الذهب تحت ضغط الفائدة.. هل يعود إلى 4000 دولار قبل أن يبدأ رحلة الـ5000؟

يواجه الذهب اختبارًا جديدًا مع صعود توقعات أسعار الفائدة الأمريكية وارتفاع عوائد السندات وقوة الدولار، وهي عوامل قد تدفع المعدن النفيس إلى العودة نحو مستوى 4000 دولار للأونصة خلال الأسبوع المقبل.

لكن التراجع المحتمل لا يعني، وفق رؤية أكاش دوشي، رئيس استراتيجية الذهب لدى «ستيت ستريت لإدارة الاستثمارات»، أن الاتجاه طويل الأجل للذهب فقد قوته.

ويرى دوشي أن الطريق إلى 5000 دولار للأونصة أصبح أكثر صعوبة، لكنه لا يزال ممكنًا خلال الأشهر الستة المقبلة، في ظل استمرار الطلب الاستثماري والمادي، وتزايد المخاوف المرتبطة بالدين الحكومي والتضخم والمخاطر الجيوسياسية.

الفائدة تضغط على الذهب.. لكن الصورة لم تنكسر

قال دوشي في مقابلة مع «كيتكو نيوز» إن الذهب يواجه في الوقت الحالي ضغوطًا تكتيكية قوية، بعدما أعادت الأسواق تسعير توقعاتها بشأن السياسة النقدية الأمريكية.

وأشار إلى أن الأسواق استوعبت منذ منتصف أغسطس توقعات بزيادتين إضافيتين في أسعار الفائدة، بالتزامن مع تحول واضح في توقعات العوائد طويلة الأجل.

ويعني ذلك ارتفاع العوائد الاسمية والحقيقية، إلى جانب قوة الدولار الأمريكي، وهي ثلاثة عوامل تضغط عادةً على الذهب الذي لا يدر عائدًا دوريًا.

وبحسب دوشي، فإن الذهب يتفاعل حاليًا مع ما وصفه ببلوغ السوق ذروة التشدد النقدي، بعدما أصبحت توقعات الفائدة أكثر صرامة.

لماذا قد يعود الذهب إلى 4000 دولار؟

يرى دوشي أن استمرار إعادة تسعير الفائدة وارتفاع عوائد السندات يمكن أن يعيدا الذهب إلى اختبار مستوى 4000 دولار للأونصة على المدى القصير.

لكن هذا المستوى يظل، في رؤيته، منطقة دعم مهمة، وليس بالضرورة بداية لانهيار جديد في أسعار المعدن.

وتكمن المفارقة في أن الذهب استطاع الاحتفاظ بمستويات مرتفعة رغم ارتفاع العوائد بصورة كبيرة مقارنة بما كانت عليه قبل جائحة كورونا.

فوفق دوشي، كان عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات يدور حول 1.5% قبل الجائحة، بينما أصبح في الوقت الحالي قريبًا من 5.3%، في حين ظل الذهب بالقرب من مستوى 4000 دولار في فترات التصحيح.

وهذا التباين، بحسب رؤيته، يشير إلى أن الذهب لم يعد يتحرك فقط وفق العلاقة التقليدية بينه وبين أسعار الفائدة.

الطريق إلى 5000 دولار أصبح أصعب

لا يتجاهل دوشي الضغوط الحالية على المعدن.

وقال إن قيام الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة مرتين إضافيتين سيشكل عائقًا تكتيكيًا أمام الذهب، لأن ارتفاع العوائد الحقيقية يزيد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن.

لكن هذه التطورات لا تغير، من وجهة نظره، الصورة الهيكلية طويلة الأجل.

ويظل وصول الذهب إلى 5000 دولار للأونصة خلال الأشهر المقبلة سيناريو ممكنًا، وإن كان الطريق إليه أصبح أكثر صعوبة مع ارتفاع العوائد وقوة الدولار.

وكان دوشي قد طرح في أغسطس نطاقًا أساسيًا للذهب بين 4750 و5500 دولار للأونصة خلال الأشهر التالية، مع عودة مستوى 5000 دولار إلى دائرة الأهداف المحتملة.

ارتفاع الفائدة لا يحل أزمة الدين الأمريكي

يرى دوشي أن المشكلة الأهم بالنسبة للأسواق لا تتعلق فقط بمستوى الفائدة، وإنما بما يحدث للمالية العامة الأمريكية.

فرفع أسعار الفائدة قد يساعد في مكافحة التضخم، لكنه في الوقت نفسه يزيد تكلفة خدمة الدين الحكومي.

ومع تجاوز الدين الحكومي الأمريكي 40 تريليون دولار، تصبح تكلفة الاقتراض عنصرًا أكثر أهمية في الحسابات المالية طويلة الأجل.

وهنا تظهر إحدى نقاط القوة الهيكلية للذهب، وفق رؤية دوشي، إذ يمكن أن يتحول المعدن إلى أداة تحوط عندما ترتفع المخاوف بشأن استدامة الدين والسياسات المالية.

لماذا ترتفع عوائد السندات ولا ينهار الذهب؟

تطرح هذه العلاقة سؤالًا مهمًا للمستثمرين.

فعادةً ما يمثل ارتفاع عوائد السندات، خصوصًا العوائد الحقيقية، ضغطًا على الذهب، لأن المستثمر يستطيع الحصول على عائد أعلى من أصول أخرى دون الحاجة إلى الاحتفاظ بمعدن لا يدر فائدة.

لكن دوشي يميز بين سبب ارتفاع العوائد.

فإذا ارتفعت العوائد بسبب نمو اقتصادي قوي وتحسن توقعات أرباح الشركات، فإن الذهب يواجه منافسة حقيقية.

أما إذا جاءت الزيادة نتيجة ارتفاع علاوة الأجل بسبب المخاوف من التضخم، وزيادة الاقتراض الحكومي، وتراجع الثقة في الوضع المالي، فقد يصبح ارتفاع العوائد نفسه عاملًا داعمًا للذهب على المدى الطويل.

علاوة الأجل تكشف قلق الأسواق

أشارت «ستيت ستريت» في تقريرها عن الذهب لشهر سبتمبر إلى ارتفاع علاوات الأجل طويلة المدى في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا إلى أعلى مستوياتها منذ 2011.

وتربط المؤسسة هذه التحركات بثلاثة عوامل رئيسية:

  • مخاوف بشأن المصداقية المؤسسية.
  • استمرار ضغوط التضخم.
  • الاختلالات المالية وزيادة المعروض من سندات الخزانة.

ويعني ارتفاع علاوة الأجل أن المستثمرين يطلبون تعويضًا أكبر مقابل الاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل في ظل المخاطر المالية والتضخمية.

وهذه البيئة تمنح الذهب وظيفة مختلفة؛ إذ لا يصبح مجرد وسيلة للمراهنة على انخفاض الفائدة، وإنما أداة للتحوط من مخاطر القوة الشرائية والمالية العامة.

الصين تواصل دعم الذهب

إلى جانب العوامل المالية، يستند الذهب إلى طلب مادي قوي، خصوصًا من الصين.

وبحسب بيانات «ستيت ستريت» الواردة في المادة، بلغت واردات الصين من الذهب غير النقدي نحو 1000 طن خلال أول 7 أشهر من 2026، بزيادة 78% على أساس سنوي.

وجاء ذلك رغم ارتفاع متوسط أسعار الذهب المحلية في الصين بنحو 45% خلال الفترة نفسها.

وتشير هذه الأرقام إلى أن ارتفاع الأسعار لم يمنع الطلب الصيني من الاستمرار، وهو عامل مهم بالنسبة لسوق الذهب العالمي.

المستثمر الغربي لم يخرج من السوق

لم يقتصر الدعم على الطلب الآسيوي.

فبحسب البيانات التي أوردتها «ستيت ستريت»، واصلت صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالذهب جذب استثمارات خلال سبتمبر، في إشارة إلى استمرار اهتمام المستثمرين الغربيين بالمعدن كأداة للتحوط.

وكانت صناديق الذهب المتداولة عالميًا قد اجتذبت 17.1 مليار دولار خلال أغسطس، بينما سجلت الصناديق المدرجة في الولايات المتحدة تدفقات بلغت 7.9 مليار دولار، في أقوى أداء شهري لها منذ سبتمبر 2025.

وتكتسب هذه التدفقات أهمية خاصة لأنها تعكس عودة الطلب الاستثماري، وليس فقط الطلب المادي على المعدن.

خيارات الذهب تميل إلى الصعود

هناك إشارة أخرى تأتي من سوق المشتقات.

فبحسب دوشي، لا تزال توقعات التقلبات طويلة الأجل تميل إلى الاتجاه الصعودي، مع استمرار المستثمرين في البحث عن فرص للاستفادة من ارتفاع أسعار الذهب.

كما أشار تقرير «ستيت ستريت» إلى تحول تدفقات مشتقات الذهب من التركيز على خيارات البيع إلى خيارات الشراء، مع ارتفاع تكلفة خيارات الشراء مقارنة بخيارات البيع.

وتشير هذه الحركة إلى أن جزءًا من المستثمرين لا يزال يستعد لاحتمالات ارتفاع الأسعار، حتى مع الضغوط التي تواجه الذهب في الأجل القصير.

الذهب بين ضغط الفائدة وقوة الطلب

تكشف الصورة الحالية عن صراع بين عاملين متناقضين.

من جهة، تضغط الفائدة المرتفعة والعوائد الحقيقية وقوة الدولار على الذهب، وقد تدفعه إلى إعادة اختبار مستوى 4000 دولار.

ومن جهة أخرى، يستمر الطلب من الصين والمستثمرين الغربيين، بينما تضيف المخاوف بشأن الدين الحكومي والتضخم والمخاطر الجيوسياسية دعمًا هيكليًا للمعدن.

وهذا ما يجعل التصحيح الحالي مختلفًا عن موجة هبوط تقليدية؛ فالذهب يواجه رياحًا معاكسة قوية، لكنه في الوقت نفسه يحتفظ بعدد من مصادر الطلب التي قد تحد من عمق التراجع.

والاختبار الأول للذهب سيكون قدرته على الحفاظ على مستوى 4000 دولار للأونصة إذا استمرت توقعات رفع الفائدة الأمريكية وواصلت عوائد السندات ارتفاعها.

أما إذا بدأت الأسواق في تخفيف توقعاتها بشأن التشديد النقدي، فقد يحصل المعدن على مساحة جديدة للصعود.

وفي السيناريو الذي يطرحه دوشي، لا يزال مستوى 5000 دولار ممكنًا خلال الأشهر الستة المقبلة، لكن الوصول إليه يحتاج إلى تغيرات في البيئة النقدية والمالية، وليس مجرد استمرار الزخم الحالي.

وبالتالي، تبدو معركة الذهب المقبلة بين ضغط الفائدة والعوائد في الأجل القصير والطلب الهيكلي والمخاوف المالية في الأجل الأطول.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى