النفط يتجاوز 100 دولار.. التصعيد الأمريكي الإيراني يهدد بإشعال التضخم

واصلت أسعار النفط ارتفاعها خلال تعاملات الأربعاء، ليتجاوز خام برنت العالمي مستوى 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ نحو ثلاثة أشهر ونصف، وسط تصاعد المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وتزايد المخاوف بشأن إمدادات الخام وحركة الناقلات عبر مضيق هرمز.
وفي الساعة 14:00 بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت تسليم نوفمبر بنسبة 3.2% إلى 101.06 دولار للبرميل، متجاوزة مستوى 100 دولار للمرة الأولى منذ 26 مايو، بينما صعدت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط تسليم أكتوبر بنسبة 3.1% إلى 95.88 دولار للبرميل.
وحقق الخامان مكاسب تتجاوز 5% خلال تعاملات الأسبوع، في ظل استمرار التصعيد العسكري بين واشنطن وطهران، وتحول أزمة الطاقة إلى عامل جديد يضغط على توقعات التضخم والسياسة النقدية الأمريكية.
التصعيد الأمريكي الإيراني يقود قفزة النفط
ولم تظهر المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران مؤشرات واضحة على التراجع، بعدما تصاعدت حدة التوترات خلال الأسبوع الماضي، عقب فترة شهدت اتجاهاً نحو الضغوط الاقتصادية والعقوبات بدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة.
وقال خوسيه توريس، كبير الاقتصاديين في شركة «إنتراكتيف بروكرز»، إن عودة الضربات المباشرة جاءت بصورة مفاجئة للمستثمرين، بعد أسابيع من الاعتقاد بأن واشنطن وطهران تتجهان نحو مواجهة تقوم على العزلة والضغوط السياسية والعقوبات الاقتصادية.
وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية، الثلاثاء، تدمير خمس ناقلات نفط خام إيرانية، في خطوة قالت واشنطن إنها جاءت رداً على استهداف الحرس الثوري الإيراني سفينة حربية تابعة للبحرية الأمريكية.
وفي المقابل، ذكرت وسائل إعلام إيرانية رسمية أن طهران ردت باستهداف سفينتين أمريكيتين وثماني ناقلات نفط وعشر سفن مدعومة من الولايات المتحدة، إلى جانب قاعدة عسكرية أمريكية في الأردن.
وأفاد مسؤولون أردنيون باعتراض 18 صاروخاً من أصل 20 صاروخاً إيرانياً، بينما سقط الصاروخان الآخران في مناطق غير مأهولة.
مضيق هرمز يتحول إلى نقطة اختناق
وتزامن التصعيد العسكري مع تراجع تدفقات النفط عبر مضيق هرمز إلى مستويات قياسية منخفضة، ما عزز المخاوف بشأن قدرة الأسواق على استيعاب أي اضطراب إضافي في حركة الإمدادات.
ووفقاً لموقع «تانكر تراكرز»، فإن ناقلات النفط الإيرانية الخمس التي استهدفتها الولايات المتحدة نقلت مجتمعة نحو 45 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات المكررة منذ مايو 2019.
وتكتسب التطورات أهمية خاصة بسبب الدور المحوري لمضيق هرمز في تجارة الطاقة العالمية، إذ إن استمرار القيود على حركة الناقلات قد يرفع علاوة المخاطر على أسعار النفط ويزيد تكلفة الشحن والطاقة.
واشنطن تستبعد نهاية سريعة للمواجهات
وتراجعت الآمال في التوصل إلى تسوية سريعة للصراع، بعدما أشار وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، خلال زيارة إلى كولومبيا، إلى أن الضربات المتبادلة من غير المرجح أن تتوقف قريباً.
وحذر روبيو إيران من أن استهداف السفن الحربية الأمريكية سيترتب عليه فقدان المزيد من ناقلات النفط.
وتزيد هذه التصريحات من مخاوف الأسواق بشأن استمرار المخاطر الجيوسياسية، خصوصاً إذا امتدت المواجهة إلى منشآت الطاقة أو طرق التصدير الرئيسية في المنطقة.
النفط يضغط على الفيدرالي الأمريكي
ولا تتوقف تداعيات صعود النفط عند سوق الطاقة، إذ بدأ ارتفاع أسعار الخام في التأثير على توقعات المستثمرين بشأن أسعار الفائدة الأمريكية.
ويترقب المستثمرون بيانات التضخم الأمريكية، وفي مقدمتها مؤشر أسعار المنتجين لشهر أغسطس، المقرر صدوره الخميس، ومؤشر أسعار المستهلكين المقرر صدوره الجمعة.
وقد تؤدي قراءات التضخم الأعلى من المتوقع، بالتزامن مع استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، إلى زيادة الضغوط على مجلس الاحتياطي الفيدرالي للإبقاء على السياسة النقدية مشددة أو حتى رفع أسعار الفائدة.
وقالت مجموعة «بيسبوك للاستثمار» إن بقاء أسعار الخام عند المستويات الحالية أو ارتفاعها مجدداً سيضع ضغوطاً صعودية على مؤشر أسعار المستهلكين، وبالتالي على مسار أسعار الفائدة.
4.63 مليار دولار فاتورة إضافية أسبوعياً
وامتدت تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة إلى المستهلكين والشركات في الولايات المتحدة، مع وصول أسعار الديزل إلى مستويات قياسية واقترابها من 6 دولارات للجالون.
وقال باتريك دي هان، رئيس قسم تحليل البترول في «جاز بادي»، إن ارتفاع سعر الديزل بنحو 2.25 دولار للجالون مقارنة بالعام الماضي يعني أن الشركات الأمريكية تدفع نحو 284 مليون دولار إضافية يومياً.
وأضاف أن ارتفاع سعر البنزين بنحو 1.02 دولار للجالون مقارنة بالعام الماضي يحمّل المستهلكين نحو 377 مليون دولار إضافية يومياً.
وبحسب هذه التقديرات، تصل الزيادة الإضافية في تكلفة الوقود بالنسبة للشركات والمستهلكين إلى نحو 4.63 مليار دولار أسبوعياً.
إدارة معلومات الطاقة ترفع توقعاتها لبرنت
وفي تطور منفصل، رفعت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية توقعاتها لمتوسط سعر خام برنت خلال النصف الثاني من العام إلى نحو 90 دولاراً للبرميل.
وكانت الإدارة قد توقعت في وقت سابق متوسطاً يبلغ نحو 85 دولاراً للبرميل خلال الربع الثالث.
وتتوقع إدارة معلومات الطاقة ارتفاع إنتاج النفط في الشرق الأوسط خلال الأشهر المقبلة، مع زيادة تدريجية في تدفقات الخام عبر مضيق هرمز واستخدام طرق بديلة لتصدير النفط من المنطقة.
لكن الإدارة تتوقع استمرار بعض القيود على صادرات النفط من الشرق الأوسط حتى نهاية العام، بما يبقي إنتاج الخام في المنطقة دون متوسطات ما قبل النزاع حتى الربع الثاني من عام 2027.
معركة النفط تتحول إلى أزمة تضخم
وتكشف التطورات الحالية عن تحول سوق النفط إلى حلقة ضغط جديدة على الاقتصاد العالمي، بعدما تجاوز برنت مستوى 100 دولار تحت تأثير المخاطر الجيوسياسية.
فارتفاع النفط يرفع تكاليف النقل والإنتاج، ويزيد أعباء الشركات والمستهلكين، كما يهدد بإعادة تسريع التضخم في وقت تراقب فيه الأسواق قرارات البنوك المركزية بشأن أسعار الفائدة.
وتكمن الخطورة الأكبر في استمرار التصعيد لفترة طويلة، لأن ارتفاع الأسعار عند مستويات مرتفعة قد يحول صدمة مؤقتة في سوق الطاقة إلى ضغط تضخمي أكثر استدامة.
وبذلك أصبحت أسعار النفط أمام معادلة أكثر تعقيداً: فكل تصعيد جديد بين الولايات المتحدة وإيران يرفع علاوة المخاطر على الخام، بينما يراقب المستثمرون في الوقت نفسه تأثير النفط على التضخم وأسعار الفائدة والدولار.









