الذهب يهبط دون 4 آلاف دولار ويخسر 3.5% أسبوعيًا.. لماذا يتراجع رغم التوترات؟

تراجعت أسعار الذهب والفضة في نهاية تداولات الجمعة، مع استمرار موجة البيع التي ضغطت على المعادن النفيسة طوال الأسبوع، وسط صعود أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من أربع سنوات، وتجدد المخاوف من ارتفاع التضخم واستمرار السياسة النقدية المتشددة للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

وسجل الذهب الفوري نحو 3995.81 دولار للأونصة، منخفضًا بنسبة 0.70% في آخر قراءة متاحة خلال تداولات الجمعة، بينما تراجعت الفضة الفورية إلى 53.896 دولار للأونصة، بخسارة بلغت 1.26%. ويتجه الذهب بذلك إلى تسجيل تراجع أسبوعي يتجاوز 3.5%، في ظل استمرار الضغوط البيعية على المعدنين.

وجاءت الخسائر رغم تصاعد المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتراجع أسواق الأسهم الأمريكية والأوروبية، إذ حدّت مخاوف التضخم وارتفاع توقعات أسعار الفائدة من جاذبية الذهب كملاذ آمن.

النفط فوق 117 دولارًا يعقد مسار الذهب

تجاوز سعر خام برنت 117 دولارًا للبرميل خلال جلسة الجمعة، فيما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط إلى أكثر من 103 دولارات، مدفوعًا بالمخاوف من اتساع المواجهة العسكرية مع إيران واحتمال تعرض إمدادات الطاقة في الخليج لمزيد من الاضطرابات.

وأعادت المخاوف بشأن مضيق هرمز وأمن حركة ناقلات النفط تسعير المخاطر في أسواق الطاقة، مع استمرار التوترات وتعثر الجهود الدبلوماسية. ويهدد استمرار الاضطرابات برفع تكاليف الشحن والتأمين وزيادة الضغوط على الإمدادات العالمية.

لكن ارتفاع النفط لا يصب بالضرورة في مصلحة الذهب؛ إذ يمكن أن يؤدي إلى زيادة تكاليف الطاقة وتغذية التضخم، بما يعزز احتمالات بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول. ويضع هذا المسار المعدن الأصفر أمام تأثيرين متعارضين: دعم محتمل من الطلب على الملاذات الآمنة، وضغط ناتج عن توقعات التشديد النقدي وارتفاع عوائد السندات.

بيانات أمريكية قوية تعزز مخاوف التضخم

عززت البيانات الاقتصادية الأمريكية الصادرة الجمعة التوقعات باستمرار متانة النشاط الاقتصادي، رغم ارتفاع تكاليف الاقتراض، في وقت أظهرت فيه مؤشرات الأسعار استمرار الضغوط التضخمية.

وانخفض مؤشر مديري المشتريات المركب الأولي لشهر أكتوبر إلى 57.6 نقطة مقابل 58.4 نقطة في سبتمبر، لكنه ظل عند ثاني أعلى مستوى منذ مارس 2022. وفي المقابل، ارتفع مؤشر القطاع التصنيعي إلى 56 نقطة من 55.9 نقطة، متجاوزًا التوقعات البالغة 55.5 نقطة.

أما مؤشر مديري المشتريات الخدمي فتراجع إلى 57.9 نقطة من 58.8 نقطة، وجاء أقل قليلًا من التوقعات. وأظهرت البيانات استمرار نمو الطلبات الجديدة، بالتزامن مع تسارع تضخم أسعار البيع في قطاعي التصنيع والخدمات إلى أعلى وتيرة منذ أغسطس 2022.

وتعزز هذه المؤشرات المخاوف من أن استمرار قوة الطلب وارتفاع تكاليف الإنتاج قد يصعّبان مهمة الاحتياطي الفيدرالي في إعادة التضخم إلى مستوياته المستهدفة، وهو ما قد يحد من فرص تيسير السياسة النقدية سريعًا.

توقعات التضخم ترتفع إلى أعلى مستوياتها منذ مايو

أظهرت القراءة المعدلة لمؤشر ثقة المستهلك الصادر عن جامعة ميشيغان ارتفاع المؤشر إلى 48 نقطة في أكتوبر، مقابل 46.3 نقطة في القراءة الأولية، لكنه ظل دون مستوى سبتمبر البالغ 48.1 نقطة، وأقل بنحو 10% من مستواه قبل عام.

وفي المقابل، تراجع مؤشر الأوضاع الاقتصادية الحالية إلى 46.7 نقطة من 50.9 نقطة في سبتمبر، بما يعكس استمرار الضغوط على القدرة الشرائية للأسر الأمريكية.

وجاء التطور الأهم في توقعات التضخم؛ إذ ارتفعت توقعات التضخم للعام المقبل إلى 4.7% من 4.6%، بينما زادت التوقعات طويلة الأجل إلى 3.5% من 3.4%. ووصل المؤشران إلى أعلى مستوياتهما منذ مايو، ما يعزز مخاوف الأسواق من استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة بالنسبة إلى الذهب، لأن ارتفاع توقعات التضخم قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على سياسة نقدية تقييدية، بما يدعم الدولار وعوائد السندات ويزيد تكلفة الاحتفاظ بالأصول التي لا تدر عائدًا، وفي مقدمتها المعدن الأصفر.

قرار الفيدرالي وبيانات التضخم يحددان اتجاه التداولات

تتجه أنظار المستثمرين إلى اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية وبيانات التضخم الأمريكية المرتقبة، باعتبارهما عاملين رئيسيين في تحديد توقعات أسعار الفائدة ومسار الذهب خلال الفترة المقبلة.

ومن المقرر أن يصدر مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو مقياس التضخم المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي، عن شهر سبتمبر، وسط ترقب لما إذا كانت ضغوط الأسعار التي ظهرت في مؤشرات النشاط الاقتصادي وثقة المستهلك ستنعكس على بيانات التضخم الرسمية.

وقد تدعم قراءة أضعف من المتوقع للتضخم رهانات خفض أسعار الفائدة مستقبلًا، بما قد يضغط على عوائد سندات الخزانة والدولار ويمنح الذهب فرصة للتعافي. أما استمرار ارتفاع الأسعار فقد يعزز احتمالات التشديد النقدي ويبقي المعدن النفيس تحت الضغط.

تراجع الأسهم الأمريكية والأوروبية يزيد حذر المستثمرين

أنهت مؤشرات الأسهم الأمريكية تداولات الجمعة على انخفاض، متأثرة بارتفاع أسعار النفط وتجدد المخاوف الجيوسياسية والقلق بشأن الاستثمارات في قطاع التكنولوجيا.

وتراجع مؤشر داو جونز الصناعي بنحو 1.24% إلى 52,215.16 نقطة، بينما انخفض ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.52% إلى 7,623.68 نقطة، وتراجع ناسداك المركب بنسبة 0.21% إلى 25,955.34 نقطة.

وعلى مدار الأسبوع، خسر ستاندرد آند بورز 500 نحو 0.5%، وتراجع ناسداك بنسبة 0.7%، في حين ارتفع داو جونز بنحو 0.4%. كما أنهى مؤشر ستوكس 600 الأوروبي الجلسة منخفضًا بنحو 0.3%، لتصل خسائره الأسبوعية إلى قرابة 1.4%.

وعكست التحركات حذر المستثمرين في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة والتمويل، واستمرار الغموض السياسي والمالي في فرنسا، والمخاوف بشأن تمويل الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

ورغم أن تراجع الأسهم عادة ما يدعم الطلب على الذهب في بعض الظروف، فإن قوة الدولار وارتفاع عوائد السندات والمخاوف من التضخم حدّت من قدرة المعدن الأصفر على الاستفادة من توجه المستثمرين نحو الأصول الدفاعية.

مستويات فنية حاسمة للذهب والفضة

على الصعيد الفني، يواجه الذهب الفوري مقاومة أولية عند 4075 دولارًا للأونصة، ويحتاج إلى تجاوز هذا المستوى واستعادة الزخم الصعودي لتخفيف الضغوط قصيرة الأجل.

وفي الاتجاه الهابط، تتركز مستويات الدعم عند 3963 دولارًا ثم 3946 دولارًا، بينما يبرز مستوى 3890 دولارًا هدفًا هبوطيًا أعمق في حال كسر منطقة الدعم الرئيسية واستمرار موجة البيع.

أما الفضة الفورية، فتواجه مقاومة أولية عند 54.530 دولار، تليها منطقة 55.770 دولار، مع مستوى صعودي لاحق عند 58.090 دولار إذا استعاد السعر زخمه.

وفي المقابل، يمثل مستوى 53.460 دولار دعمًا أوليًا، يليه 52.410 دولار ثم 51.390 دولار. وقد يؤدي كسر الدعم الأول إلى زيادة الضغوط البيعية، خصوصًا مع استمرار المخاوف بشأن ارتفاع تكاليف الطاقة وتأثيرها في النشاط الصناعي والطلب على الفضة.

وتظل تحركات المعدنين مرتبطة بتطورات أسعار النفط، ومسار التوترات الجيوسياسية، وبيانات التضخم الأمريكية، وأي تغير في توقعات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى