملفات إعادة هيكلة الديون، إذ غالبًا ما تميز الشركات بين أصل التمويل والقيمة الإجمالية للالتزامات بعد إضافة الفوائد والغرامات والتكاليف التمويلية الأخرى.
لماذا تضخمت الالتزامات المالية؟
تعزو الشركة الزيادة الكبيرة في التزاماتها إلى مجموعة من المتغيرات الاقتصادية التي شهدتها الأسواق خلال الأعوام الماضية.
ويأتي في مقدمة هذه المتغيرات الارتفاع المتتالي في أسعار الفائدة، والذي رفع تكلفة الاقتراض بالنسبة للشركات التي تعتمد على التمويل البنكي في تشغيل أنشطتها.
كما لعبت تقلبات سعر صرف الدولار دورًا مؤثرًا، خاصة مع اعتماد قطاع الأسمدة على استيراد جانب من المواد الخام والمعدات اللازمة للإنتاج.
وأشارت الشركة إلى أن سعر الدولار ارتفع من نحو 15.7 جنيه في عام 2021 إلى مستويات قاربت 54 جنيهًا في مارس 2026، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على تكلفة التشغيل والتمويل.
وتزامنت هذه التطورات مع اضطرابات الاقتصاد العالمي، وارتفاع تكاليف الشحن والطاقة، وزيادة أسعار العديد من مستلزمات الإنتاج، لتشكل جميعها ضغوطًا مالية متراكمة على الشركات الصناعية.
لماذا فضلت البنوك إعادة الهيكلة؟
رغم ضخامة المديونية، اتجهت البنوك الدائنة إلى خيار إعادة الهيكلة بدلًا من اتخاذ إجراءات قد تؤدي إلى توقف النشاط.
ويستند هذا التوجه إلى رؤية مصرفية تعتبر أن استمرار الشركة في الإنتاج يرفع فرص استرداد المديونيات بصورة أفضل من اللجوء إلى تصفية الأصول أو وقف النشاط.
كما أن إعادة الهيكلة تمنح الشركة فرصة لإعادة ترتيب التزاماتها المالية، بما يسمح باستمرار التدفقات النقدية وسداد الديون وفق جداول زمنية جديدة تتناسب مع قدراتها التشغيلية.
ويؤكد خبراء مصرفيون أن مثل هذه الآليات أصبحت من الأدوات الأساسية التي تلجأ إليها البنوك عند التعامل مع الشركات الكبرى ذات الأصول القوية والأنشطة المستمرة.
إيفرجرو.. لاعب رئيسي في صناعة الأسمدة
بعيدًا عن أزمة المديونية، تعد إيفرجرو للأسمدة واحدة من أكبر الشركات العاملة في قطاع الأسمدة المتخصصة بمنطقة الشرق الأوسط.
وتأسست الشركة عام 2006، واستطاعت خلال سنوات قليلة بناء قاعدة إنتاجية كبيرة تخدم السوق المحلية وعددًا كبيرًا من الأسواق الخارجية.
وتمتلك الشركة أربعة مصانع رئيسية لإنتاج الأسمدة والمركبات الزراعية، وتشمل منتجاتها سلفات البوتاسيوم، ويوريا فوسفات، ونترات الكالسيوم، ونترات المغنيسيوم، والأسمدة الورقية.
وتصدر الشركة منتجاتها إلى أكثر من 80 دولة، ما يجعلها أحد المصادر المهمة للعملة الأجنبية من خلال نشاطها التصديري.
كما يعمل داخل الشركة أكثر من خمسة آلاف موظف، وهو ما يمنحها أهمية إضافية من ناحية الحفاظ على فرص العمل واستمرار النشاط الصناعي.
وتشير بيانات الشركة إلى أن القيمة الاستبدالية لأصولها بلغت نحو 62 مليار جنيه وفق آخر تقييم معلن، فيما تصل مبيعاتها السنوية إلى نحو 12 مليار جنيه، بينها صادرات تقدر بحوالي 120 مليون دولار.
ماذا يعني قرار منع التصرف في الأموال؟
يرى متخصصون أن القرار لا يعني بالضرورة صدور حكم نهائي ضد صاحب الشركة أو انتهاء إجراءات إعادة الهيكلة.
فالمنع من التصرف في الأموال يعد في كثير من الحالات إجراءً تحفظيًا يهدف إلى الحفاظ على الضمانات المالية لحين الانتهاء من تنفيذ الالتزامات المتفق عليها.
وتلجأ الجهات القضائية إلى هذه الإجراءات في بعض القضايا الاقتصادية الكبرى لضمان عدم التصرف في الأصول التي قد تكون جزءًا من الضمانات المقدمة للدائنين.
وفي حالة إيفرجرو، تشير المعلومات المتداولة إلى أن القرار جاء تنفيذًا لقرار صادر من النائب العام، وفي إطار الإجراءات المرتبطة بملف إعادة الهيكلة، وهو ما يعكس استمرار متابعة الجهات المختصة لتطورات الملف.
ما السيناريوهات المتوقعة؟
خلال المرحلة المقبلة، سيظل تنفيذ اتفاق إعادة الهيكلة هو العامل الأكثر تأثيرًا في مسار الأزمة.
فإذا نجحت الشركة في الالتزام بالجداول الزمنية للسداد، مع استمرار نشاطها التشغيلي، فقد يسهم ذلك في إنهاء الأزمة تدريجيًا واستعادة الاستقرار المالي.
أما في حال ظهور مستجدات تؤثر على تنفيذ الاتفاق، فقد تشهد القضية تطورات جديدة وفقًا للإجراءات القانونية والمصرفية المنظمة لهذا النوع من الملفات.
وفي جميع الأحوال، يبقى الهدف الرئيسي هو الحفاظ على حقوق البنوك الدائنة، مع استمرار شركة تمتلك أصولًا ضخمة وحضورًا تصديريًا مؤثرًا في أداء نشاطها، بما يحقق التوازن بين حماية القطاع المصرفي ودعم الاقتصاد الوطني.
تكشف أزمة إيفرجرو عن حجم التحديات التي واجهتها الشركات الصناعية خلال السنوات الأخيرة، في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الفائدة، وتقلبات سعر الصرف، والضغوط الاقتصادية العالمية.
كما تعكس الأزمة تطور آليات تعامل القطاع المصرفي المصري مع ملفات التعثر الكبرى، من خلال تفضيل إعادة الهيكلة كخيار يوازن بين حماية أموال البنوك، والحفاظ على استمرارية الكيانات الاقتصادية القادرة على الإنتاج والتصدير.
ومع استمرار متابعة هذا الملف، ستظل الأنظار موجهة إلى مدى نجاح خطة إعادة الهيكلة، باعتبارها الاختبار الحقيقي لقدرة جميع الأطراف على تحويل واحدة من أكبر أزمات المديونية إلى نموذج ناجح للتسوية وإدارة المخاطر المصرفية.









