الدكتور محمد محفوظ عمران يكتب : « عيون على الحقول والمنصات »

بين رمال الصحاري القاحلة وتحت أمواج البحرين الأبيض المتوسط والأحمر الهائجة، يقف رجال ونساء قطاع البترول المصري كجنود أوفياء في ميدان الشرف الإنتاجي. إنهم يعملون في ظروف قاسية تفتقد إلى أبسط سبل الراحة، بعيدًا عن أسرهم لأشهر، ويواجهون مخاطر الطبيعة وقسوتها، ليسجلوا ملحمة يومية من العطاء بصمت وإخلاص.
ومع ذلك، تطل علينا بين الحين والآخر أصوات غير منصفة تروّج لمفاهيم مغلوطة، متجاهلة حجم التضحيات الحقيقية، ومحاولة المساس بحقوق هؤلاء العاملين، وكأنهم ينعمون بمكتسبات خيالية ووهمية.
دور قطاع البترول
هو العصب النابض للاقتصاد الوطني. ولا يمكن لأحد أن ينكر الدور الاستراتيجي الذي يلعبه قطاع البترول، باعتباره أحد أهم أعمدة الاقتصاد القومي، ومصدرًا رئيسيًا للدخل الأجنبي، وعنصرًا أساسيًا في تأمين احتياجات الدولة من الطاقة.
إن هذا القطاع لم يكن يومًا عبئًا، بل كان ولا يزال شريان الحياة الذي يغذي خطط التنمية الصناعية والعمرانية في مصر. وخلف كل طاقة منتجة، وكل مصنع يعمل، وكل عجلة إنتاج تدور، يقف مهندس وفني وإداري ومالي يكرّس حياته لرفعة هذا الوطن واستقراره الاقتصادي.
الحقيقة الغائبة: القسوة في الحقول الصحراوية والبحرية
من السهل جدًا الجلوس خلف المكاتب وإطلاق الأحكام الجزافية، أو ترديد مقولات براقة عن رفاهية العامل البترولي، لكن الحقيقة على الأرض مختلفة تمامًا.
في الحقول البرية النائية، يعيش العاملون في درجات حرارة قاسية تحرق الوجوه، وسط الصحراء المترامية الأطراف، محرومين من مقومات الحياة الطبيعية، ومعرضين للمخاطر المهنية والجسدية على مدار الساعة.
أما في منصات البحر، فتواجه العمالة قسوة الطبيعة وتقلبات الأمواج والعزلة التامة عن العالم الخارجي لأيام وأسابيع طويلة، مناضلين من أجل استخراج قطرة بترول أو متر غاز لتدفئة البيوت وتشغيل المصانع.
هؤلاء الرجال والنساء ليسوا مترفين، بل هم عمالة محترفة تبذل دماءها وعرقها، وتستحق كل تقدير واحترام، لا تشكيكًا مستمرًا في حقوقها ومكتسباتها البسيطة التي تتآكل بفعل التضخم.
نزيف الكفاءات.. خطر الاستقالات الجماعية يهدد مستقبل القطاع
إن لغة الأرقام والواقع المعيشي تفرضان علينا دق ناقوس الخطر؛ فما يتردد عن رواتب خيالية لا يعدو كونه خرافة لا تمت إلى الواقع بصلة، في ظل الارتفاع الجنوني في تكاليف المعيشة، ونتيجة ضعف المرتبات مقارنة بحجم المجهود والمخاطر.
ويشهد قطاع البترول المصري، في الآونة الأخيرة، موجة نزيف غير مسبوقة من الاستقالات، شملت مختلف التخصصات؛ من الكوادر الفنية والهندسية التي تبحث عن فرص عادلة تقدر خبراتها في الخارج أو في قطاعات أخرى، إلى الكوادر الإدارية والمالية التي وجدت نفسها عاجزة عن تلبية أبسط متطلبات أسرها المعيشية.
ودفع ذلك بعضهم إلى مغادرة قطاع استراتيجي طالما افتخروا بالانتماء إليه. وإذا استمر هذا الوضع، فسيؤدي حتمًا إلى تفريغ القطاع من خبراته الحقيقية، وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا لاستمرارية وكفاءة المشروعات البترولية الكبرى.
رسالة وفاء ونداء عاجل
إن المساس بحقوق العاملين في قطاع البترول، أو محاولة تصويرهم زورًا على أنهم ينالون ما لا يستحقون، هو إجحاف بحق وطني صريح.
هؤلاء العاملون هم أبناء مصر الأوفياء الذين يستحقون الدعم والتحفيز والحماية الاجتماعية، لا التضييق أو التشكيك.
لذا، فإننا نتوجه بنداء عاجل إلى أصحاب القرار والمسؤولين:
نرجو عدم المساس بحقوق عمال البترول المصريين. إن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الاستثمار في العنصر البشري، وحماية الكفاءات الفنية والمالية والإدارية من هجرة تدمر المستقبل.
ارحموا من في الحقول، وقدّروا تعبهم، واعملوا على تحسين أجورهم الحقيقية بما يتلاءم مع حجم العطاء والتضحيات، حفاظًا على عصب الاقتصاد الوطني ومقدرات هذا الوطن العزيز.









