الذهب يتجاوز 4600 دولار.. ديون أمريكا تدفع المعدن نحو 4700 ثم 5000

يدخل الذهب مرحلة جديدة من الصعود بعد أن تجاوز مستوى 4600 دولار للأوقية، محققًا مكاسبه الأسبوعية الثالثة على التوالي، بدعم من ضعف الدولار، وتصاعد المخاوف بشأن استدامة الدين الأمريكي، إلى جانب القرار المفاجئ لوزارة الخزانة الأمريكية بمضاعفة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل.
وسجل الذهب الفوري أعلى مستوى له خلال الأسبوع عند نحو 4632 دولارًا للأوقية، قبل أن يستقر فوق مستوى 4600 دولار، في إشارة إلى تغير واضح في اتجاه السوق بعد أسابيع من التداول المتذبذب.
وتزامن هذا الصعود مع تراجع الدولار وانخفاض عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل عقب إعلان وزارة الخزانة زيادة حجم عمليات إعادة شراء السندات لأجل 10 إلى 30 عامًا إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية.
الذهب يحقق ثالث مكاسبه الأسبوعية
بدأ الذهب الأسبوع بالقرب من 4381 دولارًا للأوقية، قبل أن يتعرض لضغوط مؤقتة هبطت به إلى نحو 4324 دولارًا خلال منتصف الأسبوع.
لكن الاتجاه تغير بصورة حادة بعد إعلان وزارة الخزانة الأمريكية خطتها الجديدة لإعادة شراء السندات طويلة الأجل.
وتراجعت العوائد على السندات، كما تعرض الدولار لضغوط، لتتحول السيولة سريعًا نحو الذهب باعتباره أحد أبرز أدوات التحوط من المخاطر المالية والنقدية.
وفي نهاية الأسبوع، كان الذهب قد ارتفع بأكثر من 5% خلال الأسبوع، في واحدة من أقوى موجات الصعود التي شهدها المعدن خلال الفترة الأخيرة.
لماذا أشعلت إعادة شراء السندات الذهب؟
لا تعني عمليات إعادة شراء سندات الخزانة أن الولايات المتحدة بدأت برنامجًا جديدًا للتيسير الكمي، لكنها تحمل رسالة مهمة إلى الأسواق.
فالخزانة الأمريكية تتحرك لتوفير مزيد من السيولة وتحسين أداء سوق السندات طويلة الأجل، في وقت وصلت فيه عوائد السندات إلى مستويات مرتفعة للغاية بسبب المخاوف المرتبطة بالتضخم والديون والعجز المالي.
وأعلنت وزارة الخزانة أن عمليات إعادة الشراء طويلة الأجل سترتفع من نحو 2 مليار دولار إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية، في خطوة تستهدف دعم السيولة في السوق.
لكن المشكلة الأساسية لا تزال قائمة: الدين الأمريكي تجاوز 40 تريليون دولار، فيما تواصل الحكومة مواجهة احتياجات تمويل ضخمة وتكاليف متزايدة لخدمة الدين.
وهنا تظهر أهمية الذهب.
فكلما زادت المخاوف بشأن الاستدامة المالية الأمريكية، زادت جاذبية الأصول التي لا تمثل التزامًا على حكومة أو مؤسسة مالية، وفي مقدمتها الذهب.
الدولار يفتح الباب أمام المعدن الأصفر
كان ضعف الدولار أحد أهم محركات الذهب خلال الأسبوع.
فعندما تتراجع قيمة العملة الأمريكية، يصبح الذهب المقوم بالدولار أقل تكلفة بالنسبة للمستثمرين الذين يحملون عملات أخرى، وهو ما يدعم الطلب العالمي على المعدن.
وقد تراجع الدولار بقوة عقب إعلان الخزانة الأمريكية عن زيادة عمليات إعادة شراء السندات، قبل أن يستعيد جزءًا من خسائره لاحقًا.
وتكشف هذه الحركة عن معادلة مهمة للأسواق: أي ضعف مستدام للدولار، بالتزامن مع انخفاض العوائد الحقيقية، يمكن أن يمنح الذهب مساحة أكبر للصعود.
الذهب يتجاوز المتوسط المتحرك لـ200 يوم
لم يعد صعود الذهب قائمًا على العوامل الأساسية فقط ، فعلى المستوى الفني، تمكن المعدن من تجاوز المتوسط المتحرك لـ200 يوم، وهو أحد أهم المؤشرات التي تراقبها صناديق الاستثمار والمتعاملون الفنيون.
ويعني هذا الاختراق أن الصورة الفنية أصبحت أكثر إيجابية، خاصة مع تجاوز الذهب أيضًا مستويات مقاومة مهمة.
ويرى محللون أن استمرار التداول فوق 4600 دولار قد يفتح الطريق أمام اختبار مستوى 4680 دولارًا، بينما قد يؤدي اختراقه بقوة إلى إعادة استهداف مستويات أعلى.
وفي المقابل، فإن فقدان مستوى 4500 دولار قد يفتح الباب أمام تصحيح نحو مناطق أدنى، خصوصًا بعد الارتفاع السريع الذي شهده الذهب خلال أيام قليلة.
هل يصل الذهب إلى 5000 دولار؟
هنا تتباين التقديرات، لكن اللافت أن توقعات الوصول إلى 5000 دولار لم تعد محصورة في سيناريوهات بعيدة للغاية.
فبنك UBS يرى أن الذهب قد يتجه نحو 5000 دولار للأوقية خلال النصف الأول من 2027، مستندًا إلى توقعات انخفاض أسعار الفائدة الحقيقية، وضعف الدولار، واستمرار الطلب من البنوك المركزية.
كما أن مؤسسات مالية أخرى سبق أن طرحت أهدافًا مرتفعة للذهب، وإن كانت التوقعات تختلف بصورة كبيرة من بنك إلى آخر. فقد أبقى ويلز فارجو على رؤية صعودية طويلة الأجل، مع توقعات بوصول الذهب إلى نطاق 5800–6000 دولار بنهاية 2027 في السيناريو الصعودي.
لكن السوق لا يزال بعيدًا عن ضمان الوصول إلى هذه المستويات ، فاستمرار التضخم، وارتفاع أسعار النفط، وتشدد مجلس الاحتياطي الفيدرالي، أو عودة الدولار إلى الصعود، يمكن أن تؤدي جميعها إلى موجة تصحيح قوية.
البنوك المركزية.. قوة صعودية لا يمكن تجاهلها
ولا يعتمد الذهب فقط على المستثمرين وصناديق الاستثمار المتداولة ، فشراء البنوك المركزية لا يزال أحد أهم المحركات الهيكلية للسوق، وهو ما يمنح الذهب دعمًا يتجاوز تأثير أسعار الفائدة قصيرة الأجل.
وتشير تحليلات السوق إلى أن استمرار البنوك المركزية في تنويع احتياطياتها بعيدًا عن الدولار يمثل عاملًا طويل الأجل لصالح الذهب.
وهذا يفسر لماذا لا ينظر كثير من المحللين إلى موجة الصعود الحالية باعتبارها مجرد حركة مضاربية قصيرة.
وول ستريت تتخلى عن التشاؤم تجاه الذهب
وتحولت معنويات المحللين بصورة واضحة بعد تجاوز الذهب مستويات المقاومة الرئيسية.
وبحسب استطلاع كيتكو، شارك 11 محللًا في توقعات الأسبوع المقبل، توقع 8 منهم، بما يعادل 73%، ارتفاع أسعار الذهب، بينما توقع 3 محللين استمرار الاتجاه الصاعد دون توقع هبوط من أي مشارك.
وفي استطلاع المستثمرين الأفراد، شارك 211 مستثمرًا، توقع 164 منهم، أي نحو 78%، ارتفاع الذهب خلال الأسبوع المقبل، مقابل 25 توقعوا انخفاضه و22 توقعوا استقراره.
هذه الأرقام لا تعني أن الصعود مضمون، لكنها تكشف تحولًا واضحًا في شهية المستثمرين تجاه المعدن.
بيانات التضخم والفيدرالي تحدد الخطوة التالية
وتتجه أنظار الأسواق خلال الأسبوع المقبل إلى مجموعة من البيانات الاقتصادية الأمريكية، وعلى رأسها مؤشرات التضخم والنمو وسوق العمل.
ويأتي خطاب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش في جاكسون هول باعتباره أحد أهم الأحداث التي يمكن أن تحدد اتجاه الذهب، خصوصًا إذا حمل إشارات بشأن مسار أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.
كما تترقب الأسواق بيانات التضخم وقراءة الناتج المحلي الإجمالي وطلبات السلع المعمرة وطلبات إعانة البطالة.
وسيكون السؤال الرئيسي أمام المستثمرين: هل تسمح البيانات للفيدرالي بتخفيف السياسة النقدية، أم أن التضخم سيجبره على إبقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول؟
الذهب أمام اختبار 4600 دولار
أصبح مستوى 4600 دولار أكثر من مجرد رقم نفسي ، فاستقرار الذهب فوقه قد يعزز الزخم الصعودي ويفتح الطريق أمام اختبار 4680 ثم 4700 دولار، بينما قد يؤدي الفشل في الحفاظ عليه إلى عمليات جني أرباح وتصحيح قصير الأجل.
لكن الصورة الأكبر تبدو أكثر أهمية ، الذهب يتحرك حاليًا وسط تزامن عدة عوامل: ضعف الدولار، المخاوف بشأن الدين الأمريكي، تدخل وزارة الخزانة في سوق السندات، استمرار مشتريات البنوك المركزية، وتحسن المؤشرات الفنية.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية خلال الفترة المقبلة لن تكون فقط حول مستوى 4600 دولار، وإنما حول قدرة الذهب على تحويل هذا الاختراق إلى اتجاه صاعد مستدام يقوده تدريجيًا نحو 5000 دولار.
وفي المقابل، فإن عودة العوائد الأمريكية للارتفاع أو ظهور مفاجآت تضخمية قد تكون كافية لإجبار المعدن على إعادة اختبار مستويات الدعم.
الخلاصة: الذهب لم يصل بعد إلى 5000 دولار، لكن السوق أصبح يملك الآن قصة صعود أكثر تماسكًا من مجرد توقعات بخفض الفائدة. أزمة الدين الأمريكي، وضعف الدولار، وسلوك الخزانة في سوق السندات، إلى جانب الطلب الرسمي، كلها عوامل تجعل مستوى 5000 دولار هدفًا مطروحًا بجدية، وإن كان الطريق إليه مرشحًا لتقلبات حادة.









