الذهب يتراجع أمام الدولار والنفط.. بيانات التضخم الأمريكية تحسم رهانات الفائدة

تراجع الذهب في تداولات الاثنين مع صعود الدولار الأمريكي وارتفاع أسعار النفط، بينما فضّل المستثمرون التريث قبيل صدور بيانات التضخم الأمريكية التي قد تعيد تشكيل توقعاتهم بشأن مسار أسعار الفائدة لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وانخفض الذهب الفوري بنسبة 0.5% إلى 4171.77 دولار للأونصة، في حين استقرت العقود الآجلة الأمريكية عند نحو 4196.95 دولار، وسط استمرار الضغوط الناتجة عن ارتفاع عوائد سندات الخزانة وتزايد المخاوف من بقاء التضخم أعلى من مستهدف البنك المركزي الأمريكي.
التضخم الأمريكي يضع الذهب أمام اختبار جديد
تتجه أنظار الأسواق إلى بيانات التضخم الأمريكية المنتظر صدورها خلال الأسبوع، بعدما أعادت القراءات الاقتصادية الأخيرة تنشيط النقاش بشأن توقيت أي زيادة جديدة في أسعار الفائدة.
ومن المقرر صدور مؤشر أسعار المستهلكين لشهر سبتمبر يوم الأربعاء 14 أكتوبر، يليه مؤشر أسعار المنتجين يوم الخميس 15 أكتوبر. وتكتسب البيانات أهميتها من تأثيرها المحتمل في توقعات التضخم، فضلًا عن دخول بعض مكوناتها في حساب مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، المقياس الذي يفضله الاحتياطي الفيدرالي لمتابعة تغيرات الأسعار.
ويرى كلارك بيلين، رئيس وكبير مسؤولي الاستثمار في شركة بيلويذر ويلث، أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يدفع مؤشر أسعار المستهلكين إلى تسجيل زيادة، مشيرًا إلى أن التضخم لا يزال أعلى من مستهدف الفيدرالي البالغ 2%.
ويعني استمرار الضغوط السعرية أن البنك المركزي قد يحتاج إلى الإبقاء على سياسته النقدية المشددة لفترة أطول، وهو ما يزيد الضغوط على الذهب الذي لا يدر عائدًا دوريًا.
الدولار القوي وعوائد السندات يقلصان جاذبية المعدن
لم يستفد الذهب بصورة مستدامة من بيانات التضخم الأمريكية الأخيرة التي جاءت أقل من التوقعات، بعدما عاد الدولار والعوائد المرتفعة إلى الضغط على المعدن.
وتؤدي قوة العملة الأمريكية إلى زيادة تكلفة شراء الذهب بالنسبة للمستثمرين الذين يتعاملون بعملات أخرى، بينما ترفع عوائد السندات تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بأصل لا يحقق فائدة.
وقالت شركة Tastylive إن البيانات الأخيرة دعمت الذهب لفترة محدودة، لكن الارتفاع المستمر في العوائد حد من المكاسب، في ظل توازن السوق بين مؤشرات التضخم وتوقعات السياسة النقدية.
ويترقب المستثمرون ما إذا كانت بيانات الأسعار الجديدة ستدفع الأسواق إلى تقليص رهانات رفع الفائدة، أم ستعزز التوقعات باستمرار التشديد النقدي حتى نهاية العام.
مشتريات البنوك المركزية تمنح الذهب دعمًا طويل الأجل
على الرغم من الضغوط قصيرة الأجل، لا تزال مشتريات البنوك المركزية أحد العوامل التي يراهن عليها المستثمرون لدعم الذهب.
وأظهرت بيانات سبتمبر أن بنك الشعب الصيني أضاف 740 ألف أونصة إلى احتياطياته من الذهب، مواصلًا سلسلة الشراء للشهر الثالث والعشرين على التوالي.
كما أشار محللون في بنك ANZ إلى ارتفاع التدفقات الاستثمارية إلى صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب إلى أعلى مستوياتها في أربع سنوات، وفق بيانات نقلتها بلومبرغ.
ويرتبط جانب من هذا الطلب بالمخاوف المتعلقة بارتفاع الديون الحكومية وتكاليف خدمتها، وهو ما يدفع بعض المستثمرين والبنوك المركزية إلى تنويع محافظهم بعيدًا عن الأصول التقليدية.
لكن هذا الدعم لا يلغي حساسية الذهب لتحركات الدولار والعوائد؛ إذ يمكن للطلب الاستثماري أن يحد من الخسائر دون أن يكون كافيًا وحده لإطلاق موجة صعود جديدة.
النفط يضيف ضغوطًا تضخمية وسط تصاعد التوترات
ارتفعت أسعار النفط مع تصاعد المخاوف بشأن الإمدادات عقب الهجمات الحوثية على مطار الملك خالد الدولي في الرياض، وما أثارته من مخاوف بشأن اتساع المواجهة الإقليمية وتأثيرها في أسواق الطاقة.
وسجلت العقود الآجلة لخام برنت ارتفاعًا بنسبة 1.4% إلى 106.15 دولار للبرميل، في ظل استمرار التوترات المرتبطة بالحرب والمخاطر المحيطة بإمدادات النفط.
ويخلق صعود الطاقة معادلة معقدة بالنسبة للذهب؛ فمن جهة، قد تدعم المخاطر الجيوسياسية الطلب على المعدن بوصفه ملاذًا آمنًا، ومن جهة أخرى، يمكن لارتفاع النفط أن يغذي التضخم ويزيد احتمالات إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة.
وتعتمد المحصلة على العامل الذي سيسيطر على قرارات المستثمرين: الحاجة إلى التحوط من المخاطر، أم ارتفاع تكلفة الاحتفاظ بالذهب مع صعود العوائد.
ANZ يحذر من تأثير التضخم في مسار الذهب
يرى محللو بنك ANZ أن الطلب الاستثماري ومشتريات البنوك المركزية يوفران دعمًا للمعدن، لكن استمرار التضخم قد يحد من قدرته على التعافي إذا دفع الاحتياطي الفيدرالي إلى مزيد من التشديد النقدي.
فكلما ارتفعت احتمالات زيادة الفائدة، ازدادت جاذبية الأصول المدرة للدخل مقارنة بالذهب، بينما قد يمنح تراجع التضخم الأسواق مساحة لإعادة تقييم توقعاتها بشأن السياسة النقدية.
وتبرز أهمية بيانات الأسبوع الحالي في أنها ستساعد على تحديد ما إذا كان تراجع التضخم الأخير يمثل اتجاهًا قابلًا للاستمرار، أم مجرد تحسن مؤقت لا يغير المسار العام للأسعار.
الذهب بين فرصة التعافي ومخاطر استمرار التصحيح
يدخل الذهب المرحلة الحالية وسط عوامل متعارضة؛ فمشتريات البنوك المركزية وتدفقات الاستثمار توفران دعمًا، في حين تواصل قوة الدولار وارتفاع العوائد والنفط الضغط على الأسعار.
ويرى بارت ميليك، الرئيس العالمي لاستراتيجية السلع في شركة TD Securities، أن تعويض جميع خسائر الذهب المسجلة في سبتمبر يبدو أمرًا غير مرجح، لكنه أشار إلى وجود أسباب للاعتقاد بأن الجزء الأسوأ من التصحيح ربما انتهى في الوقت الحالي.
ويبقى اتجاه المعدن خلال الأيام المقبلة مرتبطًا بمدى تأثير بيانات التضخم في توقعات الفائدة والعوائد الأمريكية، إلى جانب تطورات أسواق الطاقة والتوترات الجيوسياسية.









