بعد منصة «العربي–مالبن».. مصر وجنوب إفريقيا توسعان خريطة التصنيع المشترك إلى الحديد والأدوية

تتحرك مصر وجنوب إفريقيا نحو مرحلة جديدة من التكامل الصناعي، بعد أن تحولت الشراكة بين البلدين في قطاع السيارات من مجرد مباحثات إلى خطوات عملية، أبرزها اتفاق مجموعة العربي المصرية وشركة «مالبن للهندسة» الجنوب إفريقية لإنشاء منصة مشتركة لتصنيع مكونات السيارات.

وتفتح هذه الخطوة الباب أمام توسيع التعاون إلى قطاعات أخرى تشمل الصناعات الدوائية، والحديد والصلب، وسبائك المنجنيز، والتصنيع الزراعي، والبنية التحتية والمناطق اللوجستية، وفق ما جرى بحثه بين المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، ومابو باركس تاو، وزير التجارة والصناعة والمنافسة الجنوب إفريقي.

وجاء اللقاء بعد أيام من منتدى الاستثمار في قطاع السيارات الإفريقي بمدينة العلمين، الذي شهد أيضًا توقيع بروتوكول إطلاق مجلس الأعمال المصري الجنوب إفريقي، بما يمنح القطاع الخاص قناة جديدة لدفع المشروعات المشتركة.

السيارات أول بوابة للشراكة الصناعية

تتصدر صناعة السيارات ومكوناتها مسار التعاون الجديد بين القاهرة وبريتوريا.

وأكد خالد هاشم أن وزارة الصناعة تعمل على جذب شركات السيارات والصناعات المغذية للتصنيع في مصر، بهدف تلبية احتياجات السوق المحلية وفتح المجال أمام التصدير إلى الأسواق الخارجية.

وتشمل التحركات المصرية تعميق التصنيع المحلي لمكونات السيارات، مع التركيز على صناعات مثل إطارات السيارات وبطاريات السيارات الكهربائية، إلى جانب بحث التعاون في اختبارات واعتمادات السيارات ومكوناتها.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية في ظل توجه مصر إلى زيادة الإنتاج المحلي من السيارات وتعميق نسبة المكون المحلي، بما يسمح بربط الصناعة المصرية بسلاسل القيمة الأفريقية. وكانت وزارة الصناعة قد أعلنت في وقت سابق استهداف الوصول إلى إنتاج 100 ألف سيارة سنويًا بحلول 2030.

«العربي–مالبن».. أول مشروع عملي

لم يعد التعاون في مكونات السيارات مجرد فكرة على طاولة المفاوضات.

ففي ختام منتدى الاستثمار في قطاع السيارات الإفريقي بالعلمين، وقعت مجموعة العربي اتفاقية مع شركة «مالبن للهندسة» الجنوب إفريقية لإنشاء منصة صناعية مشتركة لتصنيع مكونات السيارات.

وتستهدف المنصة الجديدة دعم التصنيع المحلي وربط الشركات المصرية والجنوب إفريقية، بما يمكن أن يخلق قاعدة إنتاجية تخدم السوق المصرية وتمتد إلى الأسواق الأفريقية.

ويمثل المشروع بذلك نموذجًا لما يمكن أن يتحول إليه التعاون بين البلدين، من تبادل تجاري إلى إنتاج مشترك واستثمارات صناعية عابرة للحدود.

مجلس الأعمال يفتح الباب أمام القطاع الخاص

بالتوازي مع مشروع «العربي–مالبن»، شهد المنتدى توقيع بروتوكول إطلاق مجلس الأعمال المصري الجنوب إفريقي.

وتكمن أهمية المجلس في قدرته على تحويل فرص التعاون التي تحددها الحكومتان إلى مشروعات يشارك فيها مجتمع الأعمال من الجانبين.

كما طُرحت إمكانية تشكيل لجنة مشتركة بين الوزارتين تنبثق عن المجلس، بهدف متابعة المشروعات المشتركة والعمل على إزالة العقبات التي قد تواجه المستثمرين.

وهنا تنتقل الشراكة من المستوى الحكومي إلى مستوى أكثر ارتباطًا بحركة الاستثمار الفعلية.

الحديد وسبائك المنجنيز.. تعاون يتجاوز السيارات

لا تتوقف خريطة التعاون عند قطاع السيارات.

فخالد هاشم طرح إمكانية إقامة مشروعات مشتركة في الحديد والصلب وسبائك المنجنيز، باعتبار الأخيرة من المدخلات المهمة لصناعة الحديد والصلب والصناعات الثقيلة.

ويستهدف هذا المسار تعظيم الاستفادة من الثروات المعدنية المتاحة في البلدين، بدلًا من الاكتفاء بتصدير الخامات، من خلال تحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة أعلى.

وهذا يتوافق مع أحد المحاور الرئيسية لاستراتيجية الصناعة المصرية، وهو تعميق التصنيع وزيادة القيمة المضافة المحلية.

الأدوية والتصنيع الزراعي يدخلان خريطة التعاون

وشملت المباحثات كذلك فرص التعاون في الصناعات الدوائية والتصنيع الزراعي.

ويمثل قطاع الدواء مجالًا مهمًا للتعاون الصناعي، خصوصًا مع توجه مصر إلى جذب استثمارات جديدة في الصناعات الدوائية وتوطين التكنولوجيا والمكونات الإنتاجية.

وكانت مباحثات سابقة بين الجانبين قد تناولت قدرات جنوب إفريقيا في صناعات السيارات والأدوية، إلى جانب أهمية تطوير التعاون الصناعي بين البلدين.

أما التصنيع الزراعي، فيفتح مجالًا آخر أمام التكامل بين الموارد والإنتاج والأسواق، خصوصًا مع اتساع نطاق التجارة البينية الأفريقية.

المناطق اللوجستية تكمل المعادلة

التوسع الصناعي يحتاج إلى شبكة نقل وتخزين وتوزيع قادرة على استيعاب حركة السلع بين الأسواق.

ولهذا شملت المباحثات إقامة وتطوير المناطق اللوجستية والبنية التحتية، بما يدعم حركة المنتجات الصناعية بين مصر وجنوب إفريقيا وباقي الأسواق الأفريقية.

وتزداد أهمية هذا الجانب مع تطبيق اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية «AfCFTA»، التي تستهدف تعزيز التجارة البينية وزيادة اندماج الاقتصادات الأفريقية.

مصر تستهدف تحويل موقعها إلى قاعدة تصدير

بالنسبة لمصر، فإن جذب شركات مكونات السيارات والصناعات الاستراتيجية لا يرتبط بالسوق المحلية فقط.

فالهدف الأوسع هو الاستفادة من موقع مصر وشبكة اتفاقاتها التجارية لتطوير قاعدة إنتاج قادرة على الوصول إلى الأسواق الأفريقية والخارجية.

ومن هنا تأتي أهمية التعاون مع جنوب إفريقيا، التي تمتلك قاعدة صناعية قوية في قطاع السيارات، إذ وصف وزير التجارة والصناعة والمنافسة الجنوب إفريقي بلاده بأنها أكبر دولة مصنعة ومصدرة للسيارات في أفريقيا، مع تأكيد أهمية استكمال مفاوضات مذكرة التفاهم الخاصة بتطوير صناعة السيارات بين البلدين.

شراكة من التجارة إلى سلاسل القيمة

التحول الأهم في هذه الشراكة لا يتعلق بعدد القطاعات التي يجري بحثها فقط، وإنما بطبيعة التعاون نفسه.

فبدلًا من التركيز على تبادل السلع، تتحرك مصر وجنوب إفريقيا نحو بناء سلاسل قيمة صناعية مشتركة تبدأ من الخامات والمدخلات، وتمتد إلى التصنيع والتجميع ثم التصدير.

ويظهر قطاع السيارات بوضوح كاختبار مبكر لهذا النموذج، مع منصة «العربي–مالبن» ومجلس الأعمال المشترك.

وإذا نجحت هذه التجربة في الانتقال من الاتفاقات إلى مشروعات إنتاجية فعلية، فقد تصبح نموذجًا يمكن تكراره في قطاعات أخرى مثل الحديد والدواء والتصنيع الزراعي.

والمباحثات المصرية الجنوب إفريقية تضع التكامل الصناعي أمام اختبار التنفيذ.

فالخطوة التالية لن تكون إعلان مجالات التعاون، وإنما تحويلها إلى استثمارات ومصانع ومكونات يتم إنتاجها فعليًا، مع إزالة العقبات أمام حركة التجارة وربط الشركات المصرية والجنوب إفريقية.

وبدءًا من منصة «العربي–مالبن»، يبدو أن قطاع السيارات أصبح أول نقطة اختبار لهذا المسار.

أما نجاح التجربة في قطاعات الحديد والصلب والأدوية والتصنيع الزراعي واللوجستيات، فسيتوقف على قدرة البلدين على تحويل التفاهمات الحكومية إلى مشروعات قابلة للتنفيذ وسلاسل إنتاج تخدم الأسواق المصرية والأفريقية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى