رئيس البنك الدولي يدعم الذكاء الاصطناعي المصغر لاقتصادات الأسواق الناشئة
بانغا يرسم طريقًا مختلفًا للذكاء الاصطناعي.. تطبيقات صغيرة قد تمنح الاقتصادات الناشئة فرصة أكبر

دعا أجاي بانغا، رئيس مجموعة البنك الدولي، الاقتصادات الناشئة إلى التركيز على تطبيقات الذكاء الاصطناعي المصغر المصممة لتلبية احتياجاتها المحلية، بدلًا من الدخول في سباق مكلف لتطوير أضخم نماذج الذكاء الاصطناعي الذي تقوده الولايات المتحدة والصين، معتبرًا أن التطبيقات العملية الأقل تكلفة يمكن أن تساعد الشركات والخدمات العامة على رفع الإنتاجية وخلق فرص العمل.
وجاءت الرسالة خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي في بانكوك، حيث ربط بانغا بين توظيف التكنولوجيا وتحقيق نمو اقتصادي أكثر شمولًا، مؤكدًا أن نجاح الاستثمار لا يُقاس بحجمه وحده، وإنما بقدرته على تحسين دخول العمال والأسر وتوسيع فرص العمل.
الذكاء الاصطناعي المصغر.. رهان الاقتصادات الناشئة على الإنتاجية
يرتكز مفهوم الذكاء الاصطناعي المصغر على تطوير أدوات محددة الوظائف، أقل تكلفة وأكثر ملاءمة لاحتياجات المستخدمين، بدلًا من منافسة الشركات الكبرى في بناء نماذج ضخمة تتطلب قدرات حاسوبية ورؤوس أموال وخبرات متخصصة.
ويرى بانغا أن هذا المسار يتيح للاقتصادات الناشئة الاستفادة من التكنولوجيا حتى مع محدودية الموارد المتاحة لديها، خصوصًا في مجالات الرعاية الصحية والزراعة والتعليم والخدمات المالية.
وأشار إلى أن العديد من هذه الاقتصادات لا تمتلك القدرة الحاسوبية أو إمدادات الكهرباء المستقرة أو المواهب المتخصصة اللازمة لمنافسة الدول والشركات الرائدة في تطوير النماذج المتقدمة. لكن ذلك لا يمنعها من استخدام تطبيقات عملية لتحسين الإنتاجية وتطوير الخدمات.
واستشهد بانغا بتجارب عملية، من بينها أدوات تساعد المزارعين في الهند على التعرف على أمراض النباتات والآفات عبر الهاتف، وتطبيقات تدعم الفحص الأولي للحالات المرضية داخل بعض العيادات في إندونيسيا.
وتوضح هذه الأمثلة أن العائد الاقتصادي من الذكاء الاصطناعي لا يتوقف على امتلاك النموذج الأكبر، بل يمتد إلى القدرة على تحويل التكنولوجيا إلى حلول يمكن للأفراد والشركات استخدامها بتكلفة مناسبة.
الكهرباء والإنترنت شرط أساسي للاستفادة من التكنولوجيا
ورغم الفرص التي يتيحها هذا النهج، شدد رئيس البنك الدولي على أن الاستفادة الفعلية من الذكاء الاصطناعي تتطلب بنية تحتية رقمية وطاقة موثوقة.
فمن دون اتصال مستقر بالإنترنت وإمدادات كهرباء كافية، قد تواجه الشركات الصغيرة والمزارعون ومقدمو الخدمات صعوبة في الوصول إلى التطبيقات الرقمية واستخدامها بصورة منتظمة.
كما تبرز الحاجة إلى تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة وتطوير مهارات العاملين، حتى تتمكن هذه المؤسسات من تبني التكنولوجيا وتحويلها إلى زيادة في الإنتاجية وتحسين قدرتها التنافسية.
ويضع هذا الطرح البنية التحتية والمهارات في قلب معادلة التحول الرقمي، بدلًا من حصر النقاش في سباق تطوير النماذج التقنية بين القوى الكبرى.
تايلاند أمام اختبار النمو.. دخل مرتفع بحلول 2037
وتأتي تصريحات بانغا في وقت تسعى فيه تايلاند إلى التحول إلى اقتصاد مرتفع الدخل بحلول عام 2037، مستفيدة من قدراتها الصناعية وموقعها داخل سلاسل التوريد التكنولوجية العالمية.
وقال رئيس البنك الدولي إن البلاد تمتلك فرصًا للاستفادة من الطلب المتزايد على مكونات التكنولوجيا والبنية التحتية المرتبطة بمراكز البيانات، إلى جانب قطاعات السياحة والأعمال الزراعية والخدمات الرقمية.
لكن التحدي لا يقتصر على جذب الاستثمارات أو توسيع الإنتاج، إذ يتعين على تايلاند تحويل هذه الفرص إلى وظائف أفضل ودخول أعلى، مع زيادة القيمة الاقتصادية التي تحتفظ بها الشركات والعمال المحليون.
ويضع هذا التوجه التصنيع المتقدم والخدمات الرقمية والزراعة ذات القيمة المضافة ضمن المجالات التي يمكن أن تسهم في المرحلة المقبلة من التحول الاقتصادي التايلاندي.
5.4% نموًا سنويًا مطلوبًا لبلوغ هدف 2037
حدد تقرير للبنك الدولي صدر في سبتمبر 2026 حاجة تايلاند إلى تحقيق متوسط نمو سنوي حقيقي يبلغ 5.4% في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي خلال العقد المقبل، حتى تتمكن من الوصول إلى تصنيف الاقتصادات مرتفعة الدخل بحلول عام 2037.
ويشير التقرير إلى أن تحقيق هذا المسار يتطلب رفع الإنتاجية، وتسريع تبني التكنولوجيا، وتطوير مهارات العاملين، وزيادة القيمة المضافة محليًا، إلى جانب تعزيز قدرة الشركات على الابتكار والمنافسة.
ولا يعني بلوغ هذا المعدل أن الهدف مضمون؛ بل يمثل مسارًا للنمو المطلوب، يرتبط تنفيذه بقدرة الاقتصاد على تجاوز التحديات الهيكلية وتحويل الاستثمارات إلى أنشطة أعلى إنتاجية.
الاستثمار لا يكفي.. الوظائف والدخول معيار النجاح
شدد بانغا على أن النمو الاقتصادي وحده لا يمثل نتيجة كافية إذا لم تصل مكاسبه إلى العاملين والأسر.
وأشار إلى أن الجمع بين الصناعات التحويلية ذات القيمة العالية والسياحة والأعمال الزراعية يمكن أن يدعم الاقتصاد، لكنه يتطلب تحقيق عائد مناسب لرأس المال والعمل معًا.
وتكتسب هذه النقطة أهمية في الاقتصادات التي تجذب استثمارات كبيرة في التصنيع المتقدم ومراكز البيانات، إذ قد تحقق تلك المشروعات عوائد مرتفعة دون أن تنعكس بالقدر نفسه على فرص العمل أو دخول شرائح واسعة من السكان.
ومن ثم، فإن نجاح الاستثمارات التكنولوجية يعتمد أيضًا على تطوير الموردين المحليين، وتأهيل العمالة، وتوفير وظائف ذات قيمة مضافة أعلى، بما يعزز الاستهلاك المحلي ويوسع الاستفادة من النمو.
البنك الدولي يستهدف توسيع دور رأس المال الخاص
وفي ظل القيود التي تواجه الموازنات الحكومية في الاقتصادات النامية، أكد بانغا أهمية تعبئة المزيد من الاستثمارات الخاصة وتمهيد الطريق أمام دخول رؤوس الأموال إلى المشروعات التنموية.
وأوضح أن مجموعة البنك الدولي نجحت في حشد 112 مليار دولار من رؤوس الأموال الخاصة خلال السنة المالية 2026، وهو مستوى قياسي وفق بيانات المؤسسة.
وتشمل الأدوات التي يركز عليها البنك تسهيل الاستثمار واستخدام الضمانات لتقليل المخاطر أمام المستثمرين، بما يساعد على توجيه التمويل إلى الاقتصادات النامية.
ويظل التحدي أمام هذه الاقتصادات هو توظيف التمويل في مشروعات تحقق نتائج ملموسة، سواء عبر تطوير البنية التحتية الرقمية أو رفع مهارات العاملين أو دعم الشركات المحلية، بدلًا من الاكتفاء بزيادة حجم الاستثمارات.
وتعكس رسالة بانغا توجهًا يربط بين الذكاء الاصطناعي العملي والاستثمار الخاص وخلق الوظائف؛ فالمنافسة التكنولوجية لا تتطلب من كل اقتصاد بناء أضخم نموذج، بقدر ما تتطلب امتلاك البنية الأساسية والمهارات والقدرة على استخدام التكنولوجيا في أنشطة ترفع الإنتاجية وتحسن مستويات المعيشة.









