من 1933 إلى 2011.. كيف حددت واشنطن فائدة ودائع البنوك لأكثر من 7 عقود؟

بدأت القصة في قلب الكساد الكبير، عندما قرر المشرّعون الأمريكيون أن المنافسة بين البنوك على جذب الودائع أصبحت جزءًا من مشكلة الاستقرار المصرفي.

وفي عام 1933، أقر الكونغرس قانون البنوك المعروف باسم Glass-Steagall، متضمنًا قيودًا على أسعار الفائدة التي يمكن للبنوك دفعها على الودائع، وحظرًا لدفع الفائدة على الودائع تحت الطلب.

ثم جاء الاحتياطي الفيدرالي ليترجم هذه السياسة إلى قواعد تنفيذية عُرفت باسم Regulation Q، التي صدرت لأول مرة في سبتمبر 1933.

لكن ما بدأ كإجراء لمواجهة تداعيات الأزمة المصرفية تحول، بعد عقود، إلى مصدر ضغوط على البنوك عندما ارتفعت أسعار الفائدة في السوق فوق الحدود التي تسمح بها القواعد.

لماذا وضعت أمريكا سقفًا للفائدة أصلًا؟

كان المسؤولون الأمريكيون في ثلاثينيات القرن الماضي ينظرون بقلق إلى المنافسة بين البنوك على جذب الأموال.

وكان التصور السائد آنذاك أن «المنافسة المفرطة» على الودائع يمكن أن تدفع البنوك إلى تحمل مخاطر أكبر حتى تتمكن من تحقيق عوائد تكفي لدفع فوائد أعلى للمودعين.

ولهذا حظر قانون البنوك لعام 1933 دفع الفائدة على الودائع تحت الطلب، ومنح الاحتياطي الفيدرالي سلطة تحديد الحد الأقصى للفائدة على أنواع أخرى من الودائع، مثل حسابات التوفير وشهادات الإيداع.

وكان الهدف المعلن يتجاوز حماية البنوك منفردة؛ فقد ارتبطت السياسة آنذاك بمحاولة الحد من السلوكيات التي اعتُبرت مساهمة في عدم الاستقرار المالي خلال السنوات السابقة للأزمة.

كيف عملت Regulation Q؟

ببساطة، كانت القاعدة تضع سقفًا للعائد الذي يمكن للبنك دفعه للمودع على أنواع معينة من الودائع.

وفي البداية، انطبقت القيود على البنوك التجارية الأعضاء في نظام الاحتياطي الفيدرالي.

لكن مؤسسة التأمين الفيدرالية على الودائع FDIC سرعان ما طبقت قيودًا مماثلة على البنوك المؤمنة التي لم تكن أعضاء في الاحتياطي الفيدرالي.

وبحلول أوائل عام 1936، نسقت الجهتان قواعدهما للوصول إلى نظام موحد للحدود المفروضة على أسعار الفائدة.

وهكذا أصبح سقف الفائدة جزءًا ثابتًا من النظام المصرفي الأمريكي لعقود طويلة.

لماذا لم تكن المشكلة واضحة في البداية؟

المفارقة أن Regulation Q لم تكن مؤثرة بقوة في سنواتها الأولى.

والسبب بسيط: أسعار الفائدة في السوق كانت منخفضة بدرجة كبيرة، وبالتالي لم تكن البنوك بحاجة إلى دفع معدلات أعلى من الحدود التي فرضتها القواعد.

وبحسب تاريخ الاحتياطي الفيدرالي، ظلت أسعار السوق أدنى من السقوف التنظيمية خلال العقود الأولى، ولذلك لم تصبح القيود مصدر ضغط حقيقي على البنوك.

لكن هذه المعادلة تغيرت عندما بدأت أسعار الفائدة في الاقتصاد الأمريكي بالصعود.

نقطة التحول جاءت مع ارتفاع أسعار الفائدة

بحلول أواخر الخمسينيات والستينيات، بدأت أسعار الفائدة في السوق تتحرك إلى مستويات أعلى.

ومع ارتفاع العوائد، أصبح سقف Regulation Q أكثر أهمية، لأن البنوك لم تعد قادرة دائمًا على رفع الفائدة التي تدفعها للمودعين بالسرعة نفسها التي ترتفع بها العوائد المتاحة في السوق.

وهنا ظهرت المشكلة: إذا كان المستثمر يستطيع الحصول على عائد أعلى خارج البنك، فلماذا يترك أمواله في وديعة مصرفية؟

بدأت هذه الفجوة تدفع الأموال إلى خارج النظام المصرفي التقليدي، في ظاهرة عُرفت باسم إلغاء الوساطة المالية أو Disintermediation.

وتشير وثائق FDIC إلى أن ارتفاع أسعار الفائدة، بالتزامن مع سقوف الودائع، ساهم في تآكل مصادر التمويل التقليدية للمؤسسات المصرفية ومؤسسات الادخار.

أزمة 1966 كشفت المشكلة

مع استمرار ارتفاع أسعار الفائدة في الستينيات، ازدادت الضغوط على البنوك ومؤسسات الادخار.

وفي عام 1966، وصلت المشكلة إلى القطاع العقاري أيضًا، بعدما واجهت مؤسسات الادخار والقروض ضغوطًا في الحصول على التمويل والاحتفاظ بالودائع.

وكانت النتيجة أن القيود التي صُممت في الأصل للحد من المنافسة بدأت تتعارض مع واقع سوق تتغير فيه أسعار الفائدة بسرعة.

ولم تعد المشكلة مجرد نقاش نظري حول المنافسة، بل أصبحت مرتبطة بتدفقات الأموال وقدرة المؤسسات على تمويل القروض.

البنوك بدأت تبحث عن طرق للالتفاف على السقف

عندما أصبح دفع الفائدة ضمن الحدود التنظيمية غير كافٍ لجذب العملاء، لم تتوقف البنوك عن المنافسة.

بل بدأت تبحث عن طرق أخرى لجذب الودائع ، وقدمت بعض البنوك خدمات مصرفية بأسعار منخفضة أو دون رسوم، إضافة إلى حوافز ومزايا مرتبطة بالحسابات.

كما ظهرت ترتيبات تسمح للعملاء بنقل الأموال بين حسابات التوفير والحسابات الجارية بسهولة أكبر.

ومع تطور التكنولوجيا المصرفية، أصبح الانتقال بين أنواع الحسابات أسهل، وهو ما ساعد المؤسسات على التعامل مع القيود المفروضة على الفائدة.

حسابات NOW كسرت جزءًا من القاعدة

كان من أبرز التطورات ظهور NOW Accounts، وهي حسابات سمحت للأفراد بالحصول على مزايا تشبه الحسابات الجارية مع إمكانية الحصول على عائد.

ومثلت هذه الحسابات خطوة مهمة في تجاوز الفصل التقليدي بين الحساب الجاري الذي لا يدفع فائدة وحساب التوفير الذي يخضع لسقوف تنظيمية.

وفي عام 1980، منح قانون Depository Institutions Deregulation and Monetary Control Act جميع المؤسسات الإيداعية صلاحيات أوسع لتقديم حسابات NOW أو ما يعادلها، بالتزامن مع بدء التخلص التدريجي من سقوف الفائدة.

أموال المودعين انتقلت إلى صناديق سوق المال

لم تكن البنوك وحدها التي تغيرت ، فقد شهدت صناديق أسواق المال نموًا قويًا في السبعينيات، لأنها أتاحت للمستثمرين الوصول إلى عوائد مرتبطة بالسوق في وقت كانت فيه الودائع المصرفية مقيدة بسقوف الفائدة.

وهكذا بدأت الأموال تتحرك من النظام المصرفي التقليدي إلى منتجات مالية جديدة.

وهذه واحدة من أهم نتائج Regulation Q على المدى الطويل: عندما تقيد منتجًا ماليًا، لا تختفي الحاجة إلى العائد؛ بل تبحث الأموال عن طريق آخر للوصول إليه.

1980.. بداية نهاية سقوف الفائدة

مع استمرار ارتفاع أسعار الفائدة واشتداد المنافسة بين المنتجات المالية، أصبح إلغاء القيود تدريجيًا خيارًا أكثر قبولًا.

وفي 31 مارس 1980، وقع الرئيس جيمي كارتر قانون Depository Institutions Deregulation and Monetary Control Act.

ونص القانون على التخلص التدريجي من سقوف أسعار الفائدة على الودائع، مع استهداف إزالتها بحلول عام 1986، وهو ما تحقق في مارس 1986.

كما سمح القانون لجميع المؤسسات الإيداعية بتقديم خدمات الحسابات الجارية وحسابات NOW، ووسع صلاحيات مؤسسات الادخار.

وكانت هذه بداية التحول الكبير من نظام يحدد العائد إداريًا إلى نظام أكثر اعتمادًا على السوق.

لكن قصة Regulation Q لم تنتهِ في 1986

إلغاء معظم سقوف الفائدة لم يكن نهاية كل آثار النظام ، فالحظر القانوني على دفع الفائدة على الودائع تحت الطلب ظل قائمًا بالنسبة إلى البنوك الأعضاء في الاحتياطي الفيدرالي.

واستمر هذا الجزء من Regulation Q حتى عام 2011 ، وفي أعقاب قانون Dodd-Frank، أُلغي الأساس القانوني للحظر اعتبارًا من 21 يوليو 2011.

وفي 14 يوليو من العام نفسه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي القاعدة النهائية لإلغاء Regulation Q وإزالة القيود المرتبطة بها من لوائحه ،وبذلك أُغلقت صفحة بدأت قبل نحو 78 عامًا.

لماذا تخلت أمريكا في النهاية عن السقف؟

لأن المشكلة تغيرت ، في ثلاثينيات القرن الماضي، كان القلق الأساسي يتمثل في أن المنافسة على الودائع قد تدفع البنوك إلى مخاطر أكبر.

لكن مع ارتفاع أسعار الفائدة وتطور الأسواق المالية، أصبح السقف نفسه مصدرًا لتشوهات جديدة.

فإذا ارتفع العائد المتاح في السوق بينما بقيت الفائدة المصرفية مقيدة، فإن الأموال تبدأ في البحث عن منتجات أخرى.

وهذا ما حدث بالفعل مع نمو أدوات مالية خارج الودائع التقليدية، وظهور حسابات ومنتجات جديدة لتلبية الطلب على العائد والسيولة.

وتشير Federal Reserve History إلى أن القيود، مع تغير ظروف السوق، أصبحت غير متوافقة في أوقات كثيرة مع مستويات الفائدة، وفرضت ضغوطًا متزايدة على النظام المالي.

الدرس الاقتصادي من 78 عامًا من سقوف الفائدة

تكشف قصة Regulation Q مفارقة مهمة في التنظيم المصرفي.

فالقانون الذي صُمم في البداية لتقليل المخاطر وحماية استقرار البنوك ساعد على إنشاء نظام أكثر هدوءًا في فترات طويلة، لكنه أصبح أكثر إشكالية عندما تغيرت البيئة الاقتصادية وارتفعت أسعار الفائدة.

وهنا يظهر أحد أهم دروس السياسة المصرفية: القواعد التي تكون مناسبة لسوق معينة قد تتحول إلى مصدر ضغط عندما تتغير ظروف السوق.

فالحد الأقصى لسعر الفائدة لا يلغي المنافسة، وإنما قد يدفعها إلى الانتقال إلى مكان آخر؛ من سعر الفائدة إلى الرسوم والخدمات، ومن الودائع إلى صناديق سوق المال، ومن البنوك إلى منتجات مالية خارج النظام المصرفي التقليدي.

من 1933 إلى 2011.. رحلة كاملة من التنظيم إلى التحرير

بدأت الرحلة مع الكساد الكبير وقانون البنوك لعام 1933 ، ثم جاءت Regulation Q لتضع سقوفًا على فوائد بعض الودائع، قبل أن تبدأ هذه السقوف في إظهار آثارها مع ارتفاع أسعار الفائدة في الستينيات والسبعينيات.

وبعد ذلك بدأ الكونغرس في 1980 عملية التخلص التدريجي من القيود، واكتمل الجزء الأكبر منها في منتصف الثمانينيات.

أما الحظر المتبقي على الفائدة على الودائع تحت الطلب، فانتهى قانونيًا في 2011.

وهكذا استمرت رحلة تنظيم أسعار الفائدة على الودائع الأمريكية قرابة ثمانية عقود، لتتحول من واحدة من أدوات إصلاح النظام المصرفي بعد الكساد الكبير إلى مثال تاريخي على صعوبة إبقاء القواعد المالية ثابتة بينما تتغير الأسواق.

وقصة Regulation Q لا تتعلق بالتاريخ المصرفي الأمريكي فقط، فهي تقدم درسًا أوسع عن العلاقة بين التنظيم والمنافسة: عندما تضع السلطات حدًا لسعر يمكن أن يحصل عليه المدخر، فإنها لا تتحكم في رغبة المستثمر في تحقيق عائد.

قد يتغير المنتج، أو المؤسسة، أو السوق التي تتحرك إليها الأموال ، ولهذا فإن السؤال الأهم في أي نظام مصرفي ليس فقط هل نضع سقفًا للفائدة؟، وإنما أيضًا: كيف يتغير سلوك البنوك والمودعين والأسواق عندما يصبح هذا السقف أقل من السعر الذي يحدده السوق؟

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى