جورجيفا تحذر: طفرة الذكاء الاصطناعي قد تغذي التضخم وتهدد الاستقرار المالي

حذرت كريستالينا جورجيفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، من أن الطفرة العالمية في الاستثمار بالذكاء الاصطناعي تحمل مخاطر تتجاوز اضطراب سوق العمل، لتشمل التضخم والاستقرار المالي والأمن السيبراني، في وقت لا يزال فيه حجم المكاسب الإنتاجية التي ستولدها التكنولوجيا غير محسوم.

وتتمثل المفارقة الأساسية في أن طفرة الذكاء الاصطناعي تدعم الطلب والاستثمار في الأجل القصير، لكنها قد تتحول إلى مصدر لاضطرابات اقتصادية ومالية إذا جاءت الأرباح والإنتاجية دون التوقعات، أو اندفعت الأسواق إلى إعادة تقييم استثماراتها بصورة حادة.

وفي تحذيراتها خلال اجتماعات صندوق النقد والبنك الدولي في بانكوك، شددت جورجيفا على ضرورة وضع ضوابط تواكب التطور السريع للتكنولوجيا، محذرة من أن المخاطر قد تفوق المنافع إذا غابت إجراءات الحماية والأطر الأخلاقية والتنظيمية المناسبة.

طفرة الذكاء الاصطناعي ترفع الطلب.. والتضخم يدخل المعادلة

ترى جورجيفا أن طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي تعمل حاليًا بوصفها صدمة إيجابية للطلب، إذ تدفع الشركات إلى ضخ أموال كبيرة في مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية الرقمية، وتدعم النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة وعدد من الاقتصادات الآسيوية الموردة للمكونات التقنية.

وتتجاوز آثار هذه الطفرة شركات التكنولوجيا وحدها، مع انتقالها إلى الطلب على الطاقة والمعدات وسلاسل الإمداد، بالتزامن مع ضغوط أخرى مرتبطة بتكاليف الغذاء والطاقة والإنفاق الدفاعي.

كما يؤدي ارتفاع تقييمات الأسهم إلى تعزيز ثروة المستثمرين وقدرتهم على الإنفاق، بما يضيف عاملًا آخر إلى الطلب الكلي، في وقت تزداد فيه أهمية السلع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في التجارة الدولية.

لكن الأثر التضخمي لا يبدو محسومًا على المدى الطويل؛ إذ ينقسم الاقتصاديون بين من يتوقع استمرار ضغوط الأسعار بفعل زيادة الطلب والإنفاق، ومن يرجح أن تؤدي الأتمتة وتحسين الكفاءة التشغيلية إلى خفض التكاليف مستقبلًا.

ولم يتخذ صندوق النقد الدولي موقفًا نهائيًا بشأن المحصلة التضخمية طويلة الأجل، في ظل اختلاف تأثير التكنولوجيا بين الاقتصادات والقطاعات.

مكاسب الإنتاجية لم تتحقق بالكامل بعد

رغم التدفقات الضخمة إلى قطاع الذكاء الاصطناعي، تظل قدرة هذه الاستثمارات على إنتاج مكاسب مستدامة في الإنتاجية والنمو هي الاختبار الأهم.

فإذا تحققت مكاسب الكفاءة بالسرعة والحجم المتوقعين، فقد تساعد التكنولوجيا في زيادة الإنتاج وخفض بعض تكاليف التشغيل. أما إذا جاءت النتائج أقل من التوقعات، فقد تتعرض الشركات التي بنت خططها الاستثمارية على نمو سريع في الإيرادات والأرباح لضغوط كبيرة.

ويحذر صندوق النقد من أن أي تراجع حاد في تقييمات أصول الذكاء الاصطناعي قد يمتد إلى الأسواق العالمية، خصوصًا مع تركز الاستثمارات وتزايد الاقتراض والروابط المالية بين الشركات الكبرى ومطوري النماذج المتقدمة.

وهنا يكمن أحد أهم مصادر القلق: أن تتحول موجة الاستثمار التي تدعم النمو حاليًا إلى قناة لنقل الخسائر والاضطرابات إلى قطاعات وأسواق أخرى.

3 مخاطر تضع الاستقرار المالي أمام اختبار جديد

تتركز المخاطر التي تثير القلق بشأن طفرة الذكاء الاصطناعي في ثلاثة مسارات رئيسية:

أولًا: تراجع مفاجئ في الاستثمارات. إذا خيبت الإيرادات والأرباح آمال المستثمرين، فقد تتراجع تقييمات الأسهم وتنكمش الاستثمارات في البنية التحتية ومراكز البيانات، مع انتقال الأثر إلى الشركات والممولين المرتبطين بالقطاع.

ثانيًا: تصاعد التهديدات السيبرانية. تتيح أدوات الذكاء الاصطناعي اكتشاف الثغرات الرقمية واستغلالها بسرعة أكبر، وهو ما يزيد أهمية حماية البنية التحتية المالية وأنظمة المدفوعات والتداول والوصول إلى الحسابات المصرفية.

ثالثًا: حوادث مرتبطة بالأنظمة المستقلة. تثير قدرة وكلاء الذكاء الاصطناعي على تنفيذ مهام واتخاذ خطوات متتابعة دون تدخل بشري مستمر تساؤلات بشأن المسؤولية والرقابة، خصوصًا عندما ترتبط هذه الأنظمة بقرارات أو خدمات مالية حساسة.

وحذرت جورجيفا من أن غياب الضوابط قد يسمح بتطورات يصعب احتواؤها لاحقًا، داعية إلى التحرك قبل أن تتسع المخاطر وتتداخل مع النظام المالي.

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الوظائف.. والفجوة بين الدخول تتسع

لا تقتصر تداعيات التكنولوجيا على التضخم والأسواق، بل تمتد إلى هيكل التوظيف وتوزيع الدخل.

وتشير المادة إلى أن صافي التوظيف في الولايات المتحدة لا يزال إيجابيًا، لكن طبيعة الوظائف تتغير مع تقلص بعض المهام الروتينية وارتفاع الطلب على المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وقد يؤدي هذا التحول إلى توسيع الفجوة بين العاملين ذوي الأجور المرتفعة الذين يمتلكون المهارات التقنية المطلوبة، والعاملين في وظائف خدمية أقل أجرًا، إذا لم تتوافر فرص كافية لإعادة التأهيل والانتقال إلى وظائف جديدة.

وفي هذا السياق، تصبح سياسات التدريب وتنمية المهارات والحماية الاجتماعية جزءًا من الاستجابة الاقتصادية للتحول التكنولوجي، وليس مجرد ملف تعليمي منفصل.

الضرائب والتنسيق النقدي أمام واقع اقتصادي جديد

تطرح الطفرة التكنولوجية أيضًا أسئلة بشأن قدرة السياسات المالية والنقدية على مواكبة التغيرات في سوق العمل والإنتاج.

فمع توسع الأتمتة وتغير توزيع الدخل بين الأجور والأرباح، قد تحتاج الحكومات إلى مراجعة القواعد الضريبية حتى تظل ملائمة لهياكل الأعمال الجديدة، من دون أن تمنح الأتمتة مزايا غير مقصودة أو تعرقل الابتكار والاستثمار.

وفي الوقت نفسه، تواجه البنوك المركزية تحديًا في تقييم تأثير الذكاء الاصطناعي على التضخم. فالزيادة في الإنفاق والاستثمار قد ترفع الطلب والأسعار في الأجل القصير، بينما يمكن لمكاسب الإنتاجية المستقبلية أن تدعم العرض وتخفف بعض الضغوط.

ويعني ذلك أن أثر الذكاء الاصطناعي على السياسة النقدية لن يكون واحدًا في جميع البلدان، بل سيتوقف على هيكل الاقتصاد ودرجة تبني التكنولوجيا وسرعة تحول مكاسب الإنتاجية إلى إنتاج فعلي.

من تجربة عام 2000 إلى ضرورة التنسيق العالمي

شددت جورجيفا على أن التعامل مع المخاطر الجديدة يتطلب تنسيقًا بين الحكومات والقطاع الخاص والجهات الرقابية، بدلًا من ترك الاستجابة لكل مؤسسة أو دولة على حدة.

وتبرز الحاجة إلى اختبار قدرة المؤسسات المالية على الصمود أمام الهجمات السيبرانية، وتحديد المسؤوليات عند وقوع أخطاء في الأنظمة المستقلة، ومراقبة تركز الاستثمارات والاقتراض المرتبطين بالذكاء الاصطناعي.

وتستحضر هذه الدعوة تجربة الاستعداد العالمي لمشكلة عام 2000، حين تعاونت مؤسسات وحكومات على معالجة مخاطر تقنية قبل تحولها إلى اضطرابات واسعة. لكن جورجيفا ترى أن مستوى الاستعداد الحالي لا يواكب سرعة التطور في الذكاء الاصطناعي.

وبينما تتسابق الشركات على تطوير تطبيقات أكثر تقدمًا، تصبح المهمة أمام صانعي السياسات هي السماح بالابتكار مع بناء ضمانات تحمي الاستقرار الاقتصادي والمالي وتحد من انتقال المخاطر عبر الحدود.

الخلاصة أن الذكاء الاصطناعي يقف أمام اختبار مزدوج: تحويل الإنفاق الضخم إلى إنتاجية ونمو مستدامين، وبناء ضوابط تمنع أن تتحول الطفرة إلى مصدر للتضخم أو اضطرابات مالية وأمنية يصعب احتواؤها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى