الذهب يرفض الانكسار أمام السندات والبنوك المركزية تقلل اعتمادها على الدولار

أظهر الذهب قدرة لافتة على الاحتفاظ بنطاق تداوله وجذب تدفقات جديدة إلى صناديق الاستثمار المتداولة، رغم الارتفاع الحاد في عوائد السندات، في إشارة يراها كيني تشو، مدير الأبحاث واستراتيجية الاستثمار لدى سبروت، على أن كفة السوق قد تميل مجددًا إلى الصعود.

ويرى تشو أن استمرار تدفقات صناديق الذهب، إلى جانب تزايد اتجاه البنوك المركزية لتنويع احتياطياتها بعيدًا عن الأصول المقومة بالدولار، يمنح المعدن دعمًا هيكليًا يتجاوز تأثيرات الفائدة والعوائد المرتفعة.

الذهب يثبت رغم ارتفاع تكلفة الفرصة البديلة

قال تشو في مقابلة مع «كيتكو نيوز» إن التدفقات إلى الذهب ظلت إيجابية رغم استمرار ضغوط التضخم وارتفاع عوائد السندات.

وأوضح أن قوة التدفقات لم تعد إلى مستويات أغسطس، الذي شهد موجة صعود قوية للذهب، لكنها ما زالت تشير إلى وجود اهتمام استثماري بالمعدن عند المستويات الحالية.

ويرى مدير الأبحاث في سبروت أن احتفاظ الذهب بنطاقه السعري، بالتزامن مع استمرار تدفقات نقدية إلى صناديق الاستثمار المتداولة، يعكس حالة من التردد بين المستثمرين، لكن اتجاه هذا التردد يبدو ــ وفق تقديره ــ أقرب إلى الصعود.

صناديق ETF تعطي الذهب إشارة مختلفة

يمثل استمرار تدفقات صناديق الذهب نقطة مهمة في معادلة السوق، لأن ارتفاع عوائد السندات عادةً يزيد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بمعدن لا يدر عائدًا.

لكن تشو يرى أن بقاء التدفقات في الاتجاه الإيجابي، حتى مع ارتفاع العوائد، يعني أن بعض المستثمرين يستغلون مرحلة التماسك الحالية للدخول إلى السوق أو زيادة مخصصاتهم للذهب.

ويؤكد أن ذلك لا يعني بالضرورة اندفاعًا واسعًا نحو المعدن، لكنه يكشف عن وجود طلب استثماري لم يختفِ رغم البيئة المالية الصعبة.

البنوك المركزية تعزز الرهان طويل الأجل

بعيدًا عن حركة الأسعار اليومية، يضع تشو مشتريات البنوك المركزية في مقدمة العوامل التي تحافظ على قوة الذهب على المدى الطويل.

ويقول إن اتجاه تنويع الاحتياطيات بعيدًا عن الأصول الدولارية لم يبدأ في السنوات الأخيرة فقط، لكنه تسارع بعد العقوبات التي فُرضت على روسيا عقب اندلاع الحرب في أوكرانيا، وما كشفته تلك الإجراءات من حجم النفوذ الذي يمكن أن توفره السيطرة على العملات وأنظمة المدفوعات.

ومنذ ذلك الوقت، يرى تشو أن عددًا متزايدًا من البنوك المركزية في الأسواق الناشئة اتجه إلى زيادة حيازاته من الذهب باعتباره أصلًا لا يرتبط مباشرة بالنظام المالي الأمريكي.

تراجع وزن الأصول الدولارية مقابل الذهب

يرى تشو أن التحول في تكوين الاحتياطيات العالمية أصبح أكثر وضوحًا منذ 2022، مع انخفاض نسبة الأصول المقومة بالدولار داخل احتياطيات البنوك المركزية العالمية مقابل ارتفاع حصة الذهب.

ويعتبر أن هذا التحول يعكس هدفين رئيسيين: خفض المخاطر المرتبطة بالاعتماد على الولايات المتحدة، وحماية قيمة العملات المحلية في الفترات التي يرتفع فيها الدولار بقوة.

ويضرب مثالًا بالاقتصادات التي تواجه تقلبات حادة في عملاتها، حيث يصبح تنويع الاحتياطيات أكثر أهمية، ويظهر الذهب كأحد الأصول التي يمكن الاعتماد عليها ضمن هذا التنويع.

ارتفاع العوائد ليس بالضرورة خبرًا سيئًا للذهب

يقر تشو بأن ارتفاع عوائد السندات يمثل عائقًا مهمًا أمام الذهب، لكنه يرى أن تفسير أسباب صعود العوائد لا يقل أهمية عن مستوى العائد نفسه.

فإذا كانت العوائد ترتفع بسبب توقعات نقدية أكثر تشددًا ونمو قوي، يكون ذلك ضغطًا مباشرًا على الذهب. أما عندما يعكس ارتفاعها مخاوف بشأن التضخم أو المخاطر السيادية أو تآكل قيمة العملة، فقد تتحول المعادلة لمصلحة المعدن.

ويرى تشو أن التضخم يمثل أحد أكبر مصادر الضعف بالنسبة للسندات، لأن ارتفاع الأسعار يقلل القيمة الحقيقية للتدفقات النقدية المستقبلية والكوبونات الثابتة التي يحصل عليها المستثمر.

التضخم يفتح سؤالًا حول قدرة السندات على التحوط

يشير تشو إلى أن المستثمر لا ينظر فقط إلى العائد الاسمي للسند، وإنما إلى قدرته على الحفاظ على القيمة الحقيقية للأموال.

ومع ارتفاع التضخم، يمكن أن تتآكل القيمة الشرائية للعائد الثابت بمرور الوقت، في حين لا يحمل الذهب التزامًا تجاه مُصدر أو جهة مدين، وهو ما يعزز جاذبيته لدى بعض المستثمرين عندما تصبح المخاطر النقدية والمالية مصدر قلق.

ومن هنا، يرى تشو أن ارتفاع العوائد لا يكفي وحده لإضعاف الذهب بصورة مستدامة، ما لم يكن مصحوبًا بانخفاض واضح في المخاوف المتعلقة بالتضخم والعملة.

سيناريو الهبوط السلس.. بداية عودة الذهب للاتجاه الصاعد

يتوقع تشو أن تتحرك السوق في واحد من سيناريوهين رئيسيين.

الأول هو هبوط اقتصادي سلس، يتراجع خلاله الضغط التضخمي من دون اضطرار الاحتياطي الفيدرالي إلى مواصلة رفع الفائدة بقوة، ما يسمح للسياسة النقدية بالتحول مع تغير البيانات.

وفي هذه الحالة، يرى تشو أن الرياح المعاكسة التي ضغطت على الذهب خلال الفترة الماضية قد تخف، ما يتيح للمعدن العودة إلى اتجاهه الهيكلي طويل الأجل.

المفاجأة الاقتصادية قد تطلق موجة أقوى

السيناريو الثاني يتمثل في تعرض الاقتصاد الأمريكي لمفاجأة قوية أو هبوط حاد، بما يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى التحول سريعًا نحو سياسة أكثر تيسيرًا.

ويرى تشو أن مثل هذا التحول المفاجئ قد لا يكتفي بإزالة الضغوط عن الذهب والفضة، بل يمكن أن يضيف قوة جديدة إلى حركة صعود المعدنين إذا تحولت الأسواق بسرعة إلى تسعير خفض كبير للفائدة.

وبالتالي، فإن تغير توقعات السياسة النقدية يظل أحد أبرز المحفزات المحتملة للمعدن، سواء عبر هدوء تدريجي في السياسة النقدية أو عبر تحول مفاجئ نتيجة تدهور اقتصادي أكبر من المتوقع.

الرهان الطويل للذهب لم يعد مرتبطًا بالفائدة وحدها

تكشف رؤية سبروت أن قصة الذهب باتت تعتمد على أكثر من مسار أسعار الفائدة الأمريكية.

فمن ناحية، يراقب المستثمرون التضخم والعوائد والدولار وتوقيت تحول الاحتياطي الفيدرالي. ومن ناحية أخرى، يتنامى عامل أكثر هيكلية يتمثل في زيادة مشتريات البنوك المركزية واستمرار تنويع الاحتياطيات بعيدًا عن الأصول الدولارية.

ومع استمرار تدفقات صناديق الذهب رغم ارتفاع العوائد، يرى تشو أن السوق لا تزال في مرحلة إعادة تموضع، وأن بقاء الذهب متماسكًا في هذه البيئة قد يكون مقدمة لحركة صعودية جديدة، خصوصًا إذا تحولت السياسة النقدية الأمريكية لاحقًا إلى مزيد من التيسير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى