ديون العالم تقترب من 100% من الناتج.. وصندوق النقد يحذر من فاتورة الاقتراض

يواجه الاقتصاد العالمي معادلة أكثر تعقيدًا؛ إذ يواصل النمو رغم الصدمات الجيوسياسية واضطرابات الطاقة، لكن ارتفاع الدين العام وعوائد السندات يزيد تكلفة الحفاظ على هذا النمو ويقلص قدرة الحكومات على التعامل مع الأزمات المقبلة.
وحذر صندوق النقد الدولي من أن الدين العام العالمي قد يقترب من 100% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية العقد، في وقت ارتفعت فيه عوائد السندات السيادية لدول مجموعة السبع بنحو 120 نقطة أساس منذ نهاية فبراير، ما يرفع تكلفة الاقتراض وإعادة تمويل الديون القائمة.
وتأتي هذه التحذيرات بينما يتوقع الصندوق نمو الاقتصاد العالمي بنحو 3.1% خلال 2026، مقارنة بنحو 3.4% في 2025، مدعومًا جزئيًا بالاستثمارات في الذكاء الاصطناعي، رغم الضغوط الناتجة عن صدمة الطاقة والتوترات الدولية.
ديون تقترب من 100% من الناتج.. وارتفاع العوائد يضغط على الموازنات
خلال إحاطة بشأن السياسة المالية على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك، حذر رودريغو فالديس، مدير إدارة الشؤون المالية بالصندوق، من المسار التصاعدي للدين العام العالمي.
وتتمثل المشكلة في أن الحكومات لا تواجه فقط مستويات مرتفعة من الديون، بل تتحمل أيضًا تكلفة أكبر لخدمتها مع ارتفاع أسعار الفائدة وعوائد السندات. ومع حلول آجال استحقاق الإصدارات القديمة، تضطر الدول إلى إعادة تمويل التزاماتها في بيئة اقتراض أكثر تكلفة.
وأشار الصندوق إلى أن عوائد السندات السيادية لدول مجموعة السبع ارتفعت بنحو 1.2 نقطة مئوية منذ نهاية فبراير، بما يزيد الضغوط على الموازنات العامة، خصوصًا في الدول التي لديها احتياجات كبيرة لإعادة التمويل ومساحة محدودة للتحرك المالي.
ولا يعني استمرار المستثمرين في شراء السندات غياب المخاطر؛ فالسوق قد تظل مستعدة لإقراض الحكومات، لكن بتكلفة أعلى تستهلك جزءًا أكبر من مواردها.
النمو العالمي عند 3.1%.. والذكاء الاصطناعي يخفف صدمة الطاقة
رغم الضغوط، لا يتوقع صندوق النقد الدولي توقف النشاط الاقتصادي العالمي، إذ تشير تقديراته إلى نمو بنحو 3.1% في 2026، وإن كان المعدل أقل من 3.4% المسجل في 2025.
ويسهم الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية المرتبطة به في دعم النشاط الاقتصادي، خصوصًا في بعض الاقتصادات المتقدمة والأسواق المرتبطة بإنتاج الرقائق والمعدات التقنية.
لكن هذا الدعم لا يلغي أثر ارتفاع تكاليف الطاقة المرتبط بالصراع في الشرق الأوسط، ولا المخاطر الناتجة عن استمرار التوترات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق المالية.
ويحذر الصندوق من أن استمرار النمو قد يخفي اختلالات تتراكم تحت السطح، وفي مقدمتها ارتفاع الالتزامات الحكومية وتراجع القدرة على تمويل الاستجابات الطارئة من دون زيادة العجز أو اللجوء إلى اقتراض إضافي.
الأسواق الناشئة أكثر صمودًا.. لكن مخاطر الدين لا تختفي
أظهرت بعض الأسواق الناشئة قدرة على التعامل مع التقلبات بفضل تحسن الأطر الاقتصادية، واتساع قاعدة المستثمرين المحليين، وإطالة آجال استحقاق الديون.
ومع ذلك، يرى الصندوق أن مستوى التعرض للمخاطر يختلف من دولة إلى أخرى، وفقًا لحجم الدين واحتياجات إعادة التمويل ومدى توافر الموارد المالية التي يمكن استخدامها عند وقوع صدمة جديدة.
وتصبح الدول الأكثر مديونية عرضة لضغوط أكبر عندما ترتفع تكلفة خدمة الدين أو تتراجع قدرة الموازنة على استيعاب نفقات غير متوقعة. وقد يحدث ذلك حتى من دون تغير مفاجئ في شهية المستثمرين تجاه أصول الدولة.
وبالتالي، فإن الخطر لا يرتبط فقط بإمكانية توقف التمويل، بل أيضًا باستمرار توافره بتكلفة تستنزف الموارد المخصصة للاستثمار والخدمات العامة.
صندوق النقد يدعو إلى إصلاح الضرائب وتحسين الإنفاق
يدعو الصندوق الحكومات إلى التحرك قبل أن تفرض الأسواق تعديلات أكثر صعوبة، من خلال تحسين تصميم الضرائب وكفاءة تحصيلها، ومراجعة الإنفاق العام، وإعادة بناء الهوامش المالية التي تسمح بالتعامل مع الأزمات.
ويشمل ذلك توجيه الموارد إلى المشروعات والخدمات ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي الأكبر، بدلًا من استمرار الإنفاق غير الفعال أو تأجيل الإصلاحات الضرورية.
وتبرز أهمية هذه الإجراءات في ظل تزاحم المطالب على الموازنات، من الإنفاق الدفاعي والرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية، إلى البنية التحتية والاستثمارات المناخية.
ويحذر الصندوق من أن تأجيل القرارات المالية قد يترك الحكومات أمام خيارات أقل عندما ترتفع تكلفة الاقتراض أو تتباطأ الإيرادات.
دعم المواطنين بدلًا من تثبيت أسعار الوقود
يمثل ارتفاع أسعار الطاقة أحد أبرز الاختبارات أمام السياسة المالية، إذ يضغط على الأسر والشركات ويدفع الحكومات إلى التفكير في تقديم دعم إضافي لتخفيف الأعباء.
لكن توصية الصندوق تتمثل في تفضيل المساعدات المؤقتة والموجهة إلى الفئات الأكثر تضررًا على الدعم العام الذي يخفض أسعار الوقود لجميع المستهلكين، بصرف النظر عن مستويات دخلهم أو احتياجاتهم.
وفي هذا السياق، قال فالديس إن حماية المواطنين لا تعني بالضرورة حماية أسعار الوقود، في إشارة إلى أهمية الفصل بين دعم الأسر المتضررة والإبقاء على أسعار الطاقة منخفضة بصورة شاملة.
ويرى الصندوق أن الدعم الموجه يمكن أن يخفف الأثر الاجتماعي لارتفاع تكاليف الطاقة، مع الحد من استنزاف الموازنة وتشجيع استهلاك الوقود بصورة قد تزيد الضغوط التضخمية.
ارتفاع الديون يقلص قدرة الحكومات على مواجهة الصدمة المقبلة
تعكس تحذيرات صندوق النقد الدولي تحولًا في طبيعة المخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي؛ فالتحدي لم يعد مقتصرًا على المحافظة على معدلات النمو، بل يشمل كذلك ضمان قدرة الحكومات على تمويل التزاماتها والاستجابة للأزمات المقبلة.
ومع ارتفاع تكلفة الاقتراض وتزايد احتياجات إعادة التمويل، تصبح إدارة الدين وكفاءة الإنفاق وتوسيع الإيرادات عوامل أساسية للحفاظ على الاستقرار المالي.
وفي الوقت الذي يوفر فيه الاستثمار في الذكاء الاصطناعي دعمًا للنشاط الاقتصادي، يظل استمرار ضغوط الطاقة والفائدة والدين مصدرًا لعدم اليقين. لذلك يدعو الصندوق إلى تعزيز الانضباط المالي مبكرًا، بدلًا من انتظار وصول الضغوط إلى مرحلة تفرض فيها الأسواق تعديلات أكثر قسوة على الموازنات.









