من الاحتيال إلى هزات الأسواق.. قادة ماليون يطالبون بضوابط عاجلة للذكاء الاصطناعي

لم تعد مخاطر الذكاء الاصطناعي على النظام المالي تقتصر على الاحتيال الإلكتروني والهجمات السيبرانية؛ إذ حذر قادة نقديون ومسؤولون دوليون من احتمال امتدادها إلى استقرار الأسواق، مع مخاوف من موجات بيع متزامنة وتراجع مفاجئ في تقييمات الشركات إذا لم تتحقق المكاسب الاقتصادية التي يراهن عليها المستثمرون.

وخلال ندوة مجموعة الثلاثين المصرفية في بانكوك، السبت 17 أكتوبر 2026، دعا محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي، ومحافظ البنك المركزي النيجيري أولاييمي كاردوسو، والمديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا، ومحافظ بنك كوريا هيون سونغ شين، إلى تشديد اختبارات نماذج الذكاء الاصطناعي، والإبقاء على أدوات الحماية المالية التقليدية، ودمج ضوابط مكافحة الاحتيال منذ تصميم الأنظمة الرقمية، إلى جانب تعزيز التعاون بين الحكومات ومطوري التقنية.

هجمات أسرع وأسواق أكثر عرضة للتقلب

حذر أندرو بيلي من أن النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي تزيد قدرات المهاجمين، ما يجعل تطوير أدوات دفاعية أكثر فاعلية ضرورة موازية لتسريع الابتكار.

وشدد محافظ بنك إنجلترا على ضرورة إخضاع النماذج لاختبارات أكثر صرامة قبل طرحها تجاريًا وبعد إطلاقها، نظرًا إلى التطور المستمر في قدراتها وما قد ينتج عنه من مخاطر جديدة.

وأشار بيلي إلى أن اختبارات النماذج ذات الأوزان المفتوحة قد تمثل تحديًا أكبر للجهات الرقابية، لافتًا إلى أهمية التعاون بين القطاعين العام والخاص في تقييم المخاطر التقنية، والاستفادة من تجربة معهد سلامة الذكاء الاصطناعي في المملكة المتحدة.

ولم تقف التحذيرات عند الهجمات السيبرانية؛ إذ أشار بيلي إلى احتمالات حدوث تصحيحات مفاجئة في الأسواق إذا أعاد المستثمرون تقييم العوائد المتوقعة من استثمارات الذكاء الاصطناعي، خصوصًا عندما تكون التقييمات المرتفعة مدعومة بالديون.

رأس المال والرافعة المالية.. أدوات الحماية القديمة تعود إلى الواجهة

رغم تطور التقنيات المالية، رأى محافظ بنك كوريا هيون سونغ شين أن متطلبات رأس المال وحدود الرافعة المالية والضمانات لا تزال أدوات أساسية للحد من مخاطر عدم الاستقرار.

وتكمن المشكلة في أن تعدد نماذج الذكاء الاصطناعي المستخدمة لدى المؤسسات المالية لا يضمن اختلاف سلوكها وقت الأزمات. فعندما تتعرض الأسواق لضغوط حادة، قد تدفع الحوافز المالية المشتركة المؤسسات المقترضة إلى البيع في الوقت نفسه، بما يعمق تراجع الأسعار ويزيد الضغوط على النظام المالي.

ويعني ذلك أن تنوع الخوارزميات لا يلغي المخاطر الناشئة عن تشابه مراكز المؤسسات المالية أو اعتمادها على التمويل بالديون، وهو ما يجعل الضوابط الاحترازية التقليدية مهمة حتى مع انتشار الأنظمة الذكية.

مكافحة الاحتيال يجب أن تبدأ قبل إطلاق الأنظمة

دعا بيلي إلى إدراج أدوات الحماية من الاحتيال في البنية الأساسية لأنظمة المدفوعات الجديدة والودائع المرمّزة منذ بداية التصميم، بدلًا من إضافتها لاحقًا بعد ظهور الثغرات.

وأيد أولاييمي كاردوسو هذا التوجه، مشددًا على ضرورة التحرك مبكرًا قبل أن تتجاوز المخاطر قدرة المؤسسات والجهات الرقابية على احتوائها.

وتكتسب هذه الدعوة أهمية مع توسع الخدمات المالية الرقمية، إذ يمكن للسرعة والاتصال بين الأنظمة أن يساعدا على انتشار عمليات الاحتيال عبر الحدود، في حين قد يؤدي اختراق أو خلل تشغيلي إلى التأثير في أكثر من مؤسسة أو سوق في الوقت نفسه.

جورجيفا تطالب بشفافية المطورين وتنسيق دولي أسرع

حذرت كريستالينا جورجيفا من أن إنشاء منظمة عالمية مركزية للأمن السيبراني قد يستغرق وقتًا أطول من اللازم في مواجهة سرعة تطور التقنية الخاصة.

وفي المقابل، شددت على ضرورة إشراك مطوري الذكاء الاصطناعي في صياغة الضوابط، مع مطالبة الحكومات بقدر أكبر من الشفافية، بدلًا من الاعتماد على التنظيم الذاتي للشركات وحده.

ودعت جورجيفا صندوق النقد الدولي ومجلس الاستقرار المالي وبنك التسويات الدولية إلى إعداد توصيات مشتركة بحلول اجتماعات الربيع المقبلة، بما يساعد على تنسيق الاستجابة للمخاطر الجديدة بين المؤسسات الدولية.

كما حذرت من احتمال تراجع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي بصورة مفاجئة، وما قد يترتب عليه من تداعيات اقتصادية ومالية، إلى جانب المخاطر السيبرانية وتحديات الأنظمة المستقلة القادرة على اتخاذ إجراءات دون تدخل بشري مباشر.

الذكاء الاصطناعي قد يرفع التضخم قبل أن يعزز الإنتاجية

لا تقتصر تداعيات التقنية على الاستقرار المالي؛ إذ لفتت جورجيفا إلى أن الاستثمار المتزايد في الذكاء الاصطناعي قد يرفع الطلب على السلع والخدمات المرتبطة به، فيما يعزز ارتفاع قيمة الأصول المالية إنفاق بعض المستهلكين، بما يضيف ضغوطًا سعرية على المدى القصير.

لكن الأثر طويل الأجل لا يزال غير محسوم. فزيادة الإنتاجية والأتمتة قد تخفض تكاليف التشغيل، في حين يمكن أن يؤدي ارتفاع الطلب على الطاقة والبنية التحتية إلى استمرار الضغوط التضخمية.

وأكدت جورجيفا أن صندوق النقد الدولي لم يحسم بعد اتجاه التأثير النهائي في الأسعار، في ظل اختلاف التقديرات المتعلقة بسرعة انتقال مكاسب الإنتاجية إلى الاقتصاد.

الأسواق الناشئة أمام تحدي الوظائف والاستقرار

حذر كاردوسو من أن الاقتصادات الناشئة تواجه خيارًا مهمًا: الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لتقليص فجوة الإنتاجية مع الاقتصادات المتقدمة، أو مواجهة اتساع الفجوة إذا لم تتمكن من تحويل التقنية إلى نمو وفرص عمل.

وأشار إلى أن نحو 60% من سكان أفريقيا تقل أعمارهم عن 25 عامًا، وأن عدد الداخلين إلى سوق العمل الأفريقية بحلول 2035 قد يفوق نظيره في بقية العالم مجتمعة.

وتثير هذه المعادلة مخاوف بشأن قدرة الاقتصادات الأفريقية على توفير فرص عمل كافية إذا زادت التقنية الإنتاجية دون أن تخلق وظائف جديدة بالوتيرة نفسها.

وفي الوقت نفسه، قد يساعد الذكاء الاصطناعي البنوك المركزية في الاقتصادات النامية على تحسين تحليل البيانات وانتقال أثر السياسة النقدية، شريطة بناء نماذج اقتصادية ملائمة للبيئة المحلية والحفاظ على استقرار الأسس الاقتصادية.

التعاون بين الجهات الرقابية والمطورين يصبح ضرورة

أجمع المشاركون على أن التعامل مع هذه المخاطر لا يمكن أن يعتمد على جهة واحدة أو دولة منفردة، بل يحتاج إلى تنسيق بين السلطات المالية والرقابية والحكومات وشركات التقنية.

وتشمل الأولويات المطروحة تطوير اختبارات النماذج، والإفصاح عن المخاطر، وتعزيز ضوابط مكافحة الاحتيال، والإبقاء على متطلبات رأس المال والحدود الرقابية للرافعة المالية.

وتكشف المناقشات أن التحدي أمام المؤسسات المالية لم يعد مجرد تبني الذكاء الاصطناعي، بل ضمان ألا يتحول تسريع المعاملات واتخاذ القرارات إلى مصدر لمخاطر مترابطة تنتشر بين الأسواق والمؤسسات.

وتتمثل الخطوة التالية التي دعا إليها المشاركون في تحويل هذه المبادئ إلى توصيات مشتركة قابلة للتنفيذ، مع تسارع استخدام التقنية واتساع تأثيرها في التمويل العالمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى