الدكتور أحمد النعماني يكتب: منتدى مصر 2026 « نظرة لليوم.. رؤية للغد »
خبير اقتصادي / الأمين العام المساعد - أمانة العضوية المركزية - حزب مستقبل وطن

تشرفت اليوم بالمشاركة في جلسات منتدى مصر 2026، الذي يُعقد تحت شعار «نظرة لليوم.. رؤية للغد»، تحت رعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسى رئيس الجمهوريه لمناقشة أولويات التنمية ومستقبل الاقتصاد المصري، وفي مقدمتها البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي حتى عام 2030، بمشاركة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، و السيد حسن عبد الله، محافظ البنك المركزي، والدكتور حسين عيسى، نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وعدد من الوزراء والمسؤولين والخبراء.
وتكتسب مناقشة البرنامج أهمية خاصة؛ لأنها تعكس توجهًا نحو الانتقال من التركيز على استقرار المؤشرات الاقتصادية إلى بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية، قادر على جذب الاستثمارات، وزيادة الصادرات، وتوفير فرص العمل، وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
ومن واقع المتابعة المصرفية للتطورات الاقتصادية، تبدو العلاقة واضحة بين نجاح السياسات الاقتصادية وقدرة القطاع المصرفي على تمويل النشاط الحقيقي؛ فاستقرار المؤشرات لا يكتمل أثره إلا عندما ينعكس على قرارات الاستثمار، وتوسع الشركات، ونمو المشروعات، وتحسن قدرة الأفراد على التخطيط لمستقبلهم.
أولًا: التكامل بين السياسات الاقتصادية والتمويل المصرفي
يتطلب التحول الاقتصادي تنسيقًا بين السياسات المالية والنقدية والاستثمارية، بما يعزز استقرار الأسعار، ويحسن إدارة الدين العام، ويوفر بيئة أكثر وضوحًا أمام المستثمرين.
ومن المنظور المصرفي، يساعد الاستقرار الاقتصادي على تحسين القدرة على تقييم المخاطر، وتسعير التمويل، والتخطيط للتوسع. وفي المقابل، يمثل توجيه التمويل إلى الأنشطة الإنتاجية القادرة على خلق قيمة مضافة وفرص عمل عنصرًا مهمًا في دعم النمو المستدام.
والتحدي هو تحقيق التوازن بين إدارة المخاطر والحفاظ على جودة المحافظ الائتمانية من جهة، وتلبية الاحتياجات التمويلية للمشروعات الجادة، خاصة المشروعات الصغيرة والمتوسطة، من جهة أخرى.
ثانيًا: سعر الصرف وبناء موارد مستدامة من النقد الأجنبي
يمثل ملف النقد الأجنبي أحد المحاور الرئيسية في المرحلة المقبلة. وقد أشار محافظ البنك المركزي، خلال الجلسة، إلى اتباع سياسة مرنة لسعر الصرف تستهدف القضاء على السوق الموازية.
ومن الناحية الاقتصادية والمصرفية، لا تتوقف أهمية استقرار سوق الصرف عند سعر العملة، بل تمتد إلى قدرة الشركات على التخطيط لتكلفة الاستيراد والإنتاج، وتحديد أسعار منتجاتها، والوفاء بالتزاماتها، واتخاذ قرارات استثمارية طويلة الأجل.
لكن استدامة الاستقرار لا تعتمد على مرونة سعر الصرف وحدها، بل تحتاج إلى زيادة موارد النقد الأجنبي من خلال تنمية الصادرات والسياحة، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وتعزيز تنافسية الصناعة المحلية، وتنويع مصادر الإيرادات الخارجية.
فالهدف ليس الوصول إلى سعر معين للدولار فحسب، وإنما بناء سوق أكثر كفاءة واقتصاد يمتلك موارد مستدامة وقدرة أكبر على مواجهة الصدمات.
ثالثًا: إدارة الدين وتعزيز كفاءة الإنفاق
تُعد إدارة الدين العام وتعزيز الحيز المالي من الركائز الأساسية للبرنامج؛ لما لهما من أثر مباشر في قدرة الدولة على تمويل التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والاستثمارات الضرورية.
ويتحقق ذلك من خلال تحسين إدارة الدين وتكلفة خدمته، ورفع كفاءة الإنفاق العام، وتوسيع القاعدة الضريبية عبر تحسين الالتزام ودمج الأنشطة غير الرسمية، دون تحميل المواطنين أعباء ضريبية جديدة، إلى جانب تعظيم العائد من أصول الدولة وترتيب الإنفاق وفقًا للأولويات والعائد الاقتصادي والاجتماعي.
كما أن الانضباط المالي ووضوح مسار الدين يساعدان على تعزيز الثقة في الاقتصاد، ويدعمان قدرة المؤسسات المصرفية والمستثمرين على تقييم المخاطر واتخاذ قرارات التمويل.
والأولوية ليست خفض الدين كرقم فقط، بل تحسين هيكله وتكلفة خدمته، وتوجيه الموارد إلى الاستخدامات الأعلى عائدًا، بما يتيح مساحة أكبر لتمويل التنمية وتحسين الخدمات.
رابعًا: الاستثمار المنتج ودور البنوك في دعم النمو
لا يتحقق التحول الاقتصادي بمجرد زيادة حجم الاستثمارات، بل بقدرتها على إضافة طاقات إنتاجية جديدة، وزيادة القيمة المضافة، ورفع الصادرات، وتوفير فرص عمل مستدامة.
وهنا يأتي دور القطاع المصرفي في دراسة الاحتياجات التمويلية للأنشطة الاقتصادية، وتقديم حلول تتناسب مع طبيعة كل مشروع وتدفقاته النقدية، مع مراعاة الجدارة الائتمانية والقدرة على السداد.
وتبرز أهمية دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ليس بالتمويل وحده، وإنما أيضًا بتعزيز الشمول المالي، وتطوير استخدام المدفوعات الرقمية، وتحسين الثقافة المالية، ومساعدة المشروعات على تنظيم معاملاتها وبناء سجلات مالية أكثر كفاءة.
كما يتطلب تحفيز الاستثمار تحسين بيئة الأعمال، وتيسير الإجراءات، وتوفير الطاقة والبنية الأساسية، وربط الحوافز الاستثمارية بنتائج ملموسة في الإنتاج والتشغيل والتصدير.
فكلما توسعت القاعدة الإنتاجية، زادت قدرة الاقتصاد على تلبية احتياجاته، وتوليد النقد الأجنبي، وتقليل تعرضه للتقلبات الخارجية.
خامسًا: المواطن هو المقياس الحقيقي للنجاح
رغم أهمية المؤشرات الكلية، مثل التضخم والدين والاستثمار والنمو، فإن المواطن يقيس النتائج من خلال قدرته الشرائية، وفرص العمل المتاحة، ومستوى دخله، وجودة الخدمات الصحية والتعليمية.
ومن منظور مصرفي، فإن تحسن النشاط الاقتصادي واستقرار الدخول وانتظام التدفقات النقدية ينعكس على قدرة الأفراد والمشروعات على الوفاء بالتزاماتهم، ويعزز الاستدامة المالية للقطاع المصرفي نفسه.
لذلك، ينبغي ألا يقتصر تقييم البرنامج على تحسن الأرقام، بل يمتد إلى قياس أثرها الفعلي على حياة المواطنين، مع وجود مستهدفات واضحة، ومسؤوليات محددة، ومؤشرات قابلة للقياس، وآليات متابعة وتقييم شفافة تتيح تصحيح المسار عند الحاجة.
الخلاصة: التمويل شريك في التنمية.. والإنتاج أساس الاستدامة
يمثل البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي فرصة للانتقال إلى نموذج أكثر اعتمادًا على الإنتاج والتصدير والاستثمار، مع تعزيز التنسيق بين السياسات الاقتصادية والقطاع المصرفي والقطاع الخاص.
والرهان الحقيقي ليس على توافر التمويل وحده، بل على توجيهه بكفاءة إلى أنشطة قادرة على خلق قيمة مضافة، وتوفير فرص عمل، وتعزيز تنافسية الاقتصاد. كما أن نجاح الإصلاح يرتبط بقدرتنا على تحويل الاستقرار الاقتصادي إلى نمو يشعر المواطن بأثره في حياته اليومية.
فالقطاع المصرفي شريك أساسي في تمويل التنمية، لكن الأثر الأكبر يتحقق عندما تتكامل السياسات الاقتصادية مع بيئة استثمار محفزة، وقطاع خاص منتج، وتنفيذ جاد يخضع للمتابعة والتقييم.
إن التحول الاقتصادي الحقيقي لا يُقاس بعدد القرارات أو حجم التمويل وحدهما، وإنما بقدرتنا على بناء اقتصاد أكثر إنتاجية واستقرارًا، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل، وتوفير حياة أفضل للمواطن المصري.









