صفقة بـ856 مليون دولار تعيد رسم خريطة المنافسة المصرفية في شرق أفريقيا

تتصاعد المنافسة بين البنوك الأفريقية للسيطرة على أسواق شرق القارة، مع اتجاه المؤسسات الكبرى إلى التوسع خارج حدودها المحلية بحثًا عن فرص نمو جديدة وتنويع مصادر الأرباح. وتبرز كينيا باعتبارها إحدى ساحات هذا التنافس، في ظل قوة البنوك المحلية واتساع قواعد عملائها وتطور خدمات الدفع الرقمي.
وتأتي صفقة استحواذ مجموعة نيدبانك الجنوب أفريقية على حصة مسيطرة تبلغ 66% في مجموعة NCBA الكينية، مقابل نحو 856 مليون دولار، في مقدمة التحركات المصرفية العابرة للحدود، إذ تمنح البنك الجنوب أفريقي منصة للتوسع في أسواق شرق أفريقيا، تشمل كينيا وأوغندا وتنزانيا ورواندا، إلى جانب الوصول الرقمي إلى غرب أفريقيا.
856 مليون دولار لفتح أسواق شرق أفريقيا أمام نيدبانك
تعكس الصفقة توجه نيدبانك إلى تنويع حضوره الجغرافي وتقليل اعتماده على سوق جنوب أفريقيا، من خلال بناء قاعدة أعمال أوسع في منطقة تتمتع بفرص نمو وروابط تجارية متنامية.
وبحسب ما أوردته مجلة «غلوبال فاينانس»، قال الرئيس التنفيذي لنيدبانك، جيسون كوين، إن التوسع خارج السوق الجنوب أفريقية يمثل هدفًا استراتيجيًا للمجموعة، وإن شرق أفريقيا من المناطق التي حددها البنك باعتبارها مجالًا رئيسيًا للنمو.
ويتيح الاستحواذ على حصة مسيطرة في NCBA لنيدبانك الدخول عبر مؤسسة قائمة بالفعل، بدلًا من بناء شبكة مصرفية جديدة من البداية، مع الاستفادة من حضور المجموعة الكينية في عدة أسواق إقليمية.
ربحية مرتفعة تدفع البنوك الأفريقية إلى التوسع
تأتي التحركات التوسعية في وقت سجلت فيه البنوك الأفريقية مستويات مرتفعة من العائد على حقوق الملكية. ووفقًا لبيانات شركة ماكينزي وشركاه الواردة في المقال، بلغ متوسط العائد على حقوق الملكية لدى البنوك الأفريقية 19% في عام 2024 و17% في 2025، مقارنة بمتوسط عالمي بلغ 10% في كل من العامين.
وساعدت أسعار الفائدة المرتفعة وإيرادات الأنشطة غير المرتبطة بالفائدة على دعم هذه الربحية، ما عزز الحوافز أمام البنوك الكبرى للبحث عن فرص إضافية خارج أسواقها الأصلية.
وتسعى مؤسسات من جنوب أفريقيا ونيجيريا ومصر إلى الاستفادة من فرص النمو في شرق أفريقيا، مستندة إلى الروابط التجارية والتطور المتزايد لأنظمة الدفع عبر الهاتف المحمول، فضلًا عن إمكانية تنويع الإيرادات جغرافيًا.
البنوك المحلية في كينيا تواجه المنافسين الأجانب
رغم الفرص التي توفرها الأسواق الإقليمية، لا يعني دخول المؤسسات الأجنبية ضمان نجاحها في المنافسة. فالبنوك الكينية الراسخة تمتلك قواعد عملاء واسعة وشبكات توزيع محلية وخدمات رقمية متكاملة، تمنحها حضورًا قويًا في السوق.
وتبرز مجموعتا إيكويتي بنك وكي سي بي ضمن المؤسسات المحلية التي تستفيد من انتشارها وعلاقاتها بالعملاء، إلى جانب منظومة المدفوعات عبر الهاتف المحمول، ومن بينها خدمة «إم-بيسا» التابعة لشركة سافاريكوم.
وتوفر هذه البنية للمؤسسات المحلية معرفة مباشرة بسلوك العملاء واحتياجاتهم، فضلًا عن قنوات واسعة لتقديم الخدمات المصرفية، وهي عناصر قد تجعل المنافسة أكثر تعقيدًا أمام البنوك الوافدة.
23 مليون عميل ورأس مال بـ350 مليار شلن في مواجهة المنافسة
أكد جيمس موانجي، الرئيس التنفيذي لمجموعة إيكويتي، قوة موقع البنك في السوق الكينية، مستندًا إلى قاعدة عملاء تبلغ 23 مليون عميل ورأس مال يصل إلى 350 مليار شلن، وفقًا لما نقلته المجلة.
وتعكس هذه الأرقام حجم الموارد التي يمكن أن تستند إليها المؤسسات المحلية في مواجهة المنافسين الأجانب، سواء من حيث الوصول إلى العملاء أو القدرة على تمويل التوسع وتطوير المنتجات والخدمات.
وفي هذا السياق، لا تقتصر المنافسة على امتلاك رأس المال أو القدرة على الاستحواذ، بل تمتد إلى الاحتفاظ بالعملاء، وتقديم خدمات ملائمة للأسواق المحلية، والاستفادة من شبكات الدفع الرقمي والعلاقات التجارية القائمة.
لماذا تملك البنوك الأفريقية أفضلية في التوسع داخل القارة؟
يرتبط التوسع المصرفي بين الأسواق الأفريقية بقدرة البنوك على التعامل مع بيئات تنظيمية واقتصادية متقاربة نسبيًا، وفهم طبيعة العملاء والشركات في الاقتصادات النامية.
وأشار ديتر فان واليغيم، الأستاذ المشارك في قسم المالية بكلية رين للأعمال، في تصريحات للمجلة، إلى أن البنوك الأفريقية قد تتمتع بأفضلية في التواصل مع المؤسسات المحلية عند دخول أسواق نامية أخرى، مقارنة ببعض البنوك الأوروبية والأمريكية القادمة من اقتصادات متقدمة تخضع لأطر تنظيمية مختلفة.
وأضاف أن تراجع بعض المؤسسات العالمية عن أنشطة التجزئة المصرفية غير الأساسية في أفريقيا يتيح فرصًا للبنوك الإقليمية للاستفادة من المعرفة التنظيمية والعلاقات مع الشركات والتكنولوجيا القابلة للتكيف مع ظروف الأسواق المحلية.
ومع ذلك، يظل نجاح التوسع مرتبطًا بقدرة كل بنك على إدارة مخاطر السوق الجديدة، والتكيف مع القواعد التنظيمية، وتحقيق عوائد مستدامة من الاستثمارات العابرة للحدود.
شرق أفريقيا تتحول إلى محور للتنافس المصرفي
تجمع شرق أفريقيا بين فرص النمو وتطور المدفوعات الرقمية والروابط التجارية، لكنها تضم أيضًا مؤسسات محلية تتمتع بحضور قوي وخبرة واسعة في أسواقها.
وتوضح صفقة نيدبانك وNCBA كيف تستخدم البنوك الكبرى عمليات الاستحواذ لتسريع دخول الأسواق الإقليمية، في حين تستند المؤسسات المحلية إلى قواعد عملائها وشبكاتها الرقمية للدفاع عن حصصها السوقية.
ومن ثم، فإن مسار المنافسة المصرفية في المنطقة لن يتحدد بحجم الصفقات وحده، بل بقدرة البنوك على الجمع بين التوسع الجغرافي والكفاءة التشغيلية وفهم احتياجات العملاء وتحقيق النمو في بيئات اقتصادية وتنظيمية مختلفة.









