«سباق فورمولا 1 بلا مكابح».. مؤسس أنثروبيك يحذر من انفلات الذكاء الاصطناعي

حذّر جاك كلارك، المؤسس المشارك لشركة أنثروبيك، من أن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي يسبق قدرة الحكومات والمؤسسات على وضع ضوابط كافية لمخاطره، مشبهًا سباق تطوير هذه التكنولوجيا بسباق سيارات «فورمولا 1» ليلًا ومن دون مكابح.
وجاء التحذير خلال نقاشات بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد العالمي، بمشاركة مسؤولين اقتصاديين وقادة شركات دولية في اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك، حيث تركز النقاش على معادلة تجمع بين فرص زيادة الإنتاجية والاستثمار من جهة، ومخاطر اضطراب سوق العمل واتساع الفجوة بين المستفيدين والمتضررين من جهة أخرى.
كلارك: تنظيم ألعاب الأطفال أكثر صرامة من رقابة الذكاء الخارق
اعتبر كلارك أن الأطر الرقابية الحالية لا تواكب مستوى التطور الذي وصلت إليه أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، مشيرًا إلى أن الألعاب التي يشتريها لأطفاله تخضع لرقابة أكبر من الأنظمة المتقدمة التي يعمل على تطويرها.
وأكد أن مسؤولية تحديد الضوابط لا يمكن أن تقع على الشركات وحدها، داعيًا إلى دور أوسع للحكومات في وضع أطر تنظم تطوير التكنولوجيا وتحد من مخاطرها المحتملة.
ويرى كلارك أن استمرار التطور من دون إدارة مناسبة للمخاطر قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة، رغم الفرص الكبيرة التي يمكن أن يوفرها الذكاء الاصطناعي للاقتصاد والمجتمع.
وفي المقابل، أبدى تفاؤلًا حذرًا بإمكانية احتواء المخاطر إذا تعاملت الحكومات والشركات مع الملف بجدية، وجرى تطوير قواعد واضحة توازن بين الابتكار ومتطلبات السلامة.
صندوق النقد: مكاسب الذكاء الاصطناعي لا تصل إلى الجميع بالتساوي
من جانبها، أكدت كريستالينا جورجيفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، أن الذكاء الاصطناعي تجاوز مرحلة الوعود المستقبلية وأصبح قوة تؤثر بالفعل في أساليب العمل والحياة والاقتصاد.
لكنها حذرت من أن عوائد هذه التكنولوجيا تتركز بدرجة كبيرة في مجموعة محدودة من الدول المرتبطة مباشرة بسلاسل قيمة الذكاء الاصطناعي، ما يثير مخاوف بشأن قدرة الاقتصادات الأخرى على الاستفادة من طفرة الاستثمار والإنتاجية.
وشددت جورجيفا على أن توسيع نطاق الاستفادة يتطلب بنية تحتية موثوقة للطاقة والاتصالات، إلى جانب الاستثمار في المهارات والأمن السيبراني، حتى لا تتحول الفجوة الرقمية إلى مصدر إضافي للتفاوت الاقتصادي.
كما دعت إلى وضع ضمانات مناسبة لإدارة المخاطر، محذرة من أن غيابها قد يجعل الأضرار المحتملة أكبر من المكاسب التي تحققها التكنولوجيا.
الوظائف الروتينية في مرمى التغيير
احتل مستقبل سوق العمل جانبًا رئيسيًا من النقاش، في ظل المخاوف من أن تؤدي قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على إنجاز المهام المتكررة إلى تقليص الحاجة إلى بعض الوظائف التقليدية.
واستشهدت جورجيفا بدراسة لصندوق النقد الدولي تشير إلى أن نحو 10% من الوظائف قد تتحول أو تظهر في صورة وظائف جديدة، بالتوازي مع تراجع الحاجة إلى الأعمال القائمة على المهام الروتينية.
وأوضحت أن التأثير لا يتوقف عند اختفاء بعض الوظائف أو استحداث أخرى، بل يمتد إلى طبيعة الفرص المتاحة للعاملين. فقد يجد بعض الشباب الذين كانوا يتجهون إلى وظائف مهنية روتينية أنفسهم أمام فرص مختلفة في قطاع الخدمات، وهي وظائف قد تكون أقل أجرًا مما كانوا يتوقعون.
ومن جانبه، أشار تيف ماكليم، محافظ بنك كندا، إلى أن موجات التحول الاقتصادي والتكنولوجي تحقق مكاسب إجمالية، لكنها تخلق في الوقت نفسه رابحين وخاسرين. وشدد على ضرورة وجود أنظمة تساعد المتضررين على الانتقال إلى فرص جديدة، لتجنب اتساع الاعتراضات الاجتماعية على التحول التكنولوجي.
طفرة الاستثمار لا تعني إنتاجية فورية
رغم المخاوف المرتبطة بالوظائف والحوكمة، أشار المشاركون إلى أن طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي بدأت تترك أثرًا على النشاط الاقتصادي والتجارة وسلاسل الإمداد.
وقال ماكليم إن الاقتصاد العالمي يشهد تحولًا من فائض كبير في المدخرات إلى موجة استثمار أوسع، معتبرًا أن تحسن الإنتاجية يظل عاملًا حاسمًا في رفع مستويات المعيشة على المدى الطويل.
لكن عائشة خانا، الرئيسة التنفيذية لشركة أدو، حذرت من الخلط بين انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي وتحقيق تحسن فعلي في أداء الشركات. وأشارت إلى أن تزويد الموظفين بمساعدين رقميين قد يرفع إنتاجية الأفراد ظاهريًا من دون أن يؤدي بالضرورة إلى تغيير جوهري في سير العمل أو كفاءة المؤسسة ككل.
وترى خانا أن تحقيق مكاسب مستدامة يتطلب إعادة تصميم العمليات المؤسسية، بدلًا من الاكتفاء بإضافة أدوات جديدة إلى أنظمة العمل القائمة.
DHL تختبر مكاسب الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع
قدم توبياس ماير، الرئيس التنفيذي لمجموعة DHL، مثالًا على استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات التشغيلية، مشيرًا إلى أن الشركة حققت مكاسب من أنظمة الوكلاء الرقميين التي تؤتمت مهامًا ذات أحجام كبيرة، مثل إجراءات التخليص الجمركي.
وتتعامل المجموعة مع نحو 100 مليون طرد يوميًا، ويبلغ عدد العاملين لديها قرابة 580 ألف موظف، ما يجعل تحسين الإجراءات التشغيلية مجالًا مهمًا لتحقيق مكاسب إنتاجية.
وفي الوقت نفسه، أشار ماير إلى أن التوسع في بناء مراكز البيانات خلق ضغوطًا إضافية على سلاسل التوريد، بما يكشف أن طفرة الذكاء الاصطناعي لا تقتصر آثارها على البرمجيات والخدمات الرقمية، بل تمتد أيضًا إلى البنية التحتية والسلع والطاقة.
الحوكمة الدولية بين القواعد الملزمة والمعايير المشتركة
امتد النقاش إلى كيفية تنظيم القطاع، مع تباين الرؤى بشأن أفضل وسيلة لموازنة سرعة الابتكار مع متطلبات السلامة.
ودعا كلارك إلى تطوير أطر لاختبار سلامة أنظمة الذكاء الاصطناعي وتبادل نتائج التقييم بين الدول، بما يساعد على وضع معايير أكثر اتساقًا بدلًا من تكرار الاختبارات والإجراءات في كل سوق بصورة منفصلة.
وفي المقابل، شدد ماير على أهمية المعايير الدولية المشتركة التي تساعد الشركات على تطبيق ضوابط واضحة عبر الأسواق المختلفة، بدلًا من الاعتماد حصريًا على قواعد إلزامية متباينة.
ويعكس هذا النقاش تحديًا رئيسيًا أمام الحكومات: كيفية بناء قواعد قابلة للتطبيق على تكنولوجيا تتطور بسرعة، من دون إبطاء الابتكار أو السماح بتوسع المخاطر من دون رقابة كافية.
الكهرباء والإنترنت والتدريب شروط لتوزيع المكاسب
لم تقتصر المخاوف على سلامة الأنظمة أو تأثيرها في الوظائف، بل شملت أيضًا تفاوت قدرة الدول والمجتمعات على الوصول إلى التكنولوجيا والاستفادة منها.
وأكدت جورجيفا أن توسيع مكاسب الذكاء الاصطناعي يتطلب توفير الكهرباء الموثوقة والاتصال الرقمي، إلى جانب تدريب العاملين على المهارات التي يحتاجها الاقتصاد الجديد.
كما شدد المشاركون على أهمية بناء أنظمة تساعد الموظفين المتضررين من التحولات التكنولوجية على اكتساب مهارات جديدة والانتقال إلى فرص عمل بديلة، بدلًا من ترك تكلفة التغيير تقع على فئات محددة من العاملين.
وتتجه المناقشات بذلك إلى ما هو أبعد من حجم الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي، لتشمل كيفية توزيع عوائده، وحماية سوق العمل، وتوفير ضمانات تقلل المخاطر.
سباق الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى ضوابط تواكب سرعته
تكشف المناقشات أن الذكاء الاصطناعي أصبح في الوقت نفسه محركًا للاستثمار والتغيير الاقتصادي ومصدرًا لمخاطر تتعلق بالوظائف والأمن والحوكمة.
وبينما يراهن قادة الأعمال والتكنولوجيا على مكاسب الإنتاجية وتطوير الخدمات، يرى مسؤولون اقتصاديون أن هذه المكاسب لن تتحقق بصورة واسعة من دون بنية تحتية مناسبة، وتأهيل للعاملين، وقواعد واضحة للسلامة.
وتبقى الرسالة الأبرز من اجتماع بانكوك أن السباق نحو تطوير الذكاء الاصطناعي لا يكفي وحده لتحقيق مكاسب اقتصادية مستدامة؛ إذ يتوقف جانب أساسي من نتائجه على قدرة الحكومات والشركات على إدارة مخاطره وتوزيع فوائده.









