روسيا تبيع 62 طنًا من الذهب منذ ديسمبر.. هل تواجه موسكو أزمة تمويل؟

تواصل روسيا خفض احتياطياتها من الذهب لتمويل احتياجات الميزانية الفيدرالية، بعدما باعت نحو 6.2 طن من المعدن النفيس خلال سبتمبر، في موجة تصفية متواصلة دفعت حيازاتها السيادية إلى أدنى مستوى لها منذ نهاية عام 2019.

وأظهرت أحدث بيانات بنك روسيا انخفاض الاحتياطيات بنحو 200 ألف أونصة تروي خلال الشهر، لتصل إلى 72.8 مليون أونصة، بما يعادل نحو 2264 طنًا. وبذلك، تكون موسكو قد خفضت حيازاتها بنحو 62 طنًا منذ ديسمبر 2025، في أطول موجة تراجع متواصلة منذ الأزمة المالية الروسية عام 1998، وفقًا للبيانات الواردة في التقرير.

عجز الميزانية يدفع موسكو إلى بيع الذهب

تعكس المبيعات المتواصلة تحولًا في إدارة الاحتياطيات الروسية، بعدما اعتمدت موسكو لسنوات على تراكم الذهب بوصفه أحد مكونات احتياطياتها السيادية.

ويأتي هذا التحول في وقت تسعى فيه الحكومة الروسية إلى تغطية عجز الميزانية الفيدرالية المتزايد، بينما تستحوذ النفقات العسكرية والأمنية على حصة كبيرة من الإنفاق العام. وتشير التقديرات الواردة في التقرير إلى أن هذه النفقات ستشكل نحو 38% من إجمالي الإنفاق الفيدرالي خلال عام 2026.

ويواصل بنك روسيا خفض حيازاته من الذهب للشهر العاشر على التوالي، في اتجاه يختلف عن سياسة التراكم التي اتبعتها موسكو خلال السنوات السابقة للغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022.

قيمة احتياطي الذهب الروسي تهبط إلى 301.6 مليار دولار

لم يقتصر التراجع على حجم الذهب المحتفظ به؛ إذ انخفضت القيمة المقدرة للاحتياطيات المتبقية إلى نحو 301.6 مليار دولار بنهاية سبتمبر، مقابل 333.5 مليار دولار في الشهر السابق.

وتعكس هذه الأرقام انخفاضًا في القيمة المعلنة للاحتياطي خلال شهر واحد، لكن المقارنة بين القيمتين لا توضح وحدها مقدار التراجع الناتج عن المبيعات مقابل أثر تغير أسعار الذهب في الأسواق العالمية.

وتكتسب هذه التطورات أهمية في ظل الدور الذي يؤديه الذهب ضمن الاحتياطيات السيادية، باعتباره أصلًا يمكن الاحتفاظ به بعيدًا عن بعض مخاطر العملات والأصول المالية الأخرى، فضلًا عن أهميته في إدارة الاحتياطيات خلال فترات الضغوط الاقتصادية والجيوسياسية.

صادرات الذهب إلى الصين تستفيد من ارتفاع الأسعار

في موازاة تراجع الاحتياطيات الرسمية، برزت الصين بوصفها سوقًا مهمة للمعادن الثمينة الروسية. وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى ارتفاع قيمة صادرات روسيا من المعادن الثمينة إلى الصين خلال النصف الأول من عام 2025.

ووفقًا للبيانات التي أوردتها بلومبرج آنذاك، ارتفعت واردات الصين من خامات المعادن الثمينة الروسية ومركزاتها، بما يشمل الذهب والفضة، بنسبة 80% لتصل إلى مليار دولار مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

غير أن ارتفاع قيمة الصادرات لا يعني بالضرورة زيادة الكميات بالنسبة نفسها؛ إذ أسهم صعود أسعار الذهب في رفع القيمة الإجمالية للمبيعات. وارتفعت الأسعار الفورية بنحو 43% خلال الاثني عشر شهرًا المشار إليها في التقرير، ما يجعل التمييز بين أثر الأسعار وأثر الكميات ضروريًا عند تقييم اتجاه التجارة الروسية الصينية.

روسيا ثاني أكبر منتج للذهب عالميًا

تحتل روسيا المرتبة الثانية عالميًا في إنتاج الذهب بعد الصين، بإنتاج سنوي يتجاوز 300 طن وفقًا للمادة المصدرية. كما كان البنك المركزي الروسي من كبار المشترين السياديين للمعدن النفيس قبل أن تتراجع مشترياته منذ عام 2022.

وفي المقابل، ظل بنك الشعب الصيني من بين أبرز البنوك المركزية المشترية للذهب خلال السنوات الأخيرة، في وقت تسعى فيه مؤسسات نقدية حول العالم إلى إدارة احتياطياتها وتنويع أصولها.

ويكشف التباين بين خفض روسيا احتياطياتها الرسمية واستمرار أهمية الذهب في التجارة مع الصين عن اختلاف دوافع حيازة المعدن وتداوله؛ فبيع البنك المركزي للذهب قد يرتبط باحتياجات المالية العامة، بينما تتأثر صادرات المنتجين بالطلب الخارجي والأسعار وظروف السوق.

الطلب المحلي يدعم سوق الذهب الروسية

لا تقتصر حركة الذهب في روسيا على الاحتياطيات السيادية والصادرات، إذ يؤدي الطلب المحلي دورًا في استيعاب جزء من الإنتاج. ويشير التقرير إلى أن المستهلكين الروس اشتروا 75.6 طن من الذهب خلال عام 2024، بما يعادل نحو 25% من الإنتاج السنوي للبلاد.

وجاء هذا الطلب القياسي مع توجه بعض المستهلكين إلى المعادن الثمينة لحماية مدخراتهم، في ظل التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية.

وبين حاجة الحكومة إلى تمويل الميزانية، وتحركات صادرات المعادن الثمينة، واستمرار الطلب المحلي، تواجه سوق الذهب الروسية مسارات متباينة. لكن استمرار خفض الاحتياطيات الرسمية لعشرة أشهر متتالية يظل أبرز مؤشر على التحول الجاري في إدارة موسكو لأحد أهم أصولها السيادية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى