الفيدرالي يرصد أثر الذكاء الاصطناعي على التوظيف .. والتسريح الواسع لم يظهر بعد

بدأ تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل الأمريكي يظهر في قرارات التوظيف داخل عدد من الشركات، مع اتجاه بعضها إلى عدم تعويض الموظفين المغادرين أو تأجيل التعيينات وتقليص فرص العمل الجديدة، وفق تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن مجلس الاحتياطي الفيدرالي في 14 أكتوبر 2026.

ورصد التقرير، الذي يجمع أوضاع الاقتصاد في 12 منطقة تابعة للاحتياطي الفيدرالي، هذه الظاهرة في 5 مناطق، حيث ربطت شركات بين ارتفاع الإنتاجية نتيجة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وبين تقليص أعداد العاملين أو إبطاء التوظيف المتوقع.

لكن الصورة لا تشير حتى الآن إلى تسريح واسع النطاق؛ إذ أفاد التقرير بأن مستويات التوظيف الإجمالية ظلت مستقرة إلى حد كبير، ما يعكس تحولًا تدريجيًا في كيفية استخدام الشركات للعمالة، أكثر من كونه انهيارًا مفاجئًا في الطلب عليها.

5 مناطق ترصد تغيرًا في التوظيف مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي

بحسب أحدث «كتاب بيج» للاحتياطي الفيدرالي، لم تسجل سوق العمل الأمريكية تغيرًا كبيرًا في إجمالي مستويات التوظيف، رغم ظهور مؤشرات على تعديل الشركات خططها بالتزامن مع الاستثمار في أدوات الذكاء الاصطناعي.

وفي خمس مناطق، أبلغت بعض الشركات عن خفض أعداد العاملين عبر عدم تعويض الموظفين الذين يغادرون وظائفهم، أو تأجيل التعيينات، أو توقع خلق فرص عمل أقل بعد تحسن الإنتاجية بفعل الذكاء الاصطناعي.

وتكتسب هذه الإشارات أهميتها من أنها تكشف مسارًا مختلفًا عن التسريح التقليدي؛ فبدلًا من الاستغناء الفوري عن أعداد كبيرة من الموظفين، قد يتراجع الطلب على العاملين تدريجيًا مع إنجاز المهام نفسها بعدد أقل من الأشخاص أو مع إعادة توزيع المسؤوليات بين الموظفين والتقنيات الجديدة.

ومع ذلك، لا يثبت التقرير أن الذكاء الاصطناعي هو السبب الوحيد وراء قرارات التوظيف، أو أن التأثير نفسه يمتد إلى جميع الشركات والقطاعات.

النمو الاقتصادي لا يعني بالضرورة زيادة فرص العمل

تطرح التطورات الحالية سؤالًا مهمًا حول طبيعة النمو الاقتصادي في عصر الذكاء الاصطناعي: هل تستطيع الشركات زيادة إنتاجها وأرباحها دون زيادة مماثلة في عدد الموظفين؟

تسمح أدوات الذكاء الاصطناعي بأتمتة بعض المهام المكتبية، وتسريع البحث والتحليل وإعداد المحتوى ومعالجة البيانات. وقد يتيح ذلك للشركات توسيع حجم أعمالها دون الحاجة إلى توظيف العدد نفسه الذي كانت تحتاج إليه سابقًا.

لكن الأثر لا يسير في اتجاه واحد. فزيادة الاستثمارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بما يشمل مراكز البيانات والرقائق وأنظمة الطاقة والتبريد، تخلق احتياجات جديدة إلى العمالة في البناء والهندسة والتشغيل والخدمات الفنية.

وهكذا يمكن أن يتزامن ارتفاع الطلب على العاملين في بعض المجالات مع تراجع فرص أخرى، حتى عندما يظل مستوى التوظيف الإجمالي مستقرًا نسبيًا.

دراسة لستانفورد تفحص 1.25 مليار إعلان وظيفي

تقدم دراسة بحثية نشرها مختبر الاقتصاد الرقمي بجامعة ستانفورد في سبتمبر 2026 صورة أوسع عن تغير الطلب على العمالة مع تبني الشركات للذكاء الاصطناعي.

وحللت الدراسة 1.25 مليار إعلان وظيفي و154 مليون سجل توظيف عبر 41 دولة، بهدف قياس العلاقة بين تبني الذكاء الاصطناعي وتوزيع فرص العمل بين الموظفين المبتدئين وأصحاب الخبرة.

وأظهرت النتائج أن الشركات التي تتبنى الذكاء الاصطناعي شهدت تراجعًا في حصة الموظفين المبتدئين من إجمالي العمالة لدى الشركات التابعة لها في الخارج، مقارنة بمجموعات مماثلة لم تتبنَّ التقنية بالطريقة نفسها.

لكن الدراسة أشارت إلى أن هذا التغير يرجع أساسًا إلى نمو أعداد الموظفين الأكثر خبرة، وليس بالضرورة إلى انخفاض عدد الموظفين المبتدئين أنفسهم.

وتعني هذه النتيجة أن الذكاء الاصطناعي قد يعيد تشكيل مزيج المهارات والخبرات داخل الشركات، حتى عندما لا يؤدي إلى خفض إجمالي العمالة بصورة مباشرة.

الوظائف المبتدئة تواجه اختبارًا أصعب

تبدو الوظائف المبتدئة من أكثر المجالات التي تستحق المتابعة، لأن عددًا من مهامها التقليدية يتداخل مع قدرات أدوات الذكاء الاصطناعي، خصوصًا في البحث الأولي وتحليل المعلومات وكتابة المسودات وإعداد التقارير.

وفي تقرير بحثي صادر عن معهد ستانفورد لأبحاث الاقتصاد وسياسات التعليم، ارتفع معدل البطالة بين الخريجين الجدد إلى 5.6% في بداية 2026، بزيادة قدرها 1.6 نقطة مئوية مقارنة بثلاث سنوات سابقة.

لكن هذه الأرقام لا تكفي وحدها لإثبات أن الذكاء الاصطناعي تسبب في ارتفاع البطالة؛ إذ يشير الباحثون إلى عوامل أخرى، منها تباطؤ سوق العمل وارتفاع أسعار الفائدة وتغير أنماط العمل بعد الجائحة.

وتكمن المشكلة المحتملة في أن بعض الوظائف المبتدئة تمثل مدخلًا لاكتساب الخبرة المهنية. وإذا أصبحت الشركات قادرة على تنفيذ المهام الأساسية آليًا، فقد تتقلص الفرص التي تسمح للخريجين ببناء خبراتهم والانتقال لاحقًا إلى وظائف أكثر تقدمًا.

الاحتياطي الفيدرالي: لا دليل حتى الآن على تراجع عام في إعلانات الوظائف

في المقابل، لا تؤيد جميع الدراسات فرضية أن انتشار الذكاء الاصطناعي يؤدي بالفعل إلى انخفاض شامل في التوظيف.

ففي دراسة نُشرت في مارس 2026، فحص باحثون في مجلس الاحتياطي الفيدرالي العلاقة بين تبني الذكاء الاصطناعي وإعلانات الوظائف لدى الشركات والقطاعات المختلفة.

وخلصت الدراسة إلى عدم وجود دليل واضح على أن الشركات أو الصناعات الأكثر تبنيًا للذكاء الاصطناعي تقلص إعلاناتها الوظيفية إجمالًا خلال الفترة التي شملها البحث.

وأوضح الباحثون أن هذه النتيجة لا تنفي احتمال تضرر مهن أو فئات محددة، لأن انخفاض الطلب على بعض الوظائف قد يتزامن مع زيادة التوظيف في وظائف أخرى، فتظل المحصلة الإجمالية مستقرة.

وبالتالي، فإن عدم ظهور انخفاض عام في إعلانات الوظائف لا يعني اختفاء مخاطر الأتمتة، لكنه يشير إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي أكثر تعقيدًا من سيناريو استبدال العاملين بالآلات بصورة مباشرة.

مفارقة رامب: الشركات الأكثر إنفاقًا على الذكاء الاصطناعي توسع التوظيف

تظهر بيانات أخرى اتجاهًا معاكسًا، إذ وجدت دراسة مبنية على بيانات إنفاق الشركات لدى منصة رامب وسجلات القوى العاملة أن الشركات الأعلى إنفاقًا على الذكاء الاصطناعي زادت عدد موظفيها بنحو 10% خلال العامين التاليين لتبني التقنية.

كما ارتفع توظيف المبتدئين بنحو 12% لدى الشركات التي سجلت أعلى مستويات الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.

لكن هذه النتائج لا تعني أن زيادة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي تضمن نمو التوظيف في كل شركة؛ فالعينة تضم أكثر من 21.5 ألف شركة أمريكية، ولا تمثل جميع الشركات بالضرورة، كما أن العلاقة بين الاستثمار والنمو لا تثبت وحدها أن الذكاء الاصطناعي تسبب في زيادة الوظائف.

وتشير النتائج، مع ذلك، إلى أن بعض الشركات تستخدم التقنية لزيادة قدرتها الإنتاجية وتوسيع أعمالها، بدلًا من الاعتماد عليها لخفض العمالة فقط.

تحذيرات أمودي من فقدان الوظائف لا تزال توقعات وليست نتيجة مثبتة

وسط هذا الجدل، سبق أن حذر داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، من أن الذكاء الاصطناعي قد يلغي نصف الوظائف المكتبية المبتدئة، ويدفع معدل البطالة إلى مستويات تصل إلى 20% في سيناريو متشائم.

لكن هذه التصريحات تمثل توقعًا بشأن التأثيرات المحتملة مستقبلًا، وليست وصفًا لما أثبتته البيانات الحالية.

وتشير الأبحاث المتاحة إلى تفاوت كبير بين القطاعات والشركات، مع وجود مؤشرات على ضغوط في بعض الوظائف المبتدئة، مقابل غياب دليل قاطع حتى الآن على انهيار عام في مستويات التوظيف بسبب الذكاء الاصطناعي.

سوق العمل أمام تحول تدريجي لا يزال قيد القياس

تعكس النتائج المتباينة أن تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل لا يمكن اختزاله في معادلة بسيطة بين التكنولوجيا وفقدان الوظائف.

ففي الوقت الذي تتجه فيه بعض الشركات إلى تقليل التعيينات والاستفادة من زيادة الإنتاجية، توسع شركات أخرى أعمالها وتزيد التوظيف مع ارتفاع استثماراتها في التقنية. كما يبدو أن توزيع الفرص بين الموظفين المبتدئين وأصحاب الخبرة قد يتغير قبل أن يظهر أي أثر كبير في إجمالي العمالة.

ومن هنا، لا تكمن القضية الأساسية في عدد الوظائف التي ستختفي فحسب، بل أيضًا في نوعية الوظائف الجديدة، وسرعة اكتساب المهارات، وقدرة الخريجين على دخول سوق العمل، ومدى استفادة العاملين من مكاسب الإنتاجية.

وحتى تتوافر بيانات أطول أمدًا، تظل القراءة الأكثر اتزانًا هي أن الذكاء الاصطناعي بدأ يغير قرارات التوظيف وتركيبة المهارات في بعض القطاعات، لكن حجم تأثيره النهائي على إجمالي الوظائف لا يزال غير محسوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى