اليوان الصيني يقفز لأعلى مستوى في 3 سنوات ونصف.. وبنك الشعب يتحرك لكبح الصعود

ارتفع اليوان الصيني إلى 6.7050 يوان للدولار خلال تعاملات الاثنين، مسجلًا أقوى مستوى له في نحو ثلاث سنوات ونصف، بدعم من ضعف الطلب على الدولار، بينما أظهرت تحركات بنك الشعب الصيني رغبة واضحة في إدارة سرعة صعود العملة وعدم السماح بتسارع مكاسبها بصورة أكبر.

ووصل اليوان في التعاملات المبكرة إلى أعلى مستوى له منذ فبراير 2023، قبل أن يتراجع إلى نحو 6.7125 يوان للدولار، في وقت تحركت فيه العملة الصينية قرب مستويات قوية مقابل الدولار، بينما ظل مؤشر الدولار مستقرًا إلى حد كبير.

اليوان عند أقوى مستوى منذ فبراير 2023

تعكس مكاسب اليوان تحولًا مهمًا في سوق الصرف الصينية، بعدما ارتفعت العملة المحلية إلى مستويات لم تسجلها منذ أكثر من ثلاث سنوات.

وسجل اليوان الفوري 6.7050 مقابل الدولار في التعاملات المبكرة، قبل أن يتراجع إلى 6.7125، في حين جرى تداول اليوان في السوق الخارجية عند نحو 6.7113 يوان للدولار.

وبحسب البيانات المتاحة، ارتفع اليوان الفوري بنحو 4.19% منذ بداية العام، بينما بلغت مكاسبه في السوق الخارجية نحو 3.95%.

بنك الشعب الصيني يرسل إشارة لتهدئة صعود اليوان

في المقابل، بدا بنك الشعب الصيني أكثر حذرًا تجاه سرعة ارتفاع العملة.

وحدد البنك المركزي سعر الصرف الاسترشادي اليومي عند 6.7795 يوان للدولار، وهو مستوى جاء أضعف بنحو 709 نقاط عن تقديرات السوق، وفق استطلاع أجرته رويترز.

ويمثل هذا الفارق إشارة مهمة إلى أن البنك المركزي الصيني لا يريد ترك اليوان يرتفع بالسرعة التي قد تدفع إليها قوى السوق.

ويُسمح لليوان الفوري بالتحرك داخل نطاق يبلغ 2% صعودًا أو هبوطًا حول السعر الاسترشادي الذي يحدده بنك الشعب الصيني يوميًا.

وتشير تحليلات المتعاملين إلى أن البنك المركزي يواصل تدريجيًا تعزيز توجيهاته الرسمية للعملة، لكنه يفعل ذلك عند مستويات أضعف من توقعات السوق، في محاولة لإدارة وتيرة صعود اليوان بدلًا من وقف ارتفاعه بصورة مباشرة.

لماذا تتحفظ الصين على قوة اليوان؟

لا تعني قوة العملة الصينية بالضرورة أن بكين تريد صعودها بلا حدود.

فارتفاع اليوان بصورة سريعة قد يضغط على القدرة التنافسية للصادرات الصينية، إذ يجعل السلع والخدمات المقومة باليوان أكثر تكلفة نسبيًا في الأسواق الخارجية.

وفي المقابل، فإن قوة اليوان تساعد على خفض تكلفة الواردات وتخفيف الضغوط الناتجة عن أسعار السلع المقومة بالدولار.

لذلك تبدو سياسة بنك الشعب أقرب إلى إدارة سعر الصرف منها إلى الدفاع عن مستوى محدد للعملة.

وقال جيف يو، كبير استراتيجيي الأسواق لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في بنك نيويورك، إن قوة اليوان تجذب اهتمامًا رسميًا متزايدًا، وهو ما ينعكس في الطريقة التي يتم بها تحديد السعر الاسترشادي اليومي للدولار مقابل اليوان.

البنوك الصينية تتحرك في اتجاه معاكس

وتأتي تحركات البنك المركزي في الوقت الذي اتخذت فيه البنوك الصينية خطوات قد تساعد على الحد من سرعة ارتفاع اليوان.

وبحسب تقرير لرويترز، رفعت البنوك الصينية أسعار الفائدة على الودائع المقومة بالدولار خلال الأشهر الماضية، كما اتجهت إلى شراء سندات الخزانة الأمريكية.

وتشير هذه التحركات إلى رغبة المؤسسات المالية الصينية في الاحتفاظ بجزء أكبر من الأصول الدولارية، خصوصًا في ظل ارتفاع عوائد السندات الأمريكية.

وقد يؤدي ذلك إلى زيادة الطلب على الدولار داخل النظام المالي الصيني، وبالتالي الحد من سرعة ارتفاع اليوان.

الدولار ينتظر بيانات التضخم الأمريكية

وفي الجانب الآخر من المعادلة، لم يشهد مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأمريكية أمام سلة من ست عملات رئيسية، تغيرًا يُذكر، ليستقر قرب 99.17.

ويراقب المستثمرون هذا الأسبوع بيانات التضخم الأمريكية بحثًا عن إشارات جديدة بشأن المسار المقبل لأسعار الفائدة الأمريكية.

وتكتسب بيانات مؤشر أسعار المستهلكين أهمية خاصة بعد صدور تقرير قوي للوظائف غير الزراعية، وهو ما عزز توقعات الأسواق بإمكانية رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في سبتمبر.

وقال محللون في شركة أورينت للأوراق المالية إن قوة سوق العمل رفعت توقعات رفع الفائدة الأمريكية، لكن بيانات التضخم المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان هذا السيناريو سيترسخ.

فجوة التوجيه تكشف استراتيجية بكين

ويكشف الفارق الكبير بين السعر الاسترشادي الذي حدده بنك الشعب وتقديرات السوق عن نقطة جوهرية في السياسة النقدية الصينية.

فبكين لا تبدو في عجلة من أمرها لمجاراة قوة اليوان بالكامل، رغم أن العملة تستفيد من ضعف الدولار وتحسن تدفقات رأس المال.

وتشير هذه الاستراتيجية إلى أن البنك المركزي يريد السماح للعملة بمواصلة التحرك وفق أساسيات السوق، لكن بوتيرة يمكن السيطرة عليها.

ويكتسب ذلك أهمية أكبر في ظل حساسية الاقتصاد الصيني تجاه الصادرات، وتنافسية الشركات المحلية، وتدفقات رؤوس الأموال عبر الحدود.

اليوان أمام اختبار جديد

وتضع هذه التطورات اليوان أمام معادلة دقيقة خلال الفترة المقبلة.

فإذا استمر ضعف الدولار وتراجعت توقعات الفائدة الأمريكية، فقد يظل اليوان تحت ضغط صعودي إضافي.

لكن استمرار تدخل بنك الشعب عبر تحديد سعر استرشادي أكثر تحفظًا، إلى جانب زيادة جاذبية الأصول الدولارية لدى البنوك الصينية، قد يحد من سرعة هذا الصعود.

والرسالة الأهم من تحركات الاثنين هي أن بنك الشعب الصيني لا يقاوم قوة اليوان بشكل مباشر، لكنه يحاول منعها من التحول إلى ارتفاع سريع يصعب التحكم في تداعياته على الاقتصاد والتجارة الخارجية.

وبذلك يتحول مستوى 6.70 يوان للدولار إلى محطة مهمة لأسواق الصرف، ليس فقط باعتباره أقوى مستوى للعملة الصينية منذ 2023، وإنما باعتباره اختبارًا لقدرة بكين على تحقيق التوازن بين دعم اليوان والحفاظ على تنافسية الاقتصاد الصيني.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى