محيي الكردوسي يكتب: « الطفل اللقيط والأب المعلوم.. إمبراطورية الرضاعة من دم البنوك »

في عالم المال لا تولد الوحوش فجأة… بل تُصنع في الغرف المغلقة، وتكبر تحت حماية القوانين المرتخية، ثم تتحول بمرور الوقت إلى إمبراطوريات تلتهم الجميع.

هناك، في قلب السوق، يعيش« الطفل اللقيط » ، لا أحد يعترف بأبوته علنًا، لكن الجميع يعرف “الأب المعلوم” الذي فتح له الخزائن، ومد له الحماية، وسمح له أن يرضع من دم البنوك حتى صار وحشًا ماليًا يتغذى على المواطن البسيط.

الحكاية تبدأ ناعمة، خادعة، مغلفة بإعلانات براقة وشعارات رنانة:
“قسط براحتك”
“موافقة فورية”
“استلم الآن وادفع لاحقًا”

لكن خلف هذه الابتسامات يقف فخ ضخم لاصطياد الطبقة المتوسطة والفقيرة.

تستدين شركات التمويل الاستهلاكي بالمليارات من البنوك، ثم تعيد ضخ هذه الأموال في السوق عبر قروض تلتهم الرواتب، وتخنق الأسر، وتحول المواطن إلى عبدٍ للقسط الشهري.

وحين يتأخر العميل… ولو أيامًا قليلة… يسقط القناع.

فجأة يظهر الوجه الحقيقي للمنظومة.

يبدأ « الطفل اللقيط» عمله الخارج عن القانون ، مكالمات لا تنتهي، تهديدات، صراخ، سباب، مطاردة للأقارب والجيران، وطرق أبواب في ساعات متأخرة من الليل، وكأن المتعثر المالي تحول إلى مجرم هارب، لا مواطن سحقته الظروف الاقتصادية.

تُباع بيانات الناس وخصوصياتهم كما تُباع السلع في الأسواق السوداء، بلا قانون يحمي، ولا رقابة تمنع، ولا ضمير يسأل.

لكن كل هذا ليس سوى الفصل الأول من الجريمة ، أما الفصل الأخطر… فيبدأ داخل البنوك نفسها ، فشركات التمويل الاستهلاكي لا تكتفي بالحصول على الأموال مرة واحدة، بل تعود لتحصل عليها مرة ثانية وثالثة عبر لعبة شيطانية اسمها “التوريق”.

ملفات العملاء، والشيكات، والعقود، تُحوَّل إلى سندات مالية أنيقة، ثم تعود البنوك نفسها لشراء هذه السندات، وكأن الدم الذي خرج من شرايينها يعود إليها مسمومًا.

هنا تحديدًا تبدأ الكارثة الحقيقية.

البنوك أصبحت تمول الكيان نفسه مرتين:
مرة بالقروض المباشرة، ومرة بشراء ديونه المغلفة في أوراق رسمية تحمل أختامًا براقة وأسماء اقتصادية معقدة.

ثم تعود الدورة من جديد:
أموال تُقرض للفقراء…
تعثر يطارد الأسر…
وشركات تحصيل تتوحش أكثر…
ثم توريق جديد…
ثم أموال جديدة…
ثم ضحايا جدد.

دائرة جهنمية لا تنتهي.

أي اقتصاد هذا الذي يعيش على إعادة تدوير الديون بدلًا من الإنتاج؟

وأي سوق هذا الذي تُصنع فيه الأرباح من خوف الناس، وتعثرهم، وانكسارهم؟

الأخطر أن هذه الكيانات نمت كالأورام السرطانية، مستفيدة من تشريعات رخوة، ورقابة نائمة، ومصالح متشابكة صنعت وحشًا يصعب السيطرة عليه.

وفي النهاية، لا يدفع الثمن أصحاب المكاتب الفاخرة ولا صناع التوريق…
بل المواطن البسيط الذي يتحول إلى مجرد رقم داخل ملفات المطاردة والتحصيل.

وإذا استمر هذا النزيف، فلن يكون السؤال:
كم ربحت شركات التمويل؟

بل: متى يقع الانفجار الكبير؟
ومن سيدفن تحت أنقاضه؟

ويبقى السؤال الذي يخشاه الجميع:

إذا كان هناك “طفل لقيط” يعبث بالسوق ويبتلع أموال البنوك والمواطنين…
فمن هو “الأب المعلوم” الذي ما زال يحميه حتى الآن؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى