«مرصد الذهب»: تشغيل الذهب مقابل أرباح شهرية يثير مخاطر توظيف الأموال خارج الأطر القانونية
من الزقازيق إلى دسوق والمنصورة

حذّر «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية» من تسليم المواطنين مدخراتهم ومصوغاتهم الذهبية إلى بعض التجار بغرض «تشغيلها» مقابل أرباح شهرية منتظمة، معتبرًا أن هذه التعاملات قد تمثل صورة من صور توظيف الأموال خارج الأطر القانونية المنظمة، وتعرّض أصحاب المدخرات لمخاطر فقدان الذهب أو تعذر استرداد قيمته حال تعثر التاجر.
وقال الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب»، إن لجوء المواطنين إلى تجار الذهب للحصول على عائد شهري يتيح للتجار استخدام الأموال والمشغولات في توسيع أنشطتهم التجارية والاستثمارية، لكنه ينشئ علاقة تمويل مباشرة لا تتوافر لها بالضرورة الضوابط والضمانات الكافية لحماية صاحب المال.
وأضاف أن المخاطر تتزايد إذا تعثر التاجر أو توقف عن سداد الأرباح أو تعذر الوصول إليه، إذ قد يجد صاحب المدخرات نفسه أمام نزاع بشأن استرداد الذهب أو قيمته، رغم انتظام صرف العائد لفترة سابقة.
الزقازيق تعيد ملف تشغيل الذهب إلى الواجهة
وتجددت المخاوف عقب واقعة في الزقازيق بمحافظة الشرقية، شهدت تحرير محضرين في 15 أكتوبر الجاري، اتهم فيهما مواطنان تاجر ذهب بالاستيلاء على مشغولات ومصوغات تزن نحو كيلو ونصف الكيلو، بعد تسليمها ضمن تعاملات شملت تشغيل الأموال والذهب مقابل أرباح شهرية، وفقًا لتقارير صحفية عن البلاغات.
وأشارت التقارير إلى أن التعاملات استمرت لسنوات قبل تعثر صرف الأرباح ومغادرة التاجر البلاد إلى الأردن، بينما تظل الاتهامات الواردة في البلاغات خاضعة للفحص والتحقيق.
ولا تقتصر الوقائع المتداولة على الزقازيق؛ ففي نوفمبر 2023، حرر أربعة أشخاص بمدينة المنصورة محاضر اتهموا فيها تاجر ذهب ونجله بالحصول منهم على نحو 3 كيلو جرامات من الذهب، إلى جانب مليون و250 ألف جنيه، بغرض تشغيلها مقابل أرباح شهرية.
ووفقًا لما نشرته تقارير صحفية آنذاك، تراوحت كميات المشغولات التي قال المبلغون إنهم سلموها بين 93 و1300 جرام لكل منهم، فيما ذكروا أن التاجر ونجله لم يلتزما بدفع الأرباح أو إعادة الأصول. وأشارت التقارير إلى مغادرتهما البلاد في نوفمبر 2023، ثم ارتفاع عدد المحاضر المرتبطة بالواقعة إلى 14 محضرًا في ديسمبر من العام نفسه.
قضايا سابقة وأحكام قضائية
وفي دسوق بمحافظة كفر الشيخ، ظهرت قضية أخرى لتوظيف الأموال مرتبطة بتجار ذهب، تعود تعاملاتها، وفقًا للتغطيات الصحفية، إلى الفترة من 2021 إلى 2024. ونقلت تقارير في سبتمبر 2023 عن محامي عدد من المتضررين تحرير نحو 22 محضرًا، مع تقدير الأموال التي جُمعت بنحو نصف مليار جنيه، ووعود بعوائد شهرية وصلت إلى 25%.
وذكرت تغطيات الحكم الصادر في أغسطس 2025 أن حجم الأموال التي جُمعت تجاوز مليار جنيه، وفقًا لما نقله دفاع المتضررين، وأن التعاملات شملت أموالًا نقدية وسبائك ذهبية، مع وعود بعوائد وصلت إلى 35%.
وفي 17 أغسطس 2025، قضت محكمة جنايات طنطا الاقتصادية، بحسب التقارير المنشورة، بمعاقبة أربعة متهمين بالسجن عشر سنوات مع النفاذ، ورد الأموال المحددة في الكشف المرفق بأوراق القضية، وتغريم كل منهم 100 ألف جنيه، في قضية تتعلق بتلقي أموال من الجمهور لتوظيفها في تجارة الذهب دون اتخاذ الشكل القانوني المطلوب.
وفي فبراير 2024، أعلنت وزارة الداخلية كشف ملابسات بلاغات ضد مالك محل ذهب في القناطر الخيرية بمحافظة القليوبية، اتهمه مواطنون بالحصول على نحو خمسة ملايين جنيه لتوظيفها في تجارة الذهب مقابل أرباح شهرية، قبل توقفه عن السداد. ووفقًا لتقارير صحفية منشورة في 7 فبراير 2024، جرى ضبطه وقررت جهات التحقيق حبسه على ذمة التحقيقات.
كما شهدت مدينة نجع حمادي بمحافظة قنا، في نوفمبر 2025، بلاغات اتهم فيها مواطنون تاجري مصوغات بالحصول على ملايين الجنيهات لتشغيلها في تجارة الذهب مقابل نسبة من الأرباح، ثم الفرار بعد توقفهما عن الوفاء بالتزاماتهما.
وفي الإسكندرية، قضت محكمة جنح المنتزه ثالث في 16 مايو 2026 بحبس نجل صاحب محل ذهب شهير بمنطقة الفلكي ثلاث سنوات، بعد إدانته بالاستيلاء على أموال مواطنين بدعوى استثمارها في تجارة الذهب، وفقًا لما نشرته تقارير عن القضية.
وتعود وقائع مماثلة إلى سنوات أقدم؛ ففي مارس 2016، شهدت محافظة الدقهلية قضية اتُهم فيها صاحب محل مصوغات بجمع نحو 140 مليون جنيه من أهالي قرية طناح والقرى المجاورة لتشغيلها مقابل عوائد، قبل اختفائه دون رد الأموال، فيما ذكرت تقارير صحفية آنذاك أن المحاضر المحررة ضده بلغت 53 محضرًا.
متى يتحول تشغيل الذهب إلى توظيف أموال؟
ويرى «مرصد الذهب» أن جوهر التعامل هو العنصر الحاسم في تقييمه؛ فعندما يتلقى التاجر أموالًا أو ذهبًا من عدد من المواطنين لاستخدامها في نشاطه التجاري، مقابل الالتزام برد الأصل أو قيمته مع عائد دوري، فإن العملية تتجاوز البيع والشراء المعتادين، وقد تندرج ضمن الأنشطة التي ينظمها القانون رقم 146 لسنة 1988 بشأن الشركات العاملة في مجال تلقي الأموال لاستثمارها، وفقًا لطبيعة التعامل وظروفه وأحكام القانون.
وتنص المادة الأولى من القانون على حظر تلقي الأموال من الجمهور لتوظيفها أو استثمارها أو المشاركة بها، تحت أي مسمى، على غير الجهات التي يسمح لها القانون بذلك. وكانت الهيئة العامة للرقابة المالية قد حذرت في بيان صدر في 6 مايو 2025 من دعوات تلقي الأموال بغرض الاستثمار خارج الأطر القانونية، ودعت المواطنين إلى التحقق من التراخيص والجهات المنظمة قبل التعامل.
وأكد فاروق أن إطلاق وصف «تشغيل» أو «شراكة» أو «أمانة» على التعامل لا يلغي المخاطر المرتبطة به، ولا يكفي وحده لتحديد طبيعته القانونية، التي تتوقف على حقيقة العلاقة بين الطرفين وطريقة جمع الأموال واستخدامها والالتزامات المترتبة عليها.
الفرق بين تشغيل الذهب وصناديق الاستثمار
ويختلف تسليم الذهب إلى تاجر مقابل عائد شهري عن الاستثمار في صناديق الذهب الخاضعة للأطر التنظيمية المقررة؛ إذ تخضع الصناديق المرخصة لقواعد تتعلق بإدارة الاستثمار والتعامل في المعادن وحفظها والإفصاح عن المخاطر، بينما لا يعني التعامل المباشر مع تاجر أن العلاقة تخضع تلقائيًا للضوابط ذاتها.
وفي بيانها الصادر في 6 مايو 2025، أوضحت الهيئة العامة للرقابة المالية أن دورها في هذا المجال يشمل تنظيم الاستثمار في وثائق صناديق المعادن النفيسة، ومنها الذهب، وأن السجلات الخاصة بالتجار وجهات الحفظ المؤهلة للتعامل مع مديري الاستثمار لا تمثل ترخيصًا عامًا للتعامل المباشر مع الجمهور. وشددت على ضرورة حصول المستثمر الذي يشتري المعادن النفيسة خارج صناديق الاستثمار على المعدن نفسه حفاظًا على حقوقه.
ويختلف ذلك أيضًا عن شراء الذهب والاحتفاظ به فعليًا، حيث ترتبط مكاسب المشتري أو خسائره بتغير سعر المعدن وتكاليف الشراء والبيع، دون أن يكون هناك بالضرورة التزام من تاجر بدفع عائد شهري. أما تسليم الذهب لتشغيله في نشاط تجاري مقابل أرباح، فيضيف مخاطر تتعلق بأداء النشاط وقدرة الطرف الآخر على الوفاء بالتزاماته.
السمعة التجارية ليست ضمانًا لاسترداد المدخرات
وقال وليد فاروق إن تكرار هذه الوقائع يوضح مخاطر الاعتماد على السمعة التجارية والعلاقات الشخصية باعتبارهما ضمانًا كافيًا لحماية المدخرات، موضحًا أن انتظام دفع الأرباح لفترة طويلة لا يعني بالضرورة قدرة النشاط على الاستمرار أو ضمان استرداد أصل الأموال والذهب.
وأضاف أن الذهب يمثل لدى قطاع واسع من المصريين مخزنًا للقيمة ووسيلة لحماية المدخرات، ولذلك فإن أي تعامل يحول المعدن من أصل يحتفظ به المواطن إلى أصل يستخدمه طرف آخر يجب أن يكون واضحًا ومحددًا من حيث الحقوق والالتزامات والمخاطر.
وتطرح هذه الوقائع، وفقًا لـ«مرصد الذهب»، أهمية تعزيز الوعي بطبيعة الاتفاقات التي يبرمها المواطنون مع التجار، والتمييز بين شراء الذهب وحيازته، وبين تسليمه إلى طرف آخر لاستخدامه مقابل عائد. كما تبرز أهمية التحقق من الإطار القانوني للتعامل، وعدم اعتبار الأرباح الشهرية الموعودة ضمانًا لاسترداد الأصل.









