بنوتة مصرية تكتب :« ماسبيرو.. حين يصبح الصوت درعًا للوطن »

في زمن تتغير فيه خرائط النفوذ وتتعاظم فيه حروب المعلومات والشائعات والتأثير النفسي، لم تعد قوة الدول تُقاس فقط بما تمتلكه من جيوش أو معدات أو قدرات اقتصادية، بل بما تمتلكه من قدرة على حماية الوعي وصناعة الانتماء وتشكيل الرأي العام.
ومن هنا تبرز قيمة الإذاعة المصرية وماسبيرو، ذلك الصرح الوطني الذي لم يكن يومًا مجرد مؤسسة إعلامية أو مجموعة استوديوهات للبث، بل كان ولا يزال أحد أهم حصون الهوية المصرية والعربية والإفريقية، وأحد أبرز أدوات القوة الناعمة التي صنعت لمصر مكانتها الإقليمية لعقود طويلة.
لقد خاضت مصر حروبًا عسكرية انتصرت فيها قواتها المسلحة الباسلة، وخاضت معارك استخباراتية عظيمة سطرتها أجهزة الدولة الوطنية، لكنها في الوقت نفسه خاضت معارك الوعي والكلمة والانتماء عبر ميكروفون الإذاعة وشاشة ماسبيرو، فكان الصوت المصري حاضرًا في كل بيت، وفي كل قرية، وفي كل عاصمة عربية وإفريقية.
من هنا بدأ صوت مصر
في الحادي والثلاثين من مايو عام 1934 انطلقت الإذاعة المصرية لتكون أول إذاعة وطنية رسمية في المنطقة العربية، حاملة رسالة التنوير والثقافة والمعرفة.
ومنذ ذلك التاريخ ارتبطت ذاكرة المصريين بصوت الإذاعة؛ فمن خلالها عرفوا الأخبار، واستمعوا إلى كبار المفكرين والعلماء والأدباء، وتربوا على قيم الوطنية والانتماء.
ثم جاء افتتاح مبنى ماسبيرو عام 1960 ليصبح أكبر قلعة إعلامية في الشرق الأوسط وإفريقيا، ومنارة ثقافية وسياسية حملت اسم مصر إلى آفاق واسعة من العالم.
إذاعات صنعت وجدان الأمة
إذاعة القرآن الكريم
منذ انطلاقها عام 1964 أصبحت مدرسة عالمية لنشر صحيح الدين الإسلامي ومنهج الأزهر الشريف الوسطي المعتدل، وحفظت للأجيال تراث كبار القراء المصريين الذين أصبحوا سفراء للقرآن الكريم في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
إذاعة صوت العرب
لم تكن مجرد محطة إذاعية، بل كانت مشروعًا قوميًا حمل صوت مصر إلى الأمة العربية، ودعمت قضايا التحرر الوطني، وساندت الشعوب العربية في نضالها ضد الاستعمار، حتى أصبحت أحد أبرز رموز التأثير المصري في القرن العشرين.
إذاعة القاهرة
كانت وما زالت نافذة مصر الثقافية والحضارية إلى العالم، وقدمت صورة راقية للمجتمع المصري، وأسهمت في نشر الثقافة والفنون واللغة العربية، وربطت بين مصر وأشقائها العرب وجيرانها الأفارقة.
صوت فلسطين
مثلت على مدار سنوات طويلة منصة إعلامية داعمة للحق الفلسطيني، ورسخت في وجدان الأجيال أن القضية الفلسطينية ستظل قضية مركزية للأمة العربية، وأن مصر كانت وستظل داعمة لحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة.
الإذاعات الموجهة باللغات الأجنبية والإفريقية
ربما لا يعرف كثيرون أن الإذاعة المصرية خاطبت العالم بعشرات اللغات المختلفة، من الإنجليزية والفرنسية إلى لغات إفريقية وآسيوية متعددة، لتكون جسرًا للتواصل الحضاري، ورسولًا للثقافة المصرية، وأداة فاعلة لتعزيز العلاقات مع الشعوب والدول.
الأمن القومي لا تحميه الحدود فقط
الأمن القومي لا يبدأ عند الحدود وينتهي عندها، بل يبدأ من عقل المواطن ووعيه وانتمائه.
فكم من دولة امتلكت السلاح لكنها خسرت معركة الوعي.
وكم من شعوب تعرضت للتفكك بسبب حملات إعلامية ممنهجة استهدفت هويتها وثقتها بنفسها.
لقد لعبت الإذاعة المصرية وماسبيرو دورًا تاريخيًا في مواجهة الشائعات، وترسيخ الانتماء الوطني، والدفاع عن ثوابت الدولة المصرية، وتقديم خطاب عقلاني ومتوازن في أوقات الأزمات.
ولهذا فإن النظر إلى ماسبيرو بمنطق الأرباح والخسائر فقط يمثل ظلمًا لتاريخ مؤسسة أدت وما زالت تؤدي دورًا استراتيجيًا يتجاوز الحسابات التجارية الضيقة.
فالقيمة الحقيقية لماسبيرو ليست في ميزانيته، بل في تأثيره، وفي ما يحمله من رصيد ثقة وتاريخ وذاكرة وطنية لا تُقدر بثمن.
هل يُعقل أن تتخلى مصر عن أحد أهم أسلحتها الناعمة؟
في الوقت الذي تنفق فيه دول العالم المليارات لبناء مؤسسات إعلامية دولية تخاطب الشعوب وتؤثر في الرأي العام العالمي، تمتلك مصر بالفعل مؤسسة عريقة ذات تاريخ وتأثير وصدقية تراكمت عبر أكثر من تسعين عامًا.
إن المطلوب ليس التفريط في ماسبيرو أو تهميشه، وإنما إعادة إحيائه وتطويره وتحديث أدواته التقنية والرقمية، والاستفادة من كوادره وخبراته التاريخية، ليعود لاعبًا رئيسيًا في معركة الوعي التي لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى تخوضها الدولة المصرية.
رسالة إلى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي
فخامة الرئيس/ عبد الفتاح السيسي،
لقد أكدتم مرارًا أن بناء الإنسان المصري وحماية الوعي الوطني يمثلان ركيزة أساسية من ركائز الجمهورية الجديدة.
ومن هذا المنطلق نتطلع إلى استمرار دعم الدولة المصرية لماسبيرو والإذاعة المصرية، باعتبارهما جزءًا أصيلًا من القوة الناعمة المصرية ومن أدوات الحفاظ على الهوية الوطنية وتعزيز الانتماء.
إن ماسبيرو ليس مجرد مبنى على ضفاف النيل، بل ذاكرة وطن، ومدرسة أجيال، وصوت دولة، وجسر تواصل مع المحيط العربي والإسلامي والإفريقي.
وفي عالم تعلو فيه أصوات البنادق والمدافع والصراعات، تبقى الكلمة الوطنية الصادقة أحد أقوى الأسلحة التي تمتلكها الأمم.
فحافظوا على ماسبيرو… لأن مصر التي عرفت قيمة الكلمة، تدرك أن الصوت الوطني الحر قد يكون أحيانًا أقوى أثرًا وأبقى نفوذًا من ضجيج السلاح.
عاشت مصر قويةً بهويتها، راسخةً بمؤسساتها، شامخةً بقوتها الناعمة، كما هي شامخة بقواتها المسلحة وبجميع مؤسساتها الوطنية.









