«الصيام عن الذكاء الاصطناعي» يومًا أسبوعيًا.. وصفة عائشة خانا لحماية المهارات البشرية

دعت عائشة خانا، رائدة الأعمال ومستشارة الذكاء الاصطناعي، إلى تخصيص يوم واحد أسبوعيًا للعمل دون أدوات الذكاء الاصطناعي، محذرة من أن الاعتماد المتزايد عليها قد يؤدي إلى تراجع المهارات الأساسية لدى الأفراد، ويضعف قدرة الشركات على مواصلة العمل إذا تعطلت أنظمتها التقنية أو تعرضت لهجمات إلكترونية.
وقدمت خانا، المؤسسة المشاركة والرئيسة التنفيذية لشركة «أدو» المتخصصة في حلول الذكاء الاصطناعي، هذه الفكرة خلال جلسة ضمن فعاليات الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لعام 2026، معتبرة أن الحفاظ على القدرات البشرية يجب أن يسير بالتوازي مع التوسع في استخدام التكنولوجيا.
«الصيام عن الذكاء الاصطناعي».. يوم أسبوعي لاستعادة المهارات
وصفت خانا هذه الممارسة بأنها «الصيام عن الذكاء الاصطناعي»، داعية الأفراد إلى الامتناع عن استخدام أدواته ليوم واحد على الأقل كل أسبوع، حتى يواصلوا ممارسة مهارات التفكير والتحليل وإنجاز المهام بأنفسهم.
وترى أن الهدف ليس رفض التكنولوجيا أو التراجع عن استخدامها، بل ضمان عدم فقدان الإنسان قدرته على أداء المهام الأساسية بصورة مستقلة، خصوصًا عندما تصبح الأدوات الرقمية جزءًا ثابتًا من الحياة اليومية والعمل.
وتكتسب الفكرة أهمية أكبر في القطاعات التي قد تؤدي فيها الأخطاء إلى عواقب خطيرة، مثل الطب والشرطة والهجرة ومكافحة الإرهاب، حيث لا يكفي الاعتماد على الأنظمة الآلية وحدها لضمان سلامة القرارات.
فريق بلا ذكاء اصطناعي.. خطة احتياطية للشركات عند تعطل الأنظمة
لا تقصر خانا تحذيراتها على الأفراد، بل تدعو الشركات الكبرى إلى الاحتفاظ بمجموعة صغيرة من الموظفين الذين يواصلون العمل دون الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، بما يضمن بقاء الخبرة العملية والقدرات البشرية داخل المؤسسة.
وتشبه الفكرة، وفق طرحها، وجود فريق احتياطي متخصص قادر على التدخل عندما تتوقف الأنظمة أو تتعرض البنية التحتية لهجوم إلكتروني، بما يسمح باستمرار العمليات الضرورية وتقليل الخسائر الناتجة عن الأعطال التقنية.
وترى خانا أن امتلاك المؤسسات لأحدث الأدوات لا يغني عن الاحتفاظ بالمعرفة البشرية اللازمة لتشغيل الأعمال وإدارة الأزمات. فالشركة التي تفقد قدرتها على أداء مهامها الأساسية دون مساعدة الأنظمة الذكية قد تجد نفسها أكثر عرضة للتعطل عندما تواجه مشكلة تقنية واسعة النطاق.
الطلاب أمام خطر فقدان المعرفة لا مجرد الاعتماد على الأدوات
يمتد القلق نفسه إلى التعليم، إذ حذرت خانا من أن استخدام الطلاب للذكاء الاصطناعي لإنجاز الواجبات قد يقلل من احتفاظهم بالمعلومات، خصوصًا عندما تحل الأدوات محل التفكير المستقل بدلًا من أن تساعد على الفهم والتعلم.
واستشهدت بأبحاث قالت إنها تشير إلى انخفاض نتائج بعض الطلاب في الامتحانات بنحو الربع عند استخدام الذكاء الاصطناعي لأداء الواجبات، في إشارة إلى مخاطر الاعتماد على الإجابات الجاهزة بدلًا من بناء المعرفة والقدرة على استدعائها.
وشددت على أن مسؤولية المؤسسات التعليمية لا ينبغي أن تقتصر على تعليم الطلاب استخدام الأدوات الجديدة، بل يجب أن تشمل تدريبهم على تقييم مخرجاتها، واكتشاف الأخطاء والتحيزات، ومناقشة الأفكار بأنفسهم مع المعلمين وزملائهم.
كما حذرت من أن برامج المحادثة قد تميل إلى تأييد آراء المستخدم، بما يعزز تحيزاته بدلًا من دفعه إلى اختبار أفكاره ومراجعتها.
«مساعد الطيار للجميع».. لماذا تفشل بعض خطط الشركات؟
انتقلت خانا إلى تحدٍ آخر يتعلق بطريقة تبني المؤسسات للذكاء الاصطناعي، منتقدة النهج الذي يقوم على منح كل موظف مساعدًا ذكيًا وانتظار تحسن أداء الشركة تلقائيًا.
وترى أن هذا الأسلوب قد يمنح الموظفين شعورًا بالإنتاجية، مثل اختصار وقت تلخيص المستندات أو إعداد رسائل البريد الإلكتروني، من دون أن ينعكس بالضرورة على الأرباح أو نمو عدد العملاء أو كفاءة العمليات الأساسية.
وبدلًا من نشر الأدوات على نطاق واسع دون أهداف محددة، تدعو خانا القيادات إلى تحديد ثلاثة إلى خمسة مسارات عمل ذات أولوية، ثم متابعة ما بين ستة وثمانية مؤشرات لقياس أثر استخدام التكنولوجيا.
ويعني ذلك، وفقًا لطرحها، أن يبدأ التحول الرقمي من المشكلات الفعلية التي تحتاج المؤسسة إلى حلها، لا من مجرد الرغبة في إعلان تبني الذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الوظائف.. والرهان على حماية العامل
في ملف سوق العمل، أشارت خانا إلى أن الطلب على المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي يتزايد، وأن الشركات لا تبحث فقط عن موظفين يستخدمون الأدوات الجديدة، بل عن أشخاص مستعدين لتجربتها والتكيف مع التغيرات في أساليب العمل.
واستشهدت بتقديرها أن نحو 85% من إعلانات الوظائف تتضمن شرطًا متعلقًا بالذكاء الاصطناعي، معتبرة أن اكتساب هذه المهارات أصبح عاملًا مهمًا في الحفاظ على القدرة التنافسية في سوق العمل.
لكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة ألا تقتصر سياسات التحول على حماية الوظائف الحالية، بل أن تمتد إلى حماية العاملين أنفسهم من مخاطر فقدان فرص العمل أو عدم القدرة على مواكبة التغيرات التقنية.
وضربت سنغافورة مثالًا على أهمية الجمع بين التدريب وإعادة التأهيل المهني ودعم الشركات التي تعيد تدريب موظفيها. وتتمثل الفكرة الأساسية في أن الاستثمار في مهارات العاملين ينبغي أن يواكب التحول التقني، بدلًا من ترك الأفراد يتحملون وحدهم تكاليف التكيف مع متطلبات السوق الجديدة.
سيادة الذكاء الاصطناعي.. كيف تتجنب الدول التبعية الرقمية؟
على مستوى السياسات الوطنية، حذرت خانا من مخاطر الاعتماد الكامل على أنظمة ونماذج ذكاء اصطناعي تُطور خارج حدود الدولة، معتبرة أن القضية لا تتعلق بالتكنولوجيا وحدها، بل بالقدرة على الاحتفاظ بالبيانات والخبرات والحضور الثقافي داخل المنظومة الرقمية.
وأوضحت أن سيادة الذكاء الاصطناعي لا تعني بالضرورة بناء كل شيء من الصفر، إذ تستطيع الدول الاختيار بين النماذج الأمريكية والصينية والأوروبية، أو تطوير نماذجها الخاصة، وفق احتياجاتها وقدراتها.
لكنها شددت على أهمية امتلاك الدول خيارات حقيقية تتعلق بالبيانات والبنية التحتية الحاسوبية والقدرة على تطوير الحلول المناسبة لخصوصيتها الاقتصادية والثقافية.
وحذرت من أن الاعتماد المستمر على نماذج خارجية دون بدائل أو قدرة محلية على التطوير قد يؤدي إلى ما وصفته بـ«الاستعمار الرقمي»، حيث تتأثر أنماط التفكير واللغة والقيم بما تعكسه الأنظمة التي تعتمد عليها المجتمعات.
ليست كل المهام بحاجة إلى ذكاء اصطناعي توليدي
دعت خانا إلى اختيار التكنولوجيا وفق طبيعة المهمة ومستوى المخاطر المرتبطة بها، بدلًا من استخدام أكثر النماذج تطورًا في كل الحالات.
وأشارت إلى مثال شركة طيران نيوزيلندا، التي تستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي في مهام مثل تصميم الزي الرسمي وتقليل هدر الطعام، بينما تعتمد على تقنيات أخرى في قرارات صيانة الطائرات التي تتطلب معايير أكثر صرامة للسلامة.
وأكدت أهمية وضع ضوابط أمنية واضحة، وتحديد مستويات المخاطر المقبولة، واختبار الأنظمة القوية في بيئات محدودة قبل استخدامها على نطاق واسع.
كما دعت إلى أن يشارك الفلاسفة وعلماء الاجتماع والأنثروبولوجيا في النقاش حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، بدلًا من ترك القرارات المتعلقة بتأثيراته الاجتماعية والإنسانية للتقنيين والاقتصاديين وحدهم.
النساء والفئات المهمشة أمام تحدي اكتساب المهارات
لفتت خانا إلى أن فرص الاستفادة من الذكاء الاصطناعي ليست متساوية بين جميع الفئات، مشيرة إلى أن بعض النساء يواجهن قيودًا في الوقت المتاح للتدريب بسبب مسؤوليات الرعاية الأسرية.
كما حذرت من حصر أدوار النساء في الحوكمة وإدارة المخاطر والأخلاقيات، مع إبعادهن عن قرارات الاستثمار والاستراتيجية والبنية التحتية، داعية إلى توسيع مشاركتهن في مختلف مستويات صناعة القرار التقني.
وترى أن إتاحة الدورات التدريبية وحدها لا تكفي ما لم توفر المؤسسات وقتًا فعليًا للتعلم ضمن ساعات العمل، مع مراعاة ظروف الموظفين والتزاماتهم.
خانا: البشر قادرون على تحديد حدود التكنولوجيا
في ختام طرحها، أكدت خانا أن مستوى القلق من تطور الذكاء الاصطناعي يتوقف على طريقة استخدامه، ومدى ملاءمة النموذج للمهمة، ووجود ضوابط تحد من مخاطره.
ووفق رؤيتها، فإن التحدي لا يتمثل في تسريع استخدام التكنولوجيا بأي ثمن، بل في تحقيق التوازن بين الاستفادة من قدراتها والحفاظ على المهارات الإنسانية واستمرارية المؤسسات وحماية العاملين.
وتعيد دعوة «الصيام عن الذكاء الاصطناعي» طرح سؤال أساسي أمام الشركات والمدارس والحكومات: كيف يمكن توسيع الاستفادة من الأدوات الذكية دون أن يفقد الإنسان المعرفة والقدرة على اتخاذ القرار والعمل المستقل عندما لا تكون هذه الأدوات متاحة؟









