الذهب يتلقى ضربة جديدة.. الدولار يضغط والأسواق تترقب «وارش»

تراجعت أسعار الذهب خلال تعاملات الأربعاء، مع تعرض المعدن لضغوط جديدة بفعل قوة الدولار وتزايد حالة عدم اليقين بشأن مسار السياسة النقدية الأمريكية، بعدما أظهرت أحدث البيانات استمرار التضخم فوق مستهدف الاحتياطي الفيدرالي، رغم بقاء بعض مؤشرات الأسعار الشهرية ضمن نطاق التوقعات.
وفي الساعة 16:00 بالتوقيت الشرقي، تراجع الذهب الفوري 1.4% إلى نحو 4594.36 دولارًا للأونصة، بينما انخفضت العقود الآجلة للذهب بنحو 1% إلى 4648.26 دولارًا للأونصة.
وجاءت الخسائر في وقت تحاول فيه الأسواق إعادة تقييم احتمالات تحرك الاحتياطي الفيدرالي خلال اجتماع سبتمبر، بينما يتجه اهتمام المستثمرين إلى خطاب رئيس البنك المركزي كيفن وارش في مؤتمر «جاكسون هول» بحثًا عن إشارات أوضح بشأن أسعار الفائدة والتضخم.
التضخم يبقي الفيدرالي في منطقة الحذر
أظهرت بيانات مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي أن مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي، الذي يُعد مقياس التضخم المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي، ارتفع بنسبة 0.2% شهريًا خلال يوليو، وبنسبة 3.3% على أساس سنوي.
وجاءت القراءة الشهرية متوافقة مع توقعات الأسواق، لكنها ارتفعت مقارنة بشهر يونيو، بينما ظل المعدل السنوي عند 3.3%، وهو مستوى لا يزال أعلى كثيرًا من مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%.
أما مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي العام، فارتفع بنسبة 0.2% خلال يوليو، ليسجل زيادة سنوية قدرها 3.7%، متجاوزًا التوقعات التي كانت تشير إلى نمو يبلغ 3.6%.
وهنا تكمن المشكلة بالنسبة للذهب؛ فاستمرار التضخم عند مستويات مرتفعة قد يمنح البنك المركزي مبررًا للإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
الاقتصاد الأمريكي يمنح الفيدرالي مساحة أكبر
لم تتوقف الإشارات الداعمة للحذر النقدي عند بيانات التضخم.
فقد أبقى مكتب التحليل الاقتصادي تقديره الثاني لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي الأمريكي خلال الربع الثاني عند 1.5%، وهي قراءة جاءت متوافقة مع توقعات الاقتصاديين.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت الطلبات الجديدة على السلع المعمرة المصنعة في يوليو بنسبة 1.1%، متجاوزة توقعات الأسواق البالغة 0.4%.
وتعطي هذه البيانات مجتمعة صورة لاقتصاد لا يزال قادرًا على الصمود، بالتزامن مع تضخم لم ينخفض بالسرعة الكافية إلى مستوى يطمئن صانعي السياسة النقدية.
رهانات سبتمبر تتحرك لصالح تثبيت الفائدة
انعكست هذه الصورة سريعًا على توقعات الأسواق.
ووفق أداة CME FedWatch، ارتفعت احتمالات إبقاء الاحتياطي الفيدرالي على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماع سبتمبر إلى نحو 64%، مقابل قرابة 60% قبل صدور البيانات الأخيرة.
ويعني ذلك أن المستثمرين أصبحوا أقل اقتناعًا بأن خفض الفائدة في سبتمبر هو السيناريو المرجح، وهو ما يزيد الضغوط على الذهب، خصوصًا أن المعدن الأصفر لا يدر عائدًا دوريًا مثل السندات والأدوات النقدية.
في المقابل، لا تزال الصورة غير محسومة بصورة كاملة؛ فتباطؤ النمو قد يعيد لاحقًا طرح سؤال خفض الفائدة إذا ظهرت علامات أقوى على ضعف النشاط الاقتصادي.
عوائد السندات تعيد المنافسة مع الذهب
تزامن تراجع الذهب مع استمرار حالة التقلب في سوق السندات الأمريكية.
وكانت المخاوف المتعلقة بالتضخم وارتفاع أسعار النفط، إلى جانب القلق بشأن حجم الديون الأمريكية وتمويل الاستثمارات الضخمة المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، قد دفعت عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل إلى مستويات مرتفعة.
وعندما ترتفع عوائد السندات، تصبح الأصول التي توفر عائدًا أكثر جاذبية مقارنة بالذهب، وهو ما يزيد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن.
لكن المفارقة أن المخاوف نفسها المتعلقة بالدين الأمريكي قد تدفع بعض المستثمرين إلى الذهب باعتباره أصلًا ملموسًا للتحوط من المخاطر المالية وفقدان القوة الشرائية.
«جاكسون هول».. المحطة التالية للذهب
بعد بيانات التضخم، يتحول اهتمام الأسواق الآن إلى خطاب رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش في مؤتمر «جاكسون هول» يوم الجمعة.
ويراقب المستثمرون أي إشارات يمكن أن تكشف موقف البنك المركزي من التضخم وأسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.
وقال تيري ويزمان، الاستراتيجي العالمي للعملات الأجنبية وأسعار الفائدة في ماكواري، إن وارش قد يتجنب الدخول في تفاصيل السياسة النقدية قصيرة الأجل، لكنه قد يركز على المخاطر طويلة الأجل المرتبطة بالتضخم.
ومن شأن أي لهجة متشددة أن تمنح الدولار وعوائد السندات دعمًا إضافيًا، بما قد يضع الذهب أمام ضغوط جديدة.
أما النبرة الأكثر مرونة، فقد تمنح المعدن فرصة لاستعادة جزء من خسائره الأخيرة.
الذهب لا يزال يجد سندًا في المخاطر الجيوسياسية
ورغم الضغط القادم من الدولار والفائدة، لا تزال المخاطر الجيوسياسية عنصرًا يمكن أن يحد من خسائر الذهب.
وتراقب الأسواق تطورات الحرب بين روسيا وأوكرانيا، إلى جانب التطورات المتعلقة بإيران ومضيق هرمز، باعتبارها عوامل قد تزيد الطلب على أصول الملاذ الآمن.
وتظل أي تطورات مفاجئة في ملفات الطاقة أو الأمن العالمي قادرة على تغيير اتجاه الذهب سريعًا، خصوصًا إذا انعكست على أسعار النفط أو توقعات التضخم.
المعادلة الصعبة أمام الذهب
يدخل الذهب المرحلة المقبلة وسط معادلة متناقضة: التضخم والمخاطر الجيوسياسية يدعمان جاذبيته كملاذ وتحوط، بينما قوة الدولار وارتفاع عوائد السندات واحتمالات بقاء الفائدة مرتفعة تضغط على أسعاره.
لذلك، لن يكون السؤال في الأيام المقبلة حول قدرة الذهب على الارتفاع فقط، بل حول أي طرف من هذه المعادلة سيحسم اتجاه السوق.
وتبقى كلمة «وارش» في جاكسون هول هي المحطة الأقرب التي قد تمنح المستثمرين إشارة أكثر وضوحًا بشأن المسار المقبل للمعدن الأصفر.









