محمد أنور يكتب:« مهمة الكاتب »

إن البشرية في عوز دائم إلى أصحاب الأرواح الكبيرة والرؤى المحلقة؛ فالكاتب الذي اعتاد أن يحمل قلمه كلما بدا له أن يكتب، لا كلما أُوحي إليه أو طُلب منه ذلك، يعرف ما للكلمة من جلال وقداسة وخطر، ويقف من حرمتها وشعائرها موقف الخاشع المخبت.
فالكلمة التي يخطها الكاتب لا تقل خطرًا عن الكلمة أو المعادلة التي يضعها الرياضي.
ففي كراسة بيضاء نستطيع أن نشتريها بجنيهات معدودة، كتب جان جاك روسو «العقد الاجتماعي»، فأجج به أفكار الثورة الفرنسية.
وكتب تولستوي «الحرب والسلام»، فأشعل به ثورة الضمير الإنساني في مختلف العصور.
وكتب توماس بين «الفهم السليم»، فكان من بين الأفكار التي غذّت ثورة الاستقلال الأمريكية.
وكتب كارل ماركس «رأس المال»، فكان كتابه من أهم المؤلفات التي أثرت في الفكر والثورات السياسية والاقتصادية الحديثة.
إن الحياة، في شتى مجالاتها، تنطوي على أولئك الذين يتناولون مسؤولياتهم بأمانة وجِدّ واهتمام، كما تنطوي على الذين يتعاملون معها باستهتار وعدم اكتراث.
ومن هنا، فإن واجب الكاتب يبدأ من إدراك حقيقة أساسية، وهي أن الكتابة ليست لهو نفس فارغة، ولا فراغًا، ولا تسولًا للشهرة، ولا مجرد حرفة أو وسيلة للاقتناء.
إنما هي فكر ورسالة، ومسؤولية وتضحية، ومهمة جليلة.
والكلمة المسطورة هي عقل الحياة في حالة تعبيره عن نفسه.
هناك قرارات سياسية ضخمة هزت الأرض ذات يوم، واتخذها أباطرة عظام وقادة كانوا كالأعاصير.
ومع ذلك، أين هي اليوم؟
إن كان لها من بقاء، فهي راقدة في خزائن حديدية، أو حجرات مظلمة، أو متاحف تحفظ ذكريات الماضي.
أما الكلمات التي خطها المفكرون والعلماء والفلاسفة، فهي كالشمس، بقاءً وضياءً؛ تتلوها الأجيال، ويقرؤها الناس في كل مكان، وفي كل عصر، وبكل لغة.
لقد رأينا كيف سطر هنري ديفيد ثورو كلمات في كتاب مختصر، ولم يطلب عليها أجرًا ولا شكرًا.
وتاهت كلماته في زحام الحياة، حتى عثر عليها غاندي، فكانت الضوء الذي أضاء له الطريق، والأداة التي حقق بها واحدة من أبهى وأعظم تجارب العصر الحديث في مجال السياسة والوطنية.
ولقد صدق من قال: «أكثر الناس جهلًا بقيمة الخير، أعلاهم صوتًا في طلب المثوبة عليه».
وذات يوم، أرسل الإسكندر من مقدونيا رسولًا إلى الفيلسوف ديوجين، في أثينا، يرجوه أن يذهب إلى لقاء الإمبراطور.
فأجاب ديوجين الرسول قائلًا:
ولماذا لم يأتِ الإمبراطور إلى هنا؟ إن أثينا، فيما أعلم، لا تبعد عن مقدونيا إلا بقدر ما تبعد مقدونيا عن أثينا!
ثم قال:
عندما تكون لي عند الإمبراطور حاجة سأذهب إليه، وعندما تكون له في لقائي رغبة، فعليه أن يأتي هو إليّ.
كان مع ديوجين كل شيء، حين لم يكن معه من الدنيا شيء.
كان معه فكره الحر، وإرادته الحرة، ونفسه القانعة المستغنية.
إن الكاتب الأمين رائد، والرواد يعطون كثيرًا ويأخذون قليلًا.
وهو يقدم لنا الحياة من خلال تجاربه وثقافته، ومن أجل ذلك وجب عليه أن ينوع ثقافته، وأن يعمق تجربته؛ فنباهة الكاتب ونضجه لا يأتيان من الموهبة وحدها، وإنما تنمو موهبته وتؤتي ثمارها من خلال القراءة والثقافة والتجربة.
وإذا كانت الحياة تنتظر من الكاتب المفكر أن يقدم لها المعرفة، فهي لا تريد المعرفة المجردة.
إنها تريد المعرفة التي تمنح القوة العادلة، وتساعد على النمو، وتكشف طريق الحق والخير.
وتواضع الكاتب ضرورة حتى تبقى المنافذ مفتوحة بينه وبين المعرفة والخير.
فالكاتب المتفتح لا يعيش في تيه أو عماء، وإنما يحيا بفكره وسط ضياء ساطع، يجعل أهدافه واضحة، وطرق تفكيره مستقيمة، ويهيئ الناس لحمل رسالة عالمهم، وتحمل تبعات وجودهم، ويزيدهم من ثراء الروح والفكر.
فالكاتب الحقيقي لا يكتب لمجرد أن يملأ الصفحات، وإنما يكتب لأنه يؤمن بأن للكلمة أثرًا، وللفكر مسؤولية، وللقلم رسالة.
وقد تموت أسماء أصحاب السلطة، وتُنسى قراراتهم، لكن الكلمة الصادقة تستطيع أن تعبر الزمن، وتصل إلى أجيال لم يرَها صاحبها ولم يعرفها.
وهنا تكمن مهمة الكاتب.
ليس أن يكون صدى لما يقوله الآخرون، ولا أن يطارد التصفيق، وإنما أن يرى ما لا يراه غيره، وأن يقول ما يؤمن به بأمانة، وأن يترك في وعي الناس شيئًا يستحق البقاء.



