نمو أبطأ وتضخم أعلى.. لماذا بدأ الذهب يفقد بعض بريقه؟

بدأ مستثمرو الذهب والفضة في جني جزء من الأرباح بعد صدور بيانات اقتصادية أمريكية أبقت التضخم تحت المراقبة، في وقت لا تزال فيه توقعات استمرار السياسة النقدية المتشددة تضغط على جاذبية المعادن النفيسة.

وتأتي هذه التحركات رغم تباطؤ نمو الاقتصاد الأمريكي خلال الربع الثاني، إذ أظهرت البيانات النهائية نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.5%، بينما ارتفع مؤشر أسعار الناتج المحلي الإجمالي بوتيرة أقوى من القراءة السابقة، في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية.

الذهب يتراجع ويتمسك بمستوى 4600 دولار

تجددت ضغوط البيع على الذهب عقب صدور البيانات الأمريكية، إذ تراجع السعر الفوري بنسبة 0.75% خلال تعاملات اليوم، ليسجل نحو 4623.50 دولارًا للأونصة.

ورغم التراجع، حافظ المعدن على مستوى الدعم الأولي فوق 4600 دولار، ما يشير إلى أن حركة البيع الحالية لا تزال أقرب إلى جني الأرباح منها إلى تحول كامل في الاتجاه الصعودي.

ويرى محللون أن المستثمرين يعيدون تقييم مراكزهم بعد المكاسب الأخيرة، خصوصًا مع استمرار البيانات في تقديم مبررات لمواصلة الاحتياطي الفيدرالي نهجه المتشدد تجاه التضخم.

الاقتصاد الأمريكي يتباطأ إلى 1.5%

أعلن مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي أن القراءة النهائية لنمو الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الثاني سجلت 1.5%، دون تغيير عن القراءة المعدلة السابقة.

وجاءت النتيجة متوافقة مع توقعات الاقتصاديين، لكنها أقل من معدل النمو المسجل خلال الربع الأول، والبالغ 2.1%.

وكانت القراءة الأولية لنمو الربع الثاني قد بلغت 1.6% قبل تعديلها بالخفض ، وتشير هذه الأرقام إلى استمرار فقدان الاقتصاد بعضًا من زخمه، إلا أن تباطؤ النمو وحده لا يكفي لمنح الذهب دفعة قوية، طالما أن التضخم لا يزال مرتفعًا بما يكفي لإبقاء السياسة النقدية تحت الضغط.

التضخم يرتفع رغم تباطؤ النمو

اللافت في البيانات كان ارتفاع مؤشر أسعار الناتج المحلي الإجمالي إلى 6.4% خلال الربع الثاني، مقارنة بالقراءة الأولية البالغة 6.2%.

وكان الاقتصاديون يتوقعون استقرار المؤشر عند القراءة السابقة، ما جعل الارتفاع المفاجئ عنصرًا مهمًا في إعادة تقييم مسار السياسة النقدية.

وتكمن أهمية هذه المفارقة في أن الاقتصاد ينمو بوتيرة أبطأ، بينما الضغوط السعرية لا تزال مرتفعة، وهو وضع قد يدفع الفيدرالي إلى إعطاء أولوية أكبر لمكافحة التضخم على حساب دعم النمو.

التضخم الأساسي يرتفع 0.2% في يوليو

وفي بيانات نفقات الاستهلاك الشخصي، ارتفع مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي، وهو مقياس التضخم المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي، بنسبة 0.2% خلال يوليو، مقابل 0.1% في يونيو.

وجاءت الزيادة متوافقة مع توقعات الاقتصاديين ، وعلى أساس سنوي، ارتفع التضخم الأساسي بنسبة 3.3%، بما يؤكد استمرار ضغوط الأسعار الأساسية رغم اعتدالها نسبيًا خلال الشهر.

التضخم الرئيسي يفوق التوقعات

ارتفع مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الرئيسي بنسبة 0.2% خلال يوليو، في زيادة جاءت أعلى قليلًا من توقعات المحللين.

وعلى أساس سنوي، بلغ معدل التضخم الرئيسي 3.7% خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، مقابل توقعات عند 3.6%.

وتكتسب هذه الزيادة أهمية خاصة في ظل استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة، التي يمكن أن تضيف ضغوطًا جديدة على الأسعار خلال الفترة المقبلة.

بيانات التضخم تعيد الضغط على الذهب

يُنظر إلى الذهب عادة باعتباره أداة تحوط في مواجهة التضخم، لكن ارتفاع أسعار الفائدة يرفع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن الذي لا يدر عائدًا دوريًا.

ومن هنا جاءت المفارقة الحالية؛ فارتفاع التضخم قد يدعم الطلب على الذهب باعتباره تحوطًا ضد تراجع القوة الشرائية، لكنه في الوقت نفسه قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تشديد السياسة النقدية، وهو ما يضغط على المعدن.

وتصبح هذه المعادلة أكثر وضوحًا عندما ترتفع عوائد الأصول المقومة بالدولار، إذ يميل بعض المستثمرين إلى نقل جزء من السيولة بعيدًا عن الذهب والفضة بحثًا عن عائد أعلى.

جني الأرباح لا يعني نهاية صعود الذهب

ويرى محللون أن التراجع الأخير لا يمثل بالضرورة بداية موجة هبوط جديدة للذهب، وإنما قد يكون تصحيحًا وجنيًا للأرباح بعد الارتفاعات السابقة.

ويبقى مستوى 4600 دولار للأونصة نقطة مهمة في حركة الذهب خلال الفترة المقبلة، إذ إن الحفاظ عليه قد يبقي الاتجاه العام للمعدن متماسكًا، بينما قد يؤدي كسره إلى زيادة ضغوط البيع ودفع المستثمرين لإعادة تقييم مراكزهم.

وفي المقابل، ستظل بيانات التضخم الأمريكية وتصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي وعوائد سندات الخزانة من أبرز المحركات التي تحدد اتجاه الذهب خلال الفترة المقبلة.

المعادلة الأصعب أمام الفيدرالي

تكشف البيانات الأخيرة عن معادلة اقتصادية معقدة: نمو أبطأ يقابله تضخم أكثر ثباتًا.

وبالتالي، فإن أي تحول نحو سياسة نقدية أكثر تشددًا قد يضغط على الذهب والفضة، بينما قد تمنح مؤشرات ضعف النمو المعدن النفيس فرصة لاستعادة جاذبيته إذا تحولت المخاوف من التضخم إلى مخاوف من تباطؤ اقتصادي أعمق.

لهذا السبب، لا تزال حركة الذهب مرتبطة بصورة مباشرة بالتوازن الذي سيحاول الاحتياطي الفيدرالي تحقيقه بين السيطرة على التضخم والحفاظ على النمو خلال الفترة المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى